كلمة سماح ادريس في مؤتمر المسار البديل

 

ولا أحدَ يريد بديلاً للفصائل، لا سمح الله، هذا إذا كان يستطيع ذلك أصلاً، وإنْ بات بعضُها محضَ ديكور لسلطة المالِ والتنسيقِ الأمنيّ. إذ يَصْعب، في رأيي، أن ينشأ البديلُ من خارج الفصائل، وإنّما سينشأ من قلبِها وعلى هوامشها، ومن قلبِ ساحاتِ نضالها، ومن صميمِ شعاراتِ شهدائها وقادتِها: من غسان إلى ناجي العلي وفتحي الشقاقي وأبي جهاد الوزير ووديع حدّاد وطلعت يعقوب وماجد أبو شرار، ومئات غيرهم.

سماح ادريس رئيس تحرير مجلة الآداب

دلالة الزمان والمكان
كما تعلمون، المؤتمر يُعقد الآن في مدريد وساو باولو. أعتقد أنّ اللجنة التحضيرية لهذا المؤتمر اختارت الزمانَ والمكانَ المناسبيْن للأسباب الآتية:
1 ) مؤتمر مدريد في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 1991 شكّل بدايةَ «التسوية» الرسميّة العربيّة الشاملة مع العدوّ، بـ«رعاية أميركا». للتذكير: مؤتمر مدريد حصل بعد تحالفٍ عالميّ ضخم أَجبر العراقَ على الانسحاب من الكويت بعد سبعة أشهرٍ من احتلالها في 2 آب (أغسطس) 1990، وبعد حصارٍ ماليٍّ كبيرٍ تعرّضتْ له منظّمةُ التحرير بسبب تأييدها لصدّام حسين، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتيّ وتفكّكِ دول المنظومة الاشتراكيّة. وقد حضر النظامُ الرسميُّ العربيُّ إلى مدريد بغالبيّته، وحضر الفلسطينيون ضمن الوفد الأردنيّ ضعافاً مَهيضي الجناح.
أمّا أوسلو، فعُقد في أيلول (سبتمبر) 1993، برعايةٍ أميركيّةٍ أيضاً، بين منظّمة التحرير والعدوّ “الإسرائيليّ”، ومن دون حصول أيّ إجماعٍ فلسطينيٍّ عليه، لا داخلَ المنظّمة ولا داخل حركة «فتح» نفسها، ولم يُستشرْ في شأنه المجلسُ الوطنيُّ الفلسطينيّ الذي لم يُعقدْ إلّا سنة 1996! وكما تشهدون، فإنّ الاتفاقَ لم يَحُلْ إلى اليوم، أيْ بعد مرور 27 عاماً، دون زيادة الاستيطان وتشديدِ الحصار والإمعانِ في التهويد والإذلال والقتل والتهجير والتشتيت.
لحسن الحظ أنّنا اليوم أمام شبه إجماعٍ شعبيّ فلسطينيّ على وصول مسار مدريد -أوسلو (1991-…) إلى نهايةٍ مسدودة. حتى السلطةُ (بلا زغرة منها) تكاد تعترف بفشل مسارها، وإنْ ظلّت تُبرِّرُه بأسطوانتها المشروخةِ المملّة التي تقول إنّ أوسلو كان «ممرّاً إجباريّاً» للوصول إلى دولة فلسطين.
إذاً، اختيارُ المكان والزمان لعقد «مؤتمر المسار الفلسطينيّ البديل» في مدريد في أكتوبر 2021 اختيارٌ رمزيٌّ موفّق. فمعركتُنا، أيتها الرفيقات وأيّها الرفاق، معركةُ رموزٍ أيضاً. وأزعمُ أنّ اللجنةَ التحضيريّة أرادت باختيار هذيْن المكان والزمان تصويبَ البوصلة نحو القَطْع النهائيّ مع المسار الانهزاميّ الفلسطينيّ-العربيّ الشامل الذي تكرّس آنذاك وهناك. طبعاً كان في إمكان اللجنة أن تفكّر في انعقاد المؤتمر في أوسلو مثلاً، لكنْ حتى لو تأمّنت اللوجستيّاتُ هناك، فإنّ مدريد تبقى أشدَّ تعبيراً لأنّ الاستسلامَ فيها أشملُ عربيّاً؛ بمعنى أنّها تضع الاستسلامَ الرسميَّ الفلسطيني في سياقه العربيّ الأوسع بعد هزيمة العراق.
2 ) لم تكتفِ اللجنةُ التحضيريّةُ باختيار مدريد نهايةَ أكتوبر من أجل قلب المسار البائس باتجاه مسارٍ ثوريٍّ بديل، بل تعمّدتْ أن تختمَ المؤتمر بمسيرةٍ ضدّ وعد بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021. الوعد، كما تعلمون، قدّمه وزيرُ الخارجيّة البريطانيّ آرثر جيمس بلفور على شكل رسالةٍ إلى ليونيل والتر روتشيلد، الداعمِ اليهوديّ الكبير للحركة الصهيونيّة. نحن هنا، من جديدٍ إذاً، أمام معركة رموزٍ هي في أصل الصراع على فلسطين.
لماذا؟ لأنّ الاستعمارَ الصهيونيّ مغروسٌ في الاستعمار الأوروبيّ. يذكّرنا نور مصالحة في كتابه الأخير، «فلسطين: أربعةُ آلاف عامٍ في التاريخ» بأنّ المستعمِرين البريطانيّين كانوا يَعتبرون كلَّ أرضٍ لا تقع تحت السيادة الأوروبيّة «قِفاراً ليست لأحد». ويذكّرنا كذلك بأنّ خرافةَ «أرضٍ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرض» هي من بنات أفكار كاتبٍ بريطانيّ يهوديّ، اسمُه إزرايل زانغويل. وليس المقصود أنّها غيرُ مأهولةٍ، بل المقصود أنّ مَن يسكن فيها لا «يستحقّ أن يؤخذَ في الحسبان». وعدُ بلفور هو ثمرةُ تقاطعاتٍ بريطانيّة استعماريّة، مع جماعات اللوبي اليهوديّ الصهيونيّ (وخصوصاً حاييم وايزمن)، وسياساتِ «النبوءات» المسيحيّة الصهيونيّة. وكلُّ ذلك لا بدّ من أن يستدعيَ إلى أذهاننا التقاطعاتِ الحاليّةَ بين الاستعمار الأميركيّ واللوبي اليهودي الأميركيّ وجماعاتِ «الإنجيليّين الصهاينة» الداعمين للعدو.
وعليه، فإنّ المسيرةَ ضدّ وعد بلفور في 2 نوفمبر 2021 تعبيرٌ رمزيٌّ موفّقٌ، من جديد، عن السعي إلى قلب التاريخ رأساً على عقِب، وقطْعِ المسار الذي أدّى إلى استئصال فلسطين من تاريخِها وجذورِها بوساطة الاستعمار البريطانيّ.

