قاسم سرحان من وفي مخيم شاتيلا بدأ وانتهى المشوار – نضال حمد

كنت في أول أيام الغزو الصهيوني للبنان في حزيران يونيو 1982 موجوداً في مبنى قريب جداً من المدينة الرياضية حيث الغارات الصهيونية العنيفة على المكان المذكور. لقد كان دوي الانفجارات يهز المنطقة ويحرك أسس العمارة التي كُنا في طابقها الأرضي. يومها شاءت الصدف بأن كان معنا رفيق فلسطيني من مخيم شاتيلا، اسمه “قاسم سرحان” واعتقد بأن كثيرين في مخيم صبرا وشاتيلا وفي حي الفاكهاني حيث كانت تجمعات مكاتب ومقرات الفصائل الفلسطينية كانوا يعرفونه.

لم يستطع هذا القاسم أن يكتم صرخاته وأن يضبط إيقاعها، كانت صرخاته المتعالية أقوى على مسامعي أنا ورفاقي الآخرين، من هدير طيور العم سام المعدنية، ذات الرؤوس الحربية الملتهبة والبطون الحاملة على مدار السنة.

لم يكن بمقدور قاسم أن يحتمل ويتحمل كل تلك الانفجارات مرة واحدة، فأنفجر في نوبة هستيريا حادة تصارع خلالها مع الجدران، كانت تلك النوبة شيئا عاديا للذين يعرفونه، لأنها ليست النوبة الأولى، لكنها بالتأكيد من النوبات العنيفة التي اجتاحته خلال تلك السنة الكبيسية. فأعداد الطيور الجهنمية وأحجام قنابلها الملقاة علينا جعلته يلقي قنابله الهستيرية على كل ما هو حوله.

لسوء الحظ أن النوبة الهستيرية أو نوبة الصرع غير الاعتيادية جاءته في ذلك اليوم بالضبط، مع القصف الهمجي المتواصل أو بفعله أيضا.

فكرت بيني وبين نفسي بأنه ربما يكون للهب النتاج عن الغارات أو لإحمرار السماء نتيجة الحرائق أثره في تحريك نوبات الهستيريا والصرع عند صديقنا الذي كان مكتوما ثم فجأة وكما مفاجآت الغارات أنفجر.

في ذلك اليوم الجهنمي كانت السماء بعيدة كحرية مفقودة، ولم تعد زرقاء سماوية موشحة بالبياض بل غدت حمراء أكثر. فيما وجوه البعض صارت صفراء. لقد كنا نعيش أوضاعاً قاتمةً ولحظات سوداء، بانتظار الفرج أو بانتظار فسحة بياض مفقودة في زمن العروبة المسكونة بعفاريت أمريكا و”إسرائيل”.

سألت المعارف عن قاسم سرحان العجيب، قالوا أنه من الذين تجيئهم النوبات كلما ضاقت بهم الحياة. ربما كان ذاك الفلسطيني المدعو قاسم سرحان من عائلة غير صامتة وغير هادئة، وليست قليلة الكلام وربما العكس هو الصحيح. ربما سكنت في حارات البؤس التي تملأ مخيم شاتيلا وربما في مخيم صبرا. فهناك ولد سرحان بكامل القوى العقلية والأوصاف، لكنه جُن عندما تذكر ما حل بأهله وبلاده في حرب اغتصاب فلسطين، فقد كانت الصدمة تلاحقه والدماء تجري حوله كأنها مطراً أحمراً تساقط من سماء صارت كبنك تخزين الدم. بقيت حياته متوقفة عمليا في بلدتهم الجليلية التي أزيلت عن وجه الأرض وطمر معظم سكانها تحت التراب. فهو كان هنا جسداً لكن روحه وقلبه بقيا هناك في جليل فلسطين أو على ساحل بحرها الطويل. بقي مع البرتقال ومع الزيتون والتفاح والزعتر البريّ الميرمية والجعساس البلديّ. بقي مع قمح الجليل وسنابل الذهب المتمايلة مع الريح على سفح جبلي الكرمل والجرمق.

