فلسطينيو لبنان.. وتحديات مرحلة رفع الدعم الاقتصادي الحكومي – فتحي كليب

يعتمد لبنان النظام الاقتصادي الحر، الذي يقوم على المبادرة الفردية، وتحتل قطاعات الخدمات، كالسياحة والاعمال المصرفية وغيرها، موقع الصدارة مقارنة بالقطاعات الاخرى، ويساهم القطاع الخاص بنحو ثلاثة ارباع من اجمالي القطاعات الاقتصادية. ويعتبر الاقتصاد اللبناني من الاقتصادات النامية، التي كانت، وما زالت، تعاني من خلل واضح في توزيع الثرة الوطنية، اذا تشير ارقام المؤسسات المعنية ان 10 بالمائة من اللبنانيين يسيطرون على نحو 70 بالمائة من الثرورة، وهو ما شكل احد الاسباب في قيام الدولة بتحمل جزء من مسؤولياتها تجاه اصحاب الدخل المحدود والفقراء، عبر ما اصطلح على تسميته بـ “الدعم الاقتصادي”.

والدعم الرسمي هو سياسة تقوم بها بعض الحكومات عادة لاسباب متعددة، وهي عبارة  عن مبالغ مالية تخصصها المؤسسات الرسمية المالية لدعم قطاعات او سلع معينة، بهدف تمكين الفئات الفقيرة من الحصول عليها باسعار مقبولة، وهي تقوم على دفع خزينة الدولة لجزء من سعر السلعة لتصل الى عامة الشعب باسعار تكون في متناول الجميع، خاصة وان لبنان لا ينتج سوى 20 بالمائة من احتياجاته فيما الباقي (80 بالمائة) يتم استيراده بالعملات الاجنبية.

وبنتيجة الازمة اللبنانية المتواصلة منذ ما قبل العام 2019، والتي انعكست على جميع القطاعات، خاصة المالية، وتهريب مئات المليارات من لبنان، اعلن مصرف لبنان في اكثر من مناسبة، عن امكانية وقف الدعم او ترشيده، بسبب نفاذ كمية العملة الصعبة التي يمتلكها المصرف.. والتي بلغت حتى شهر آذار 2021، 16 مليار دولار أميركي فقط، بعد ان كانت في العام 2020 نحو 30 مليار دولار، ولا يمكن للمصرف التصرف الا بنحو 1.5 مليار دولار فقط منها لدعم السلع الاساسية، التي تبلغ سنويا نحو 6 مليارات. وبالتالي، فان المصرف سوف يكون عاجزا خلال فترة ليست بالبعيدة عن دعم اية سلعة.. ما دفع البعض الى التحذير من النتائج الاقتصادية والاجتماعية، والتفكير بحلول بديلة تخفف من وقع ما هو قادم..

وقد حذرت منظمات محلية ودولية من مشاهد مرعبة قد يشهدها لبنان، اذا لم تأمين بدائل. فاعتبرت منظمة العمل الدولية ووكالة اليونيسيف “أن رفع دعم أسعار المنتجات الأساسية في لبنان سيعود بنتائج كارثية على الفقراء والمحتاجين، وسوف تتضرر منه بشدة الفئات الاجتماعية الأكثر عوزا في البلاد ما لم تتخذ الحكومة إجراءات تخفف من حدة الأزمة المعيشية التي ستتولد عن رفع دعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية”.

المجلس الاقتصادي الاجتماعي في لبنان، وهو هيئة استشارية لا تملك سلطة القرار، اعد ورقة بمشاركة وزراء ونواب من كتل سياسية مختلفة، وحملت عنوان “توجهات استراتيجية”، هدفت الى “تصويب الدعم الاقتصادي وضمان وصوله الى اللبنانيين الاكثر حاجة”، خاصة في ظل الاكثار من الاحاديث عن تهريب السلع المدعومة الى خارج لبنان، وعدم وصول جزء كبير منها الى الفئات الفقيرة. اذا اشارت دراسة بان الفئات الغنية تستفيد من السلع المدعومة اكثر من غيرها، بسبب قدرتها على شراء كميات كبيرة من هذه السلع، وايضا نتيجة تخزينها من قبل بعض التجار الذي يتمتعون بحماية قوى سياسية..

مناسبة هذا الكلام هو مدى انعكاس اية اجراءات اقتصادية على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذي يعتبرون من اكثر الفئات تأثرا بقرارات رفع الدعم الحكومي، نظرا لعدم وجود بدائل. وفي لبنان يقيم ثلاث فئات اجتماعية: الاولى هي فئة المواطنين الذي سيستفيدون من بعض البدائل المقترحة عن سياسة الدعم، والثانية فئة اللاجئين السوريين الذي تتولى قضاياهم الاقتصادية والاغاثية المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة، والتي وضعت تصوراتها لكيفية التعاطي مع المرحلة القادمة، خاصة بعد ان تعهد المانحون الدوليون في نهاية شهر آذار بتقديم 6,4 مليار دولار..