كيف أفهم «البديل»؟
قد يقول قائل: «هل هؤلاء يريدون إنتاجَ بديل فلسطينيّ-عربيّ-أمميّ»؟
لعلّ هذا القائل انتزع كلمةَ «بديل» من سياق عنوان المؤتمر كلّه، ألا وهو «المسارُ الفلسطينيُّ البديل». نحن هنا أمام طموح إلى بناء مسارٍ بديل. فالبديل الفلسطينيّ ليس منجَزاً، ولم يدّعِ أحدٌ أنّه قادرٌ على إنجازه، ولا يستطيع أيُّ كان بمفرده أن ينجزَه، أقائداً كان أمْ فصيلاً. المسار البديل، كما أراه، هو ورشاتُ عمل جماعيّةٌ، بمعدّل ورشتيْن في الشهر مثلاً، وتشمل فلسطينيّين وعرباً وأنصاراً دوليّين، يجمعهم رفضُ الصهيونيّة ونبذُ مسار مدريد-أوسلو والإيمانُ بتحرير كامل فلسطين.
بعد نهاية المؤتمر في 2 نوفمبر 2021، يجب في اعتقادي أن تتشكّل هيئةٌ تخطّط للخطواتِ اللاحقة. وتنتهي حينها مهمّةُ اللجنة التحضيريّة.

وعدُ بلفور هو ثمرةُ تقاطعاتٍ بريطانيّة استعماريّة، مع جماعات اللوبي اليهوديّ الصهيونيّ وسياساتِ «النبوءات» المسيحيّة الصهيونيّة

