في محراب الذكرى الأولى: “رشاد أبو شاور”…
في محراب الذكرى الأولى: “رشاد أبو شاور”… الجرح الذي تأبى الروح أن تدمله
عامٌ… يا أبا شاور، ولم تكن مسافةً تُقاس بالأيام والليالي، بل هي هوَّةٌ سحيقةٌ من الغَـيْـبَة، جرحٌ غائرٌ لم تجد الأيامُ بلسمًا له. مرّتْ بنا هذه الدورةُ الكاملةُ من الشمسِ كأنها بَارِحةٌ عَبَرَتْ، وكأنّ عقاربَ الزمنِ قد تسمّرتْ عند اللحظةِ الفاجعةِ التي حَمَلتْ نبأَ رَحِيلك، لتُلقيَ بنا في خَواءٍ قاهرٍ لا يملكُ الكونُ سدَّه.
ما زالتْ تلك اللحظةُ المُشّاءةُ مُسَمّرةً في جدارِ الذاكرة، صورةً لا يغطيها غبارُ النسيان: كنتُ إلى جوارِكَ على سريرِ المشفى، وأنتَ غارقٌ في سُباتِكَ الصامتِ، أتشبثُ بِوَهْمِ الأملِ كغريقٍ، أرقبُ أنفاسًا كانتْ تتهاوى، وفجأةً… صَمَتَ القلبُ الأعزلُ، وسَكَنَتْ الروحُ الثائرةُ، وغادرتَنا بلا كلمةِ وداعٍ، كأنما كنتَ على ميعادٍ لا يعلمُهُ سِواك. في تلكَ اللحظةِ المُزلزلةِ، شعرتُ أنّ جزءًا أصيلًا من كياني قد انطفأ للأبد، وبقيَ ظلّي يَتخبّطُ في عتمةِ الفقد.
الكاتبُ المناضلُ ونديمُ الروح
يا لَخسارةِ العمر! لم تكنْ مجرّدَ صديقٍ، بل كنتَ الشقيقَ الذي لم تلدهُ أمّي، والرفيقَ الذي لا يبدلُهُ الدهرُ، ونديمَ الروحِ الذي لا يُعوَّض. في محرابِ صحبتِكَ، تعلّمنا أنّ الكلمةَ ليستْ زينةً لغويةً رقيقةً، بل هي موقفٌ صُلبٌ لا يلينُ، ودَمٌ طَهورٌ يُسْفَكُ على مذبحِ القضية، وصوتٌ يخرقُ سِياجَ الحصارِ ليقاومَ بَسْطَةَ النسيان.
كنتَ ابنَ فلسطينَ البارّ، وضميرَها المُشتعلَ، وصوتَها الصارخَ الذي لا يرضى بالصمتِ، والأديبَ الذي حملَ كلَّ وجعِ الوطنِ بينَ ضلوعِهِ وفيضِ حِبرِه، مُعلّمًا إيانا أنّ فعلَ الكتابةِ مقاومةٌ ضاريةٌ لا تقلُّ شأنًا عن فوهةِ البندقية. لكنكَ، بالنسبةِ لي، كنتَ أسمى وأعمقَ من كلِّ هذهِ الأوصاف: كنتَ الإنسانَ الشفّافَ، الدافئَ، الأبيّ، الذي يعرفُ كيفَ يفتحُ قلبَهُ بلا مواربةٍ أو زيفٍ، ويمنحُ مَنْ حولَهُ شعورًا بأنهم أجزاءٌ من عائلتِه الكبيرة. كنتَ السندَ الذي لا يميلُ، والضوءَ الذي يَشُقُّ عتمةَ هذهِ الحياةِ المُضنية. واليوم، وأنا أخطُّ هذهِ الحروفَ في ذِكراكَ الأُولى، أشعرُ بتمزّقٍ لا يُجبر، وكأنني فقدتُ قِطعةً من روحي لا يعيدُها الزمنُ أبدًا.
الوصيةُ… عهدٌ لن يخبو
لقد تركتَ لنا وصيتَكَ الأخيرة، وقد بدأنا بتنفيذِها وفاءً لعهدِ الرجالِ الذي أقسمناهُ. وأُقسمُ لكَ الآنَ، أمامَ غيابِكَ المَهيبِ، أنني سأظلُّ أمينًا لهذا العهدِ حتى آخرِ نَفَسٍ. وها هو كتابُكَ الذي حاولَ بعضُ المُتربصينَ أن يعطّلَ صرختَهُ، سيُبصرُ النورَ قريبًا رغمَ أنوفِهم وأحقادِهم، وسيجدُ مكانَهُ المُستحقَّ في أيدي القرّاء. وسيكونُ في بيتكَ حاضرًا حضورًا طاغيًا، وكأنكَ أنتَ هناكَ، تستقبلُ الوفودَ بابتسامتِكَ الوضّاءةِ ودفءِ روحِكَ الذي لا يُقاوَم.
يا رشادُ، إنّ غيابَكَ لا يُعوَّضُ أبدًا، ولكنهُ في الوقتِ ذاتِه لا يُمحَى. ستظلُّ حاضرًا حضورًا أزلِّيًا في كلِّ حرفٍ نَبَضَ بهِ يراعُك، في كلِّ كتابٍ صارَ بيتًا مُشرعًا للأرواحِ التوّاقةِ إلى الحرية، وفي الذاكرةِ الجمعيةِ لهذا الشعبِ الذي عشقتَهُ حتى الثمالةِ، وقاومْتَ بهِ ولأجلِهِ حتى الرمقِ الأخيرِ.
سلامٌ عليكَ في غربتِكَ الأبديةِ، وسلامٌ على روحِكَ التي تعبتْ طويلاً من وَطْأةِ الحروبِ ومَرارةِ المَنافي، ثمّ استراحتْ أخيرًا إلى جوارِ الحقِّ. لنْ أنساكَ أبدًا، ولنْ أنسى هذهِ الصداقةَ الملحميةَ التي كانتْ أجملَ وأثمنَ هديةٍ في العمرِ كلِّه.
رحمَ اللهُ روحَكَ الطاهرةَ، أيها الصديقُ الذي لا يُكَرّرُهُ التاريخُ.
مالك علول – الأردن Malek Aloul

