كبار السن ضحايا الشيخوخة – نضال حمد

يدركون أنهم هرموا وأن للخيام الآن عمدان أخرى كما وللبيوت أساسات أخرى. ويعوون بأن للعائلة أولياء عهود تسلموا العهد منهم ومنهن. يعلمون أنهم فقدوا الكثير من قدرتهم لكنهم لم يفقدوا مكانتهم عند الذين لازالوا يحبونهم ويكنون له الاحترام والتقدير.

يعلمون أنهم ماعادوا كما كانوا من قبل. ويعوون بأن تلك هي سنة الحياة وهذا هو القدر.

فيا أيها الأبناء والأحفاد إنتبهوا لهم ولا تتركوهم يشعرون بالعزلة والغربة في أيامهم أو أوقاتهم الأخيرة. فغداً سيأتي اليوم الذي تجدون أنفسكم مكانهم وفي نفس حالتهم ولديكم نفس مشاعرهم.

كبار السن لا يطيقون الوحدة والعزلة ويشعرون بالهلع والخوف والعجز واقتراب نهايتهم كلما وجدوا أنفسهم لوحدهم، ولم يجدوا من يؤنس وحدتهم ويحدثهم ويساعدهم ويخفف من معاناتهم.

قرأت عند صديق في فيسبوك منشوراً لأحدهم يقول فيه بأن “كبار السن قد يرقدون ولا ينامون، وقد يأكلون ولا يهضمون، وقد يضحكون ولا يفرحون، وقد يوارون دمعتهم تحت بسمتهم”.

عرفت من خلال تجربتي مع أبي قبل وفاته وخلال فترة رقوده عاجزاً في سريره بصدق كلمات الشخص الذي قال “كبار السن يؤلمهم بُعدُك عنهم، وانصرافُك من جوارهم، واشتغالُك بهاتفك في حضرتهم”.

كان والدي يلومني عندما أقول له أنني ذاهب الى النوم مع أن الوقت يكون تجاوز منتصف الليل، وكان يدعوني للبقاء جالساً مقابله في الغرفة الصغيرة، التي ولدت وعشت وكبرت فيها. كان يخشى الليل وما يأتي به ظلامه. كان يريد أن يتحدث مع أي كان من أفراد العائلة، مع أمي أو معي أو مع أحفاده وحفيداته. لكن الجميع في تلك الساعة كانوا يستسلمون الى النوم بعد قضاء يوم شاق من العمل والخ.

كان والدي أيضا يريد أن تبقى الأضواء مشتعلىة في المنزل، أما أنا فأكره الأضواء وأحب النوم بدونها، وتلك كانت مشكلة بالنسبة لي وله خلال كل زيارة كنت أقوم بها الى مخيمنا عين الحلوة، لقضاء ما أستطيع من الوقت مع أبي وأمي قبل أن يرحل الدي عن عالمنا ويختطفه الموت. توفي أبي قبل أقل من ثلاث سنوات وهو محاط برعاية تامة من جميع أفراد العائلة وخاصة من أمي التي بالرغم من كل الأمراض التي كانت تعاني منها وكبر سنها، كانت تخدمه ليلاً ونهاراً، وكانت تترجم حبهما بالفعل والعمل والاخلاص العالي والوفاء الأبدي الذي لا مثيل له. وكان أبي يرفض أن يأكل إلا من يدها.

أيها الناس

كبار السن مثل الأطفال الصغار بحاجة لكم كبير من العطف والحنان والدلال والترفيه وتحملهم ومراعاتهم وفهمهم واعطاءهم الوقت ليقولون ما يريدون وليفعلون ما يودون فعله. فلا تتعجلوهم وأصبروا عليهم. لأنهم أيضاً بحاجة ماسة للاحساس بمشاعركم وعاطفتكم ورفقكم بهم وسهركم عليهم ومواساتهم وتسليتهم واهتمامكم بهم وبصحتهم وفرحتهم.

كبار السن  يحتاجون لكم ولا يكفي أن تقدموا لهم الطعام والشراب. كما لا يكفي أن تأتوا لهم بالدواء واللباس والحفاظات والامور الأخرى. فهم بحاجة الى البسمة الحقيقية، اللامصطنعة، الخارجة من القلب. هم بحاجة الى الكلمة الجميلة والشعور بالحب والدفء والحنان والإطمئنان في حضرتكم. فهم حساسون جداً وبشكل مرهف ويلحظون بسرعة ومثل الرادار أي شيء يبدر عن المحيطين بهم. فكونوا وكن في حضرتهم طبيعيين وطبيعيات وغير متصنعين ومتصنعات.

في السنوات القادمة إن لم نمت بسرعة سوف نجد أنفسنا في مثل حالتهم وسوف نتمنى أن نجد من يؤنسنا ويساعدنا ويحدثنا ويلتفت لمعاناتنا. لأننا إذا لم نجد من يهتم بنا ويرعانا ويساعدنا فقد نتمنى أن نموت في أسرع وقت. فالعزلة والعجز والهرم والشيخوخة والمرض من أهم أعداء الانسان.

نضال حمد

23-7-2021

 كبار السن ضحايا الشيخوخة – نضال حمد