إذاً، هذا المؤتمر جزءٌ من سيرورةٍ تطمح الى بناءٍ تدريجيٍّ لما يُسهم في تخليصنا من الاستنقاع الحاليّ المتمادي منذ مدريد، وللَغْوِ السلطة الفلسطينيّة المتكرّر كلَّ حين عن «إلغاء اتفاق أوسلو»؛ فمن يردْ أمراً لا يهدِّد به سنوات! وللدقّة، فإنّ المشكلة لم تبدأْ في مدريد 1991 بل في «البرنامج المرحليّ» و«النقاط العشر» سنة 1974. علماً أنّ هذا البرنامجَ نفسَه لم يُقَرَّ داخل حركة فتح نفسِها إلّا سنة 1988. وهذا يعني أنّ مهمّةَ بناء البديل مهمّةٌ شاقّةٌ، لكنّها ممكنة، غير أنّها لن تنتهي في غضون شهرٍ أو سنة، لأنّها سعيٌ الى قلب مسارٍ بدأ منذ عام 1974. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ السلطةَ الفلسطينيّة وتوابعَها، عبر انتهاج مسار مدريد-أوسلو، هي التي قدّمت «البديلَ»، لكن السيّئ طبعاً، للميثاق الوطنيّ ولمنظّمةِ التحرير، وضربتْ عرض الحائط بنضالاتِ شعبنا وعذاباتِ أسراه ومعتقليه وجرحاه. المؤتمر يهدف إلى عكس هذا البديل السيّئ، وإلى تجديد المسيرة السابقة، عبر تشييد قاعدةِ نقاشٍ واسعةٍ مع مختلف فئات الشعب الفلسطينيّ، ومع الحاضنة الشعبيّة العربيّة والأمميّة.
هذا المسار الذي نطمح إليه، ينبغي أن يعيدَ إلى الصدارة دورَ الشتات، ومخيّماتِ العودة، والدعم الشعبيّ العربيّ، والدعم الشعبيّ الدوليّ، ويستعيد شعاراتِ التحرير الكامل، وعلاقةَ التحرير بالتغيير الاجتماعيّ الجذريّ، ودورَ القيادات النِّسويّة، ومصالحَ الكادحين، وترابطَ تحرير فلسطين بالوحدة العربيّة التقدّميّة.
البديل إذاً مسار. وهو ينبغي أن يشدّد على أولويّات:
– أولويّة الوحدة الميدانيّة الشعبيّة، على «المصالحة» الهشّة التي لا تلبث أن تنفرطَ وتتهاوى عند أوّل منعطف.
– أولويّة إلغاء أوسلو و«التنسيق الأمنيّ» مع العدوّ، على «التهديد» الأجوفِ بإلغائهما.
– أولويّة تعزيز صمود المجتمع الفلسطينيّ، على الحديث الفارغِ عن «دولةٍ مستقلّةٍ» وهميّة.
– أولويّة دعم المخيّمات، على الحديث عن انتخابات حكم ذاتيّ.
– أولويّة التواصل مع شعبنا في فلسطين المحتلّة عام 48، على «التواصل مع المجتمع الإسرائيليّ» من خلال لجنةٍ يرأسها عضوُ لجنة مركزيّة في حركة فتح.
– أولويّة كسر الحصار عن قطاع غزّة، على مسايرة النظام المصري والمخابرات المصرية.
هل يعني ذلك أنّ المسار البديل يتجاهل منظمة التحرير؟ على العكس. إنّه يطمح، بالنقاش العامّ الذي يطاول مختلفَ الشرائح داخل فلسطين المحتلّة وخارجها، إلى استعادة النهج الفكريّ الأصليّ للمنظّمة، وإلى تطويرِه بأساليب النضال المختلفة والمستجدّة. وأعني بـ«استعادة النهج الفكريّ الأصليّ» استعادةَ الميثاق الوطنيّ لعام 64 بشكلٍ أساسٍ، ونبذَ «تعديلاتِه»، خصوصاً ما أُجري منها مسايرةً لكلينتون سنة 1998. تصوّروا أنّ التعديلاتِ طاولت المادّة 20 من الميثاق الذي نصّ على الآتي: «يُعتبر باطلاً كلٌّ مِن وعد بلفور وصكِّ الانتداب وما ترتّب عليهما…» لقد شُطبتْ هذه المادّة، وهذا يعني أنّ الميثاقَ الجديد وافق على الوعد المشؤوم الذي يُلغي أساسَ وجود فلسطين! كما ألغيتْ كلُّ الموادّ المتعلّقة بالكفاح المسلّح، وبتحرير فلسطين.
لا أحدَ يريد بديلاً لمنظّمة التحرير، بمطامحها الأصليّة، إلّا السلطة الفلسطينيّة و«إسرائيل» والاستعمار، وإلّا أنظمةُ التطبيع العربيّة، التي لم تعد السلطةُ الفلسطينيّةُ مختلفةً عنها كثيراً، كي لا نقول إنّها الممهِّدةُ الأساسُ لمسيرة التطبيع العربيّة منذ أوسلو وانتهاءً بالتنسيق الأمنيّ. فلتعتبر المنظّمة أنّ مؤتمرَنا يهدف إلى أن يكون أحدَ المساهمين في إعادة بنائها، للأسباب الآتية:
1 ) لأنّ الاستسلام التسوويّ لم يقُدْ إلّا إلى المزيد من الاستيطان والتهويد والعنصريّة والقتلِ والتهجير. لذا ينبغي العودة إلى طموحات ميثاق 1964.
2) لأنّ المحاصصة التعيينيّة المعمولَ بها في المنظّمة ناقصةٌ ومشوَّهة، لكونها لا تشمل فصائلَ متقدّمةً في العمل النضاليّ كحركتيْ «حماس» والجهاد الإسلاميّ. بل إنّ المحاصصة أثبتتْ أنّها غيرُ مجدية، مقارنةً بالانتخابات القائمة على الحضور الميدانيّ الفعليّ.
3) لأنّ تمثيلَ المرأة، التي هي أكثرُ من مجرّد «دوْر» و«نصف المجتمع» و«شريك الرجل« وغير ذلك من الكليشيهات الباهتة، ذاتُ تمثيلٍ ضعيفٍ في هيئات المنظّمة، وينبغي أن يكونَ لها تمثيلٌ لا يقلّ عن 50% من هذه الهيئات، وضمنها اللجنةُ التنفيذيّة.
4) لأنّ اللجنة التنفيذيّة لا تمثّل المخيّمات، ولا تمثّل شعبَنا في فلسطين المحتلّة عام 48.
ولا أحدَ يريد بديلاً للفصائل، لا سمح الله، هذا إذا كان يستطيع ذلك أصلاً، وإنْ بات بعضُها محضَ ديكور لسلطة المالِ والتنسيقِ الأمنيّ. إذ يَصْعب، في رأيي، أن ينشأ البديلُ من خارج الفصائل، وإنّما سينشأ من قلبِها وعلى هوامشها، ومن قلبِ ساحاتِ نضالها، ومن صميمِ شعاراتِ شهدائها وقادتِها: من غسان إلى ناجي العلي وفتحي الشقاقي وأبي جهاد الوزير ووديع حدّاد وطلعت يعقوب وماجد أبو شرار، ومئات غيرهم.