اما الفئة الثالثة فهي فئة اللاجئين في لبنان والنازحين الفلسطينيين من سوريا، وهؤلاء من المتوقع ان يتم استثناءهم خطة الدعم النقدي استناد الى سوابق بهذا المجال. وما يجعل من هذه القضية مشكلة فعلية هي ان تلك الفئة، من اللاجئين والنازحين، تعتمد اعتمادا كليا على وكالة الغوث، التي لم يتضح حتى اللحظة كيف ستتعاطى مع المرحلة القادمة.. خاصة في ظل ازمة مالية تشهدها الوكالة وعجز كبير في اوازنتها، كان ذريعة في السابق لعدم المبادرة لاقرار خطة طوارئ خاصة طالب بها اللاجئون والنازحون منذ ما قبل جائحة كورونا وتداعياتها..

لا يجادل احد في مدى حاجة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الى الدعم الاقتصادي والاغاثي، خاصة وانهم عانوا خلال السنوات الماضية من ثلاث ازمات اقتصادية ومعيشية كبرى كانت كل واحدة منها كفيلة بأن توصلهم الى حافة الانهيار الكامل. ولهذا السبب تشكل اجماع سياسي وشعبي على مطلب تبني وكالة الغوث لخطة طوارئ اغاثية واقتصادية تستجيب للتحديات التي فرضت على فلسطينيي لبنان، وفاقمتها تداعيات كورونا واجراءات الاغلاق التي تكررت اكثر من مرة، لكن وحتى هذه اللحظة ما زالت الاونروا تتذرع بالازمة المالية وبعدم قدرتها تحقيق هذا المطلب..

ومعروف ان قطاع الخدمات الاجتماعية في الوكالة تم استحداثه لمثل هذه الظروف عبر مد الأسر الفقيرة والمعرضة للخطر بالمواد الغذائية التي توفر شروط الحد الادنى لمواصلة حياتها. وبعد أن كانت تقديماته تشمل جميع اللاجئين المسجلين، لجأت وكالة الغوث ومنذ نهاية الثمانينيات إلى تخفيض تدريجي لهذا البرنامج ومن ثم إلغاءه بشكل كامل وحصر نشاطاته ببعض العائلات التي أطلق عليها أسم “حالات العسر الشديد”، وهي الحالات الاكثر فقرا بين اللاجئين. ورغم ان معايير الاونروا المعتمدة تؤهل جميع اللاجئين للاستفادة من تقديماته، الا ان عدد الاسر في عداد هذا البرنامج بقي محدودا جدا..

لذلك يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان والنازحون من سوريا قلقا متزايدا لجهة امكانية عدم استفادتهم من الدعم البديل، الذي من المتوقع ان يوضع حيز التنفيذ الفعلي في نهاية حزيران 2021، وقد تشمل تلك الاجراءات رفع الدعم الجزئي او الكلي عن البنزين، المازوت، الغاز، بعض الادوية والغاء كلي لجميع السلع الاخرى عدا القمح. وهذا امر لو حدث سيترك انعكاسات وتداعيات اجتماعية ينبغي على المرجعيات المعنية على مستوى وكالة الغوث بخاصة ومنظمة التحرير الفلسطينية والحكومة اللبنانية التصدي لنتائجها منذ الآن.. فاجراءات رفع الدعم الجزئي والكلي، ستطال جميع العائلات الفلسطينية، وهذه التدابير ستنعكس على معدلات التضخم والفقر والبطالة اضافة الى الأجور. في ظل واقع ميداني يقول ان اكثر ثلاثة ارباع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان باتوا غير قادرين على الوصول الى احتياجاتهم الاساسية من الغذاء، وعدد كبير منهم باتوا يعيشون في فقر مدقع، في ظل ارتفاع نسب البطالة الى ارقام مرتفعة جدا (80-90 بالمائة) بسبب توقف عمل المئات وعدم تحمل الاونروا وغيرها من مرجعيات لمسؤولياتها لناحية توفير الدعم الاقتصادي والاغاثي، واذا ما توفر القليل منه فعلي اسس فئوية وفصائلية بهدف الكسب السياسي الرخيص..

