قضايا العمران ومحاربة أخلاق الزحام – د عادل عامر

يعتمد أسلوب التخطيط الشامل أساساً على تخطيط استخدام الموارد المتاحة في المجتمع الاقتصادي على أفضل وجه، بحيث يحقق أفضل النتائج ويشمل جميع قطاعات الاقتصاد الوطني، ويركز على الإجراءات اللازمة لدفع عملية التنمية من خلال تنويع القاعدة الاقتصادية، واستخدام الموارد كالنفط مثلاً كعنصر فعّال في تحقيق التنمية القطاعية والتنمية المتوازنة إقليميا بدلاً من استخدامه كسلعة وحيدة للتصدير.. لزحام أكثر لعنة من الفقر، فكيف تطلب من إنسان يستقل المترو أو الأتوبيس فيجد نفسه محشورًا بين كتل بشرية أخرى.. كيف تطلب منه أن يتمتع بسلوك طيب؟ أو يتصرف برقى؟ وكيف تعاتبه إذا انقض بشكل همجي على أول مقعد خال؟حتى الذين يمتلكون سيارات خاصة، يلقى الواحد منهم بالأخلاق من النافذة إذا انحشرت سيارته بين علب الحديد التي تتراكم في الشوارع الرئيسية والجانبية، فالزحام يفجر أسوأ غرائز البشر، والزحام يدفع كل امرئ إلى الذود عن جسده وذاته بأية وسيلة، حتى لو اضطر إلى السير فوق أجساد من حوله!

كثير منا يظن أن الفقر الذى يمسك بخناق الغالبية العظمى من المصريين هو السبب في ندرة الأخلاق أو غيابها، وهو قول خاطئ، إذ أننا منذ فجر التاريخ نصارع الفقر المدقع بسبب جشع حكامنا وطمعهم، ومع ذلك لم تصل أخلاقنا إلى هذا المستوى من الانحطاط والتردي، الأمر الذى يؤكد أن السبب الرئيسي الذى أدى إلى تدهور منظومة الأخلاق لدينا يكمن في الزحام، لذا يتفاقم سلوكنا الشائن في القاهرة والإسكندرية بشكل فاضح وفادح لأنهما أكثر مدينتين مكدستين بالبشر!

ليس عندي ذرة شك واحدة في أننا لن نستعيد أخلاقنا الضائعة إلا إذا وجدنا الوسيلة الناجعة التي تقضى على كابوس الزحام.. هذا الزحام الذى استشرى نتيجة سياسات خاطئة اقترفها حكامنا السابقون، فتركوا البشر يتزايدون دون أن يوفروا لهم المدن الجديدة التي تستوعب هذه الزيادة.

رجاء.. تذكر.. لا وجود للأخلاق مع الزحام!

هذا بالإضافة إلى التركيز على تخطيط استخدام الموارد المتاحة في بعض قطاعات الاقتصاد القومي دون البعض الآخرو أهداف التنمية شاملة في نطاقها حيث تتضمن ثلاثة أبعاد هي البعد الاقتصادي والذي تناول تنمية التجهيزات الأساسية والصناعات الأساسية والزراعة، والبعد الاجتماعي والذي تناول رغبات أفراد الشعب وطموحاتهم وإمكاناتهم، وأخيراً البعد التنظيمي الذي تناول إدخال تغييرات أساسية على التنظيم الإداري واللوائح والأنظمة. 

 التخطيط القومي أو الوطني الشامل

ويلاحظ أهمية التخطيط القومي الشامل للدول الراغبة في التنمية أو المحافظة على التنمية أو إعادة التنمية فئ الظروف غير الطبيعية وتشمل في الحالات التالية :-

أولا – حالة الدول المتطلعة إلى مستوي أرقي من المعيشة في أقل وقت ممكن .

حيث يظهر من التعريفات المختلفة للتخطيط القومي الشامل ونظرياته أنه حالة مستمرة تهدف إلي رفع المستوي المعيشي للدولة من درجة إلي درجة أعلى وهذا الأمر بمستواه الضخم لن يتأتي إلا بوسيلة علمية والرقي المعيشي للدولة لن يرتقي إلا بوسيلة علمية ضخمة تخوض جميع مقوماته وهو التخطيط القومي الشامل .

ثانيا – في حالة الظروف غير الطبيعية أو المتوقعة .

دائما ما يلجأ الإنسان في حالة الظروف غير الطبيعية إلي إعادة التوازن مرة أخري لتسيير أموره الحياتية ولن يصل إلى هذا إلا بالتخطيط المحدد الهدف والزمن المبنى على الإمكانيات المتاحة والظروف غير الطبيعية تتمثل في العناصر الثلاثة المقومة لحياة الإنسان وأولها حياة الإنسان نفسه وثانيها الأرض التي يعيش عليها وثالثها الثروة التي يقتات من خلالها والظروف غير الطبيعية مثل الحروب والوبائيات والكوارث الطبيعية وغالبا ما تلجأ الدولة في حالة الظرف غير الطبيعية إلي التخطيط القومي الشامل الذي ينظم العلاقة بين الإنسان والأرض والثروة بهدف معالجة الأوضاع غير الطبيعية أو المتوقعة ويتشكل في صوره حسب الإمكانيات المتاحة فعليا وفى زمن محدد .

ثالثا – في حالة الدول المتقدمة التي وصلت إلى مرحلة متقدمة من النمو .