لا أحدَ يريد بديلاً لمنظّمة التحرير، بمطامحها الأصليّة، إلّا السلطة الفلسطينيّة و«إسرائيل» والاستعمار

وهذا المؤتمر، كما أتمنّاه، ينبغي أن يكون حافزاً لجميع الفصائل، من بين حوافزَ أخرى، على إعمال الفكر النقديّ، وإلى مراجعةِ المسيرة الطويلة للخلاص من خطاياها وشوائبها. وبمقدور الإنسان الحزبيّ، بل من واجبه، أن يكون جزءاً رئيساً من المؤتمر، خصوصاً إذا أراد فعلاً أن يطوّر حزبَه بالذات؛ فلا فصيلَ ينمو بغير تلاقُح الأفكار الوطنيّة والتقدميّة، وبغير النقدِ الذاتيِّ الدائم.
وليس هدف المؤتمر، على ما أجزم، تقديم «معرفة بديلة»، أو نظريّةٍ ثوريّةٍ جديدة، وإنّما هدفُه إقامةُ بيئةٍ نقاشيّةٍ بديلةٍ لحالات الاستقطاب أو الاستتباع أو اللامبالاة أو الاستلاب. جُلُّ ما ينبغي أن يطمحَ إليه المؤتمرُ هو تيسيرُ طرحِ الأسئلة، لا تقديمُ الإجابات بالضرورة. فالمؤتمر لا يريد أن يصبحَ سلطةً يقينيّةً لا تُنتج إلّا الخواءَ المنتفخَ بنفسه شأنَ السلطة الحاليّة ومثقّفيها. يتحدّث د. خالد الحروب في كتابٍ أخير له عن «المثقّف القلق» في مقابل «المثقّف اليقينيّ». المؤتمر، على ما آمل، لن يشتملَ على مجموعةٍ من المثقفين اليقينيّين، وإنّما على أشخاصٍ متفانين يتمتّعون بالروح النقديّة والقلق النقديّ التساؤليّ الشكّاك للخلاص من مسار مدريد- أوسلو.