لذلك، فان وكالة الغوث معنية بمواكبة تطورات الازمة اللبنانية بانعكاساتها السلبية على اللاجئين الفلسطينيين، وهناك فرصة التحرك على اكثر من مستوى للمعالجة، لأن التدابير الحكومية ستكون بشكل تدريجي وسوف تستبدل الدعم المباشر للسلع بدعم نقدي للأسر اللبنانية او ببطاقات تموينية.. والتخوف من امكانية استثناء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعدم ادراجهم ضمن الفئات المستهدفة، خاصة وان هناك سابقتين رسميتين (خلال شهري آذار ونيسان 2020)، حين اقر مجلس الوزراء اللبناني تخصيص دعم للاسر اللبنانية الفقيرة، مستثنيا بذلك اللاجئين الفلسطينيين، رغم مواقف فخامة رئيس الجمهورية حيتها بـ “أن الدولة ستوفر الحماية لجميع المواطنين والمقيمين”، لكن الذي حدث هو مخالف لذلك الموقف.

ان المطلوب اليوم من جميع المرجعيات الخدماتية على مستوى وكالة الغوث وسفارة فلسطين والفصائل واللجان والاتحادات الشعبية والمؤسسات الاجتماعية رفع درجة جهوزيتها للاستجابة للاحتياجات المتزايدة للاجئين الفلسطينيين في لبنان والنازحين الفلسطينيين من سوريا، ووضع الخطط البديلة في حال اقرت الدولة اللبنانية اجراءات رفع الدعم. وتبرز الحاجة ايضا لضرورة التعاون والتضامن بين جميع المكونات الفلسطينية، الرسمية والشعبية، بهدف التصدي لعشرات القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمكن معالجتها على أرضية العمل المشترك والشراكة الوطنية.

ان تزايد حدة التحديات باتت تستوجب خطة عمل وطنية تحصن وتحمي كل الحالة الفلسطينية وتوفر مقومات الصمود الاجتماعي لجميع ابناء الشعب الفلسطيني، بلاجئيه ونازحيه، وفي المدى المنظور، فهناك حاجة فعلية لتحرك على اكثر من مستوى:

1) دعوة وكالة الغوث، الى العمل السريع لزيادة الموازنات، خاصة ما يتعلق منها بالجانب الاغاثي، سواء عبر تمويل خاص او من خلال التواصل مع منظمات الامم المتحدة المعنية او عبر طرح هذا الامر على جدول اعمال مؤتمر المانحين الذي سينعقد قريبا من اجل حشد التمويل لموازنة الوكالة، وذلك بهدف توفير، وبشكل عاجل، الاموال اللازمة لاقرار خطة طوارئ خاصة بالمخيمات الفلسطينية واعلانها مناطق منكوبة تحتاج الى الدعم الاقتصادي.

3) دعوة اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية الى التعاطي مع الازمة الراهنة التي تشهدها المخيمات في لبنان باعتبارها تهديد سياسي من شأنه ان ينعكس على النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني وتماسكه، واتخاذ الاجراءات التي من شأنها التخفيف من حدة الازمة، لجهة السعي لإدخال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ضمن الفئات المستهدفة بالخدمات الاغاثية التي تقدمها مؤسسات المنظمة والسلطة في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة.

3) دعوة هيئة العمل الفلسطيني المشترك لأن تكون في حالة انعقاد دائم، والسعي بشكل مشترك الى معالجة تداعيات الازمة اللبنانية على اللاجئين، سواء من خلال تأمين مقومات الدعم والاغاثة او عبر تفعيل اطر العمل المشترك في المخيمات للتصدي لكل ما من شأنه العبث بالأمن والاستقرار، ومواجهة كل ما يتهددها على المستويات السياسية والاقتصادية.

4) حث القوى والاحزب والتيارات اللبنانية السياسية والحزبية والشعبية على دعوة الحكومة اللبنانية لشمول اللاجئين الفلسطينيين في جميع جهود الاغاثة والتعاطي معهم على قدم المساواة مع اخوتهم اللبنانيين، خاصة بما يتعلق باستبدال الدعم بمساعدات نقدية او بطاقات تموينية.. ودعوة القوى اللبنانية الحليفة والصديقة لشعبنا الى مد جهود الاغاثة التي تقوم بها لتشمل جميع الفلسطينيين بعيدا عن كل اشكال التمييز.

5) دعوة الاتحادات الشعبية الفلسطينية لادامة التواصل مع الهيئات اللبنانية من اجل وضع قضايا اللاجئين، خاصة العمال، على جدول اعمالها وبهدف استفادتها من اية مكتسبات ومساعدات ممكنة.. ولضمان صون وحدة مصالح العمال اللبنانيين والفلسطينيين.

فتحي كليب / عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين