قراءة ابتدائية في مؤشرات فشل الحرب الصهيونية الرابعة على قطاع غزة – د أيوب عثمان

   

عندما تبدَّت إلى رئيس وزراء دولة الاحتلال العسكري الصهيوني، بنيامين نتنياهو، صور تشير إلى – إن لم تؤكد على – تراجع فرصه في البقاء على سدة الحكم لجملة أسباب أهمها فساده الذي يزكم الأنوف، والذي سيؤدي به حتمًا إلى السجن، كما يرى هو دون أن يصرح، لم يجد بدًا من اتخاذ القرار بإشعال رابع حرب مدمرة على غزة خلال عقد من الزمان، فهاجمها كما لم تُهاجَم أعتى الدول في حروب العصر الحديث.

لم تكن دولة الاحتلال في خطر من شأنه أن يدفع رئيس حكومتها – المهدد بالسجن على قضايا فساد كبير – إلى شن هذه الحرب المدمرة ضد غزة على الإطلاق، ذلك أن هذه الحرب التي أشعلها ضد غزة لا يمكن لأي أحد أن يصفها بأنها “حرب أمنية” تهدف إلى استدعاء الأمن وتحقيقه وبسطه، ولا أن يصفها بأنها “حرب وقائية” تهدف إلى وقاية دولة الاحتلال وتوفير الأمن لها ضد أي هجوم أو اعتداء، لكنها في المقام الأول والثاني والأخير “حرب انتقامية” ذات هدف استعراضي خالص لقوة التدمير العسكرية التي تمتلكها دولة الاحتلال الصهيو/أمريكية، لا لهدف إلا لتأمين وجوده في سدة الحكم وتثبيت أركانه.

وباختصار، فإن نتنياهو يسعى ما وسعه الجهد إلى إقناع “الإسرائيليين” بأنه – هو فقط دون غيره – القادر، بل الأقدر، على حماية الشعب الإسرائيلي عبر حروب الردع والدمار التي يوقدها. فحينما يصدر نتنياهو أوامره بإسقاط الأبراج السكنية المدنية ذات الخمسة عشر طابقًا، أو نحوها، المأهول كل منها بعشرات العائلات التي قوام كل منها سبعة أفراد في المتوسط، أو يزيد، إنما يهدف من وراء ذلك إلى إقناع “الإسرائيليين” أنه هو فقط،  دون غيره – بصفته رئيسًا للحكومة والأقدرعلى توفير الأمن والحماية لهم – علمًا أن الحقيقة العسكرية هي غير ذلك تمامًا: فالنجاح العسكري إنما يقاس بمدى النجاح في تحقيق الهدف الذي يقف وراء الهدف العسكري الذي يعمل ويمهد فيما بعد إلى تحقيق الهدف السياسي الذي تم إيقاد الحرب من أجل تحقيقه.

لقد فوجئ الأقطاب السياسيون والعسكريون داخل دولة الاحتلال ومؤيدوهم أيضًا – سواء في داخلها أو من خارجها – برد الفعل المقدسي، ثم رد الفعل الغزي الذي زلزل أقطاب السياسة والعسكر في دولة الاحتلال، ما فرض عليها أن تعترف، صاغرة، أن الحرب الدائرة حاليًا، وهي التي أوقد نارها رئيس حكومتها اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو، إنما هي أخطر حرب تواجهها دولة الاحتلال، وهي أيضًا حرب تشير إلى – إن لم تؤكد على – فشل استخباراتي احتواها فكان سببًا بارزًا ومباشرًا في حشرها في زاوية الضعف الاستخباراتي الذي ظل على الدوام إحدى مزاياها وموضع قوتها ومركز فخرها في نظر الدنيا بأسرها.

أما على مستوى التطبيع، فإننا نسأل سؤالًا ها هو الآن موعده: أين هو التطبيع؟! وما هو الآن حاله؟! وكيف سيكون في المستقبل القريب حاله؟! أهو موجود أم بين عشية وضحاها قد تبخر ولن يكون له وجود، أبدًا؟! من أراد الإجابة الحقيقية، عليه أن يجيب من خلال الواقع الشعبي الذي سيفرض، في يوم قادم، قراره الذي لن يكون في مكنة أي سلطة أو سلطان أو قوة رده أو إهماله. فالشعب الأردني البطل وبرلمانه الوطني المسؤول يطالبان بإلغاء معاهدة وادي عربة، وإلغاء اتفاقية الغاز مع العدو الصهيوني. فضلًا عن ذلك، فإن أحدًا لا ينبغي له أن ينسى أو أن يتناسى أن معاهدتي السلام بين مصر و”إسرائيل”، وبين الأردن و”إسرائيل” هما معاهدتان حكوميتان رسميتان لا علاقة للمستوى الشعبي بأي منهما. وعليه، فإن اليوم الذي لن يجاز فيه إلا ما تجيزه الشعوب، إنما هو آتٍ آتٍ، طال الوقت أم قصر.

وإذا كان ما رأيناه على الحد الفاصل بين الأردن ودولة الاحتلال من غليان شعبي عارم وكبير قبل أيام، احتجاجًا على إشعال حرب ضارية على غزة، فكيف يمكن تفسير غليان الشعب السوداني دعمًا وتأييدًا وانتصارًا للشعب الفلسطيني الذي يواجه حربًا عدوانية عليه في القدس وفي غزة، وهو الشعب العربي الأصيل الذي يرفض تطبيع حكومته في السودان مع عدوه، عدو العرب أجمعين، ومغتصب مسرى النبي في القدس وأرض فلسطين. ليست المظاهرات العارمة في السودان الشقيق إلا أبرز دليل، لا يمكن إنكاره، على حقيقة واضحة مفادها أن الشعب السوداني يرفض تطبيع حكامه مع العدو الصهيوني. غير أنه إن رغب أحد في المكابرة ليفرض علينا القبول برؤيته في أن التطبيع بين دولة الاحتلال والسودان ما يزال ناجحًا، ولم يواجه الفشل، فإننا نحيله إلى حالة الصراع الدامية التي فجرها الداخل الفلسطيني العربي ضد دولة الاحتلال – مؤخرًا-  بعد ثلاثة وسبعين عامًا هي عمر دولة الاحتلال التي استمر ظنها أن الحالة المعاشة بينها وبين الجمهور العربي الفلسطيني ، إنما هي حالة تطبيع أو تعايش سلمي دائم.

أما آخر الكلام، فإن غزة، يا نتنياهو، كما يقول محمود درويش:

” ليست أجمل المدن

وليست أغنى المدن

وليست أرقى المدن

وليست أكبر المدن

ولكنها تعادل تاريخ أمة

لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء،وفقرا وبؤسا وشراسة

لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته

لأنها كابوسه

لأنها برتقال ملغوم

وأطفال بلا طفولة

وشيوخ بلا شيخوخة

ونساء بلا رغبات

لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب

ليست لغزة خيول ولا طائرات ولا عصي سحرية ولا مكاتب في العواصم

صحيح أن لغزة ظروفا خاصة وتقاليد ثورية خاصة‏‏ ولكن سرها ليس لغزا

مقاومتها شعبية متلاحمة تعرف ماذا تريد (تريد طرد العدو من ثيابها)‏‏

وعلاقة المقاومة فيها بالجماهير هي علاقة الجلد بالعظم

وليست علاقة المدرس بالطلبة

لم تتحول المقاومة في غزة إلى وظيفة

ولم تتحول المقاومة في غزة إلى مؤسسة‏‏

لم تقبل وصاية أحد ولم تعلق مصيرها على توقيع أحد أو بصمة أحد‏‏

ولا يهمها كثيرا أن نعرف اسمها وصورتها وفصاحتها

لم تصدق أنها مادة إعلامية

لم تتأهب لعدسات التصوير

ولم تضع معجون الابتسام على وجهها‏‏

لا هي تريد.. ولا نحن نريد‏‏

من هنا تكون غزة تجارة خاسرة للسماسرة

ومن هنا تكون كنزا معنوياً وأخلاقيا لا يقدر لكل العرب‏‏

ومن جمال غزة أن لا شيء يشغلها

لا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو

قد ينتصر الأعداء على غزة

قد يكسرون عظامها‏‏

قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها

وقد يرمونها في البحر أوالرمل أو الدم ولكنها

لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم‏‏

وستستمر في الانفجار‏‏

لا هو موت ولا هو انتحار

ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة

وستستمر في الانفجار‏‏”