كلام في أمسية! – سعيد نفاع

الرسالةَ في النصّ الأدبيّ

الأخوات والأخوة

بعد أن رأى “سادنُ الروح” النورَ وقرأته، نشرت برقيّةً فيسبوكيّة قلت فيها:

“سادنُ الروح” لفهيم أبو ركن والاستهلالُ والمقدّمةُ والعمقُ – برقيّة!

لا أدري إن كان “فهيم” وحين أطلق العنانَ لكتابه “سادن الروح” “هندسَه” ليكون خليطًا من شعر ورواية ومسرحيّة، ليرى الناقدُ منير توما في مقدّمتِه للكتاب أنّا أمام “جانرَ” أدبيٍّ فريدٍ تصحّ فيه تسميةٌ منحوتةٌ يقترحها: “شِعرُوسِيّة”؛ شعر، رواية، مسرحيّة. تبنّاها الكاتب.

لست في صدد مقالٍ نقديّ وإنّما وكما قلت في العنوان فإنّي في صدد إرسال برقيّة لا عنوانَ محدّدٌ لها، لأقول:

أوّلًا: فهيم فعلًا يتفرّد في هذا الكتاب تفرّدًا لافتًا.

ثانيًا: فهيم كان أعمقَ وأشمل في كتابه من الاستهلالِ والمستهلّ، والمقدّمةِ والمقدّم.

ثالثًا: فهيم أخذ عنّا دورَ القارئِ والناقد في إضاءته على شِعروسيّته!

سننطر ونرى حظّ فهيم من النقد، وأنا متشائم، فهو، أيّ فهيم، يفتقر في زمننا النقديّ لمقوّمات المنقود!!!!!

هذا ما كتبت وأضيف:

لست في صدد تقديم قراءةٍ نقديّة للكتاب فهذه متروكةٌ للزميلين جهينة ورياض والشيخ حسام. ولكنّي رأيت في هذه الأمسيةِ أن أطرح موضوعًا كنت تناولته قبل سنواتٍ في مقالة حملت العنوانَ: “هل الرسالةُ الأدبيّةُ في إنتاجنا تعاني الضُّمورَ؟!”، فقلت وها أنا قائل:

تراودني منذ زمن الفكرةُ، على ضوء ما يشهده مشهدُنا الثقافيّ من تداعيّات عصيّة على الإدراك، ويلحّ عليّ السؤالُ؛ ما هو موقعُ ومكانةُ ومضمونُ الرسالةِ الأدبيّة في النصّ الأدبيّ؟! وهل تُختزل قيمتُه منها؟ 

…..

يبدو لي إنّ ما يعتور حياتَنا الفكريّةَ والوطنيّة والاجتماعيّة في العقود الأخيرة من ارتجاجاتٍ (درجة 7 وما فوق على سلّم ريختر!)، جعل الانكفاءَ شبهَ الكليّ نحو الذات ديدَنا وبالتالي أسقط على أدبِنا آخذا إيّاه نحو مدرسة أو نظريّة؛ “الفنّ للفنّ”، استراقا وتسرّقا وعلى الغالب كمَثَل الغرابِ ومحاولتِه تقليدَ والحجل، فتضعضعتْ مكانةُ الرسالة الأدبيّة. وقد اتخذ الكثيرُ من النصوص أشكالا لا تتعدّى الصناعةَ الفنيّة وإخراجَها وأداءها، وربّما اتخذَتْها هكذا من حيث لا ندري انسياقا وراء الارتجاجات في المُثل والقيمِ أعلاه، اللّهم في لمحةٍ في النصّ هنا وأخرى هنالك، وضربةِ ريشة في اللوحة هنا ومثلِها هناك، وفي الكثير من الأحيان “تجمّلا”، فتجيء هذه اللمحاتُ والضرباتُ حشوا صارخا يسيء حتّى لمثل هكذا نصّ، فنُّه للفنّ.    

…..

وأدّعي: إنّ الرسالةَ في النصّ الأدبيّ، هي الهدفُ الأسمى وبالتالي هي المقياسُ وهي المعيارُ لقيمته وقلّتِها، وقوّتِه وغيابِها، وأهدافِه وضياعِها. الافتقارُ إلى الرسالة غيابا أو تغييبا، أو “كشوحُها”، أو عدمُ وضوح عنوانِها أو عدمُ وضوح ما نريد لهذا العنوانِ ومنه، وهذا هو الأهمّ، كلُّ هذه إن اعتورت النصَّ تجعل من النصِّ الأدبيّ “طقْعَ حَكِي” ومهما جمُل لبوسُه بفاقع الألوان وعلا رَنينُهُ بمُنغّم الألحان، فلن يشفع له لا جمالُ اللبوس ولا عذبُ الرّنين، ولا اتّباعُه أحدثَ النظريّات النقديّة، وعينيّا تلك المستوردةِ من برّة البحار! 

…..

نُدرةٌ أو قلّةٌ هم الناسُ الذين يعيشون لأنفسِهم، الإنسانُ بطبيعته يعيش لنفسِه وللآخرين، يعيش لدائرتِه الصغرى فالأوسعَ والأوسع. وِسْعُ دائرته واكتظاظُها وتداخلُ أخريات معها يقررها، عند الميتافيزيقيّين، قدرُ هذا الإنسان والدورُ المنوطُ به من لدُن القوّةِ الأعلى في الحياة وتجاه الأحياء، وعند الفيزيقيّين، تقرّرها إرادتُه وخياراتُه في الحياة. 

المُنتِجُ وفي سياقنا؛ باحثا كان أو مفكّرا أو كاتبا أو شاعرا أو فنّانا، وبغضّ النظر إن اعتبر نفسَه من “الأَوّل” أو “الأُخّر” أو كان خليطا من هؤلاء ومن أولئك، دائرتُه هي أوسعُ كثيرا من ذاته، تشملُه وتشملُ الناسَ وحولها دوائرُ أخرى وأخرى؛ عائليّةٌ ومجتمعيّةٌ ووطنيّةٌ وإنسانيّة. نصُّه ليس ملكا له حتّى وهو في أدراجه متأهبّا للانطلاق، واختبارُ رقيِّ ورفعةِ هذا النصِّ ليست مواصفاتُه الأدبيّة النظريّة وإنما في الرسالة التي يحمل، فالأولى، المواصفاتُ الأدبيّة، لن تنفعَ في النصّ بدون الثانيّة والثانيةُ لا تنفعُ بدون الأولى وقد تنفعُ حتّى لو جاءت الأولى “مْبَهدَلة” بعضَ الشيء، ولنا في الكثير من المُبدعين مثلٌ.

…..

أدّعي: إنّ الرسالةَ الأدبيّةَ روحَ النصّ الأدبيّ، هي أولا وآخرا القضايا الأساسُ في حياتنا، والقضيّةُ الوطنيّةُ ومعوّقاتُ رقيِّها هي قضيّتُنا المركزيّةُ كانت وما زالت وتصطخبُ اليومَ أكثر، وإن افتقد النصُّ مثلَ هكذا رسالة، والرسالةُ ليست فقط قولًا هي قولٌ وفصلُ قول، إن افتقدَها قلّت قيمتُه وضعُفت قوّتُه وضاعت حاجتُه. هذا هو المعيارُ الأهمُّ لرقيّ أيِّ نصّ أدبيّ وقبل وفوق كلّ المواصفاتِ الأدبيّة النقديّة وبالذات المستوردة منها، أقولُ هذا ملءَ وعيي وأنا العالمُ أنّ هنالك من النقّاد “الحداثيّين” من يعتبر هذا من المأكولات التي قد أكل الدهرُ عليها وشرب!   

هل نصوصُنا الأدبيّة أو غالبيّتُها اليوم، تعاني ضُمورَ هذه الرسالة؟! أو هل تقاسي غيبتَها؟! أو تئنّ تحت تغييبها؟!

…..

أترك هذا للقارئ، ولكنّي أدعو نفسي وأدعوه أن نقيّم العملَ الأدبيّ طبقا ل-“الرسالة الأدبيّة” في النصّ الأدبيّ ومدى ارتباطها بال-“صخبِ” الذي نعيش وطنيّا وقوميّا وإنسانيّا وسياسيّا واجتماعيّا، والأهمُّ حين تحمل الرسالةُ مع الداءِ الدواءَ والهدمَ والبناء، وهذا لا يعني أن نهملَ لبوسَ النصِّ الأدبيّ، وإلا تحوّل الأديبُ إلى خطيبٍ والنصُّ إلى خُطبة، وللخُطَب ناسُها وإن أمكن أن يكونوا أدباءَ ولكن حينها بعباءة خُطباء!                  

الأخوات والأخوة!

إذا “شرّحْنا” انتاجَ فهيم وعينيّا المتأخّرَ منه الذي قيّض لي أن أقرأَه ومنه “عريس” أمسيتنا؛ سادن الروح، نستطيع أن ندّعي أن فهيم عبر الحدَّ الفاصلَ بين ال”أنا” وال”نحن” عبورًا موفّقًا وعاملًا على ألّا تعاني الرسالةُ الأدبيّةُ في نتاجِه الضمورَ.

فتحيّاتي… وقدُما!

سعيد نفّاع 

الأمين العام للاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين – الكرمل48

المكتبة العامة- عسفيا، اشهار: “سادن الروح” آخر انتاج الأديب فهيم أبو ركن، 12.6.22       

العرب الدروز والحركة الأدبيّة في ال-48

وقفات على المفارق

الوقفة الأولى… مع الاستثناء

مسيرة أيّ شعب وطنيّا وسياسيّا واجتماعيّا وثقافيّا أدبيّا هي لمجموع أبناء الشعب مهما اختلفت انتماءاتهم الثانويّة عقائديّا، طائفيّا ومذهبيّا. قلّما يُشار في الأدبيّات إلى دور شريحة من الشرائح في المسيرة، إلّا إذا حتّمت الاستثناء دواعٍ موضوعيّة أراها في سياقنا على ضوء المخطّط الذي رسمته الصهيونيّة للأقليّة الفلسطينيّة بعد النكبة واعتبارها مجموع أقليّات، يجب الاستفراد بها كلّ على حدا وأكثر بأٌقلِّها عددًا وأضعفها قدرة ومنها، العرب الدروز، وجعلهم أداة من مجموع الأدوات لضرب موطن قوّة الأقليّة الأساس؛ وحدتها.

الوقفة الثانية… مع النجاح والاختراق

المخطّط الصهيوني حقّق بين العرب الدروز نجاحًا بدعمٍ من غالبيّة قياداتهم، وبالذات أولئك الذين “قُوّدوا” عليهم بعد النكبة من أزلام المؤسّسة، وترسّخ النجاح على خلفيّة تخلّي ذوي قرباهم عنهم “مكره أخاك لا بطل” على إثر تداعيات وإسقاطات النكبة، وبغياب ظهير سياسيّ داعم. غير أنّ قوًى وطنيّة بين العرب الدروز وعلى قلّتها العدديّة اخترقت المشهد الغالب هذا وقد تماوجت دالّة الاختراق صعودًا وهبوطًا بين فترة وأخرى على ضوء ظروف موضوعيّة تارة وذاتيّة تارة أخرى، ولعلّ أعمق الاختراقات كانت في المشهد الأدبيّ وحركاته التنظيميّة.

الوقفة الثالثة… مع سميح القاسم

قبل أن يرتقي طيّب الذكر شاعر العروبة المقاوِمة، سميح القاسم، أجرت معه مجلّة “التواصل” الناطقة باسم مثل تلك القوى المشار إليها في الوقفة الثانية؛ “الحركة الوطنيّة للتواصل”، مقابلة مطوّلة أعادت نشرها في عدد التواصل؛ تشرين الأوّل 2014.  

بحكم موقعه الأدبيّ وجّهت له المجلّة السؤال التالي: “نسبة حملة القلم العرب الدروز الملتزمين من عرب ال-48 كتّابًا وشعراء، تفوق نسبتهم (%8) من مجمل الأقليّة العربيّة أضعافًا… لماذا؟!