وزمن التخطيط القومي الشامل يقسم إلي ثلاثة أقسام لان أعمال التخطيط بصفة عامة أعمال مكلفة ماديا وبشريا والحاجة تدعو دائما إلي الحصول علي نتائج سريعة

نعم أخلاق القاهرة الآن تتغير كثيرا بضغط الكثافة السكانية فغابت المودة، والرحمة، والإيثار، والتفاهم والتسامح والكرم والبشاشة والضحكة التى كان يتميز بها المواطن المصري. لقد غير الزحام كثيرا من أخلاق المواطن حتى داخل أسرته وعائلته، لم تعد هناك تلك الحميمية فى اللقاء واللهفة عند اللقاء، فضلا عن تحول ساكن القاهرة إلى شخص عصبى يعانى ضغطًا وصراخ المركبات من حوله وتزايد وسائل المواصلات العشوائية من ما يسمى بالتكاتك أو الميكروباصات إضافة إلى الحر صيفا والزحام يساعد على نقل العدوى بالأمراض الخطيرة بعكس مدن المحافظات الأقل عددا والأكثر أخلاقا من القاهرة ونموذج لسلوك الزحام أيضاً عندما تكون أمام ماكينة صرف النقود الآلية بجوار البنك فإن الواقفين خلفك فى الطابور يتابعون كل العمليات التى تقوم بها من سحب وإيداع، كما يطّلعون على رصيدك وقد يناقشونك فى بعض شأنك البنكى أمام الماكينة.. كل منهم يتابع ويتفاعل مع عمليات الآخرين، ويظهر ذلك أيضا فى طوابير المصالح والهيئات الحكومية حيث يتحول الطابور إلى منتدى ناقش فيه كل شيء وأى شىء.

بينما فى المدن غير المزدحمة الكل يعرف بعضه البعض، والكل يخشى أن تناله سمعة سيئة، والكل مستعد لنجدة الملهوف وإغاثة المكروب، بعكس المدن الكبرى وأقصد بها هنا القاهرة تحديدا التى أفقدها الزحام أخلاقها تماما وأصبح شعار أنا ومن بعدى أى شخص، المهم أن أكون الأول الأول ولا يهم من بعدى ويبدو ذلك واضحا فى محطات المترو، حيث يتسابق الركاب للصعود على السلم كلٌ قبل الآخر فى مشهد غير حضارى على الإطلاق.

الزحام خلق نوعا من الاستعداد لارتكاب الجريمة على أقل الأسباب، وزاد من احتمالات الشجار خاصة فى حالات تصادم السيارات أو تلامسها حتى قبل أن تتصادم، لذا آن الأوان للحروج من الوادى الضيق إلى الصحراء الواسعة وإعادة توزيع السكان ووقف الهجرة الداخلية العشوائية وفتح مجالات لاستيعاب العمالة الوهمية القادمة من المحافظات للقاهرة فإن لم يحدث هذا ستظل أخلاق الزحام سائدة وتفرض قواعد جديدة للحياة ونمطا آخر للسلوك أشد سوءًا. 

إعداد الخطة القومية

وضع الاستراتيجيات التنظيمية وتوضيح التحديات الكبرى وتحديد المشكلات الرئيسية العاجلة واقتراح أهداف الحلول العاجلة للمشكلات الرئيسية وإظهار الحلول العاجلة للمشكلات الرئيسية وذلك لوضع الحلول للتحديات الكبرى المتمثلة عموما في صراع بين النمو الاقتصادي المطرد والاستهلاك الكبير للموارد والتدهور البيئي وتخلف التنمية الاجتماعية وراء التنمية الاقتصادية ؛

 والتباين الواسع بين مختلف المناطق في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والقيود الناتجة عن ضخامة عدد السكان وندرة الموارد وعدم التناسق بين بعض القوانين الحالية واللوائح والسياسات والاحتياجات الفعلية للتنمية المستدامة

ووضع الحلول للمشكلات الرئيسية العاجلة التي تحتاج إلى حلول عاجلة وتشمل في الغالب الحاجة إلى الارتقاء بالمستوى الشامل للسكان ومشكلة تسارع شيخوخة السكان وعدم كفاية نظام التأمين الاجتماعي و كثافة الضغوط على التوظيف

ومشكلة هيكل اقتصادي غير رشيد بالقدر بالمطلوب .وسوء نظام تشغيل اقتصاد السوق وانخفاض نصيب الطاقة النظيفة في إجمالي استهلاك الطاقة وتخلف البنية الأساسية وانخفاض مستوي البنية الأساسية المعلوماتية للاقتصاد الوطني والهدر الخطير في استغلال الموارد الطبيعية والتلوث البيئي والتدهور البيئي الخطير

 وسوء التشريع الخاص بإدارة الموارد وحماية البيئة والحلول العاجلة تهدف علي سبيل المثال إلي رفع مستوي المعيشة وعدالة توزيع الدخل القومي وتوفير فرص العمل وتضييق الفجوة بين المدينة والقرية وإقامة صرح صناعي وطني يوفر احتياجات السوق المحلية وزيادة حصيلة الصادرات وتطوير الزراعة لسد الاحتياجات المحلية وتتمثل الحلول العاجلة في العولمة المتزايدة للاقتصاد العالمي يعزز المجتمع الدولي تفهمه ويعزز جهوده من أجل التنمية المستدامة والتنمية المشتركة ويتعين علي الدولة أن تفسح المجال كاملا إمام ميزة نظامها الاقتصادي السوقي

 ويتعين علي الدولة على وجه الخصوص أن تفسح المجال كاملا أمام دور الحكومة في تنظيم وتنسيق تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة والتعامل على النحو الصحيح مع العلاقة بين العولمة الاقتصادية والتنمية المستدامة ويتعين علي الدولة أن تشارك بفعالية حول التنمية المستدامة في التعاون الدولي وتحمى المصالح الأساسية للبلاد ومن بينها الأمن الاقتصادي والبيئي .

الدكتور عادل عامر

دكتور القانون العام والاقتصاد

وخبير أمن المعلومات 

وعضو المجلس الأعلى لحقوق الانسان