المسؤوليّة الفلسطينيّة العربيّة المتبادلة
غالبيّة الشعب العربيّ ما زالت معاديةً لـ «إسرائيل» وللتطبيع معها. فقد أظهر استطلاعُ رأي نشره أخيراً «المركزُ العربيُّ للأبحاث ودراسات السياسات» بين تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 وتمّوز (يوليو) 2020 أنّ 88% من العرب في البلدان المستطلَعَة يرفضون الاعترافَ بـ«إسرائيل»، وبينهم 85% من المصريّين، و91% من الفلسطينيّين، و93% من الأردنيّين، و65% من السعوديّين، و93% من المغرب العربيّ.
غير أنّ الدعمَ الفعليّ ينبغي ألّا يقتصرَ على الرفض والتأييد، وإنّما يُفترض أن يقترنَ بالفعل الميداني. وهذا قد تراجع بلا أدنى شكّ في العقديْن الأخيريْن لأسبابٍ عديدة، تعود إلى تراجع الحركة الوطنيّة والقوميّة العربيّة، ونموِّ الاتجاهات الإسلامويّة المدعومة خليجياً، وسطوةِ القمع النظاميّ، وإنزالِ معظم تنظيمات «الربيع العربيّ» القضيّةَ الفلسطينيّةَ عن «عرش الأولويّة» لمصلحة مقاومة الاستبداد الداخليّ. لكنّ هناك سبباً «فلسطينيّاً» لا ينبغي إغفالُه، هو أنّ السلطة الفلسطينيّة أسهمتْ في تحويل القضيّة الفلسطينية إلى صراع “إسرائيليّ”-فلسطينيّ، ناهيك بأنّها تخلّت عن فلسطينيّي المخيّمات والشتات وركّزتْ على دعم سفاراتها وبعثاتها الديبلوماسيّة. فلا عجب أن تَسمعوا عرباً عاديّين يصرِّحُون بالفم الملآن: «وأنا ما لي وما للفلسطينيّين؟ هم تصالحوا مع “إسرائيل”، فلماذا تريدني أن أكونَ ملَكيّاً أكثر من الملك؟»
القضيّة الفلسطينيّة، كي تكون قضيّةً عربيّةً فعلاً، تحتاج إلى مأسسة أعمال المعارضات الشعبيّة العربيّة وتشبيكِها في ما بينَها. وهذه مسؤوليّةُ الأحزاب القوميّة والتقدّميّة، ولجانِ المقاطعة ومناهضةِ التطبيع، في الدرجة الأولى. وأعتقد أنّ على المؤتمر أن يخصِّص حيّزاً كبيراً لهذه القوى؛ فهي الحاضنةُ الشعبيّة المستديمة لقضيّتنا الفلسطينيّة: ترسِّخ ثقافةَ المقاومة بين الناس، وتتصدّى لدعاةِ الانعزال الهُويّاتيّ عن المحيط العربيّ، وتروِّج لمقاطعة البضائع “الإسرائيليّة” أو الداعمة لـ «إسرائيل»، وترْصد حالاتِ التطبيع الثقافيّ والرياضيّ والأكاديميّ والفنّيّ والسياحيّ وتشهِّر بها، وتفضح زيفَ ثقافة «حوار الأديان» إذا كانت تهدف إلى استدخال «إسرائيل» في نسيج المنطقةِ العربيّة، وتدافع عن أبناء المخيّمات الفلسطينيّة في مواجهة النزعات اليمينيّةِ الفاشيّة العربيّة، وتدافع عن حقوقهم السياسيّة والمدنيّة في مقابل القوانين التعسفيّة ومزاعمِ «التوطين». وقد تتبرّع بالدم والمال للشعب الفلسطينيّ في فلسطين، أو قد تتدرّب على السلاح إذا اقتضى الأمر وقويتْ شوكتُها. هذا هو دورُ الحاضنة الشعبيّة العربيّة في معركة تحرير فلسطين!
لكنّ تعبير «الحاضنة العربيّة« ليس دقيقاً في حقيقة الأمر إذا اعتبرناه نوعاً من «التضحية» العربيّة من أجل فلسطين. فالواقع أنّ فلسطين هي أيضاً حاضنةُ العرب، لأنّ الاعتصامَ بحبلها يَعْصم الأمّةَ بأسْرها ويَعصم كلَّ قطْرٍ على حِدة من التبعيّة للاستعمار والارتماءِ في أحضانه وأحضانِ «إسرائيل»، كما هي حال عددٍ من الأقطار العربيّة كالإمارات والسودان اليوم. نحن نَحْضن فلسطين لأنّنا نحضن أنفسَنا، لا من باب «التضامن» معها. وإذا تخلّينا عن فلسطين تخلّينا عن أنفسِنا… هذا إذا أردنا أن نكون أحراراً أعزّاءَ في بلادنا.