هذا الرجل كان بصرخاته الطالعة من أعماق قلبه، من دواخله الساكنة والصامتة يزلزل الأرض ويثير الجبال بما فيها من براكين خامدة. كانت صرخاته المفجعة تعلو فوق أصوات القنابل ودوي الانفجارات وهدير الطائرات وصفارات الإسعافات. كان يرتاح قليلا ثم يعود ليبدأ جولة أخرى من الهستيريا المرعبة، فيما كانت الطائرات الصهيونية بقنابلها وهديرها وما تحمله من موت ومار ورعب وارهاب، أهون على المحتمعين في الغرفة تحت الأرض من جنون قاسم سرحان.

كان قاسم رجلا مربوع القامة، قويّ جداً، متين البنية، مرصوص العضلات، يملك عينا صقر، وضخم مثل فيل آسيوي هائج أو دب قطبي فالت من قبضة صياد محنك، صاحب وجه عريض ورأس كبيرة، ،كان مجنوناً بين عقلاء أو عاقلاً بين مجانين، أو أنه كان يحيا في زمن الجنون العام بلا دعوة للجنون كما كان يدعونا مجانين الرصيف الفلسطيني والعربي، رصيف الشاعر الشهيد على فودة.

قال لي احد المستعمين لحديثي أنه بشوق لسماع المزيد عن قاسم فهو كان يعرفه لكنه لم يعرف كل شيء عنه.

قلت له سوف أسرد لك بعض الحكايات المثيرة عن هذا الإنسان الذي ترافق جنونه مع جنون عام عصف بالواقع اللبناني وبفلسطينيي لبنان أيضا في ذلك الوقت بالتوقيتين اللبناني والفلسطيني.

قال محدثي: “أنني اعرف طبيعة المخيمات الفلسطينية والمنافسة بين الفصائل الفلسطينية على استقطاب الناس والأعضاء كيفما كانوا، وكيفما اتفق، وحدث أن أصبح السلاح بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان 1975 والمذابح والمجازر التي تلتها وحدثت في مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا والضبية، حيث قتل المئات وجرح الآلاف وشرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، حدث أن أصبح السلاح بمتناول الجميع، حيث تم تسليح وتدريب الناس على استعماله للدفاع عن نفسها وحماية المخيمات، خوفا من مجازر جديدة وتأكيدا لاستعراض القوة والعضلات لبعض الفصائل التي إرتأت في الحرب فرصة لكي تبرز نفسها ومواهبها ومواهب أعضاءها. فكانت هناك أخطاء في استعمال السلاح وكانت هناك توجيهات سيئة وغير طبيعية لمسار البندقية، وأحيانا كان الهدف معكوسا، فبدلا من توجيهه للأعداء كان يوجه للأشقاء والأصدقاء. كانت ثورة في عصر القِصورْ والقُصورْ، ثورة بشر وفدائيين، “ثورة في عصر القرود” كما جاء في كتاب الأديب والروائي الفلسطيني الصديق رشاد أبوشاور. ثورة شعب وجد نفسه بين فكي كماشة “إسرائيل” من جهة ومن جهة أخرى حلفاءها من الفاشيين والانعزاليين المدعومين من أنظمة عربية ومن بعض العرب، الذين فضلوا أطماعهم وهيمنتهم على الوقوف إلى جانب الحق والعدل والعروبة.

سلاح الأخطاء هو الذي قتل قاسم سرحان الذي بدوره استخدم نفس هذا السلاح خلال حياته وكانت احدى عينيه من ضحايا سلاحه الشخصي. رحم الله قاسم سرحان ابن مخيم شاتيلا وتجربة الثورة الفلسطينية في لبنان بما له وبما عليه.

نضال حمد: كتبت سنة 1983 وتم تعديلها في 05-10-2021

قاسم سرحان من وفي مخيم شاتيلا بدأ وانتهى المشوار – نضال حمد

Sabra – Chatila 1982