“ج. السبب الأساسي حسب رأيي، الإحساس بضرورة شرح الذات والدفاع عن النفس في مواجهة قضايا كبيرة جدّا. مسألة التكفير والتخوين لا يُردّ عليها باللامبالاة أو كلمة عابرة عاديّة، والابداع بشكل عام هو وسيلة للدفاع عن النفس، بهذا المعنى يمكن تفسير ظاهرة التميّز اليهودي في أميركا وأوروبا، ويمكن تفسير التميّز العربي في أميركا الجنوبيّة في كلّ المجالات، نسبة المبدعين من أصول عربيّة في أميركا اللاتينيّة أكبر بكثير من نسبتهم السكّانيّة.”  

الوقفة الرابعة… مع الأرقام والنِّسَب.

_ %12.6 ممّن فارقنا حتّى العام 2020، حسب المعجم الذي أصدره الباحث محمّد علي سعيد عام 2020 حاملًا عنوان: “معجم الوفاء للراحلين من الأدباء من فلسطينيّي الداخل -48”. وثّق الباحث أسماء 151 أديبًا رحلوا عنّا حتّى ذلك العام من كافّة المشارب الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فوجدنا أنّ نسبة الأدباء العرب الدروز من بينهم بلغت %12.6. (النسبة السكانيّة كما ذُكر %8)

 _ %26.8 من الأعضاء المؤسّسين ل”اتّحاد الكتّاب العرب في (إسرائيل)” حسب البيان التأسيس. أرسل لي قبل أسابيع الناقد د. نبيه القاسم تقريرّا موسّعًا كانت نشرته صحيفة الاتّحاد بتاريخ 1.9.1987 تحت العنوان: “حدث تاريخي وطني مشهود في حياة الجماهير العربيّة: تأسيس اتّحاد الكتّاب العرب في إسرائيل“. وفي حيثيّات التقرير جاء:

“هذا وقد حضر المؤتمر التأسيسي 38 كاتبًا هم حسب التوقيع على وثيقة البيان التأسيسي: محمّد علي طه، زكي درويش، سالم جبران، عيسى لوباني، سميح القاسم، فاروق مواسي، نبيه القاسم، سعود الأسدي، مصطفى مرّار، أحمد ظاهر يونس، نزيه خير، زياد شاهين، معين حاطوم، عبد الرحمن عواودة، رياض مصاروة، فرحات فرحات، محمّد نفّاع، إميل حبيبي، توفيق زيّاد، أحمد سعد، عصام خوري، د. حبيب بولس، سهام داود، حنّا إبراهيم، شكيب جهشان، فتحي فوراني، عمر محاميد، نزيه حسّون، رياض بيدس، محمود دسوقي، حسين مهنّا، سميح صبّاغ، فهيم أبو ركن، أنطوان شلحت، يعقوب حجازي، ناجي ظاهر، طه محمّد علي، عفيف سالم. وأرسل ثلاثة كتّاب، هم: علي الظاهر زيداني، محمّد حمزة غنايم ونايف سليم، يعتذرون عن الحضور لأسباب قهريّة ويطلبون اعتبارهم من المؤسّسين”. %26.8 منهم من العرب الدروز. (النسبة السكانيّة كما ذكر %8)        

الوقفة الخامسة… مع والعود أحمد

الإجمال والعودة على الوقفة الأولى يوردك مقولتنا الاحتجاجيّة، التساؤليّة في سياقنا: “ما الذي أجبرك على المُرّ غير الأمرّ؟!”. أعتقد جازمًا أنّ أيّا من الكتّاب أو الشعراء أعلاه جميعهم وكذا أولئك الذين لم ينضووا في “الاتّحاد” وانطلقوا لاحقًا في تنظيم “الرابطة”، وحين امتشق قلمه وسطَر أوّل كلمة وجملة وبيت شعر، لم يخطر بباله وهو يُشبك أحرفها انتماؤه الولاديّ، وإنّما الذي خطر وسما وداعب فكره انتماؤه الوطنيّ والفكريّ والابداعيّ الإنسانيّ. شعبنا يعزف قبل النكبة وبعدها ورغم ما حلّ به، سمفونيّة وطنيّة جميلة راقية، والقرائن أكبر من أن تُحصى.

فلتصمُت، لا بل فلتخرس إلى أبد الآبدين، كلّ الأصوات النشاز الدخيلة على سمفونيّة شعبنا الوطنيّة والأدبيّة الجميلة!!! 

سعيد نفّاع

الأمين العام للاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين – الكرمل48 

أواخر حزيران 2022