كوري فيلوخ – إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

 Kåre Willoch av Nidal Hamad

كوري فيلوخ رئيس الوزراء النرويجي الأسبق وأحد أهم القادة السياسيين والحزبيين ورجالات الدولة النرويجية وربما أهم سياسيي النرويج في العصر الحديث وفي تاريخ النرويج بشكل عام، العجوز اليقظ، والختيار المتمكن والمُشَخِص العارف بالداء والدواء، الرجل الذي رحل عن عالمنا عن 92 عاماً قبل أسابيع قليلة، تاركاً خلفه سيرة سياسية ضخمة وحضوراً لا مثيل له في المجتمع النرويجي. فعلى صخرة شعبيته وحضوره تكسرت رياح الصهاينة التي حاولت جرفه والنيل منه ومن سمعته النبيلة.

انضم فيلوخ إلى البرلمان النرويجي في عام 1957 وكان يبلغ من العمر 29 عاماً. في الفترة من 1981 إلى 1986 كان رئيساً لوزراء النرويج، عندما اجتاحت البلاد “موجة اليمين” الذي أزاح حزب العمل اليساري من الحكم كان فيلوخ زعيماً لحزب المحافظين من 1970-1974. كما أنه ألف كُتباً وشارك في النقاش العام حول القضايا الوطنية والدولية.

بالرغم من كل حملات الكراهية والتشهير والعداء التي مارسها صهاينة نرويجيون وأوروبيون وغربيون ضده شخصياً على خلفية موقفه السياسي المناصر للفلسطينيين والرافض للتوحش الصهيوني بكل تجلياته على الأرض الفلسطينية المحتلة. كما وبالرغم من تسليط سيف معاداة السامية على رقبته واتهامه بمعاداة السامية إلا أنه بقي صامداً كالجبل الذي لا تهزه ريح. اعتقد بأن الصهاينة وصهاينتهم في النرويج ارتكبوا حماقة كبيرة حين إتهموه بمعادة السامية مما زاد من شعبيته بين النرويجيين. لذا بقي فيلوخ جبلاً لا تهزه ريح ويذكرني ذلك بالمقولة المعروفة للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح والسلطة الفلسطينية فيما بعد، تلك السلطة الوهمية التي أودت بحياته في نهاية الامر. فمن المعروف أن الراحل كوري فيلوخ هو الذي فتح أبواب النرويج لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات حين كان رئيساً لوزراء النرويج وقائداً لحزب اليمين النرويجي المحافظ الحاكم آنذاك، وهو من أكبر أحزاب البلاد بعد حزب العمل اليساري، الذي إلتقى قادته بعرفات فيما بعد حصار بيروت 1982. يومها كان ثورفالد ستولتنبرغ (والد ينس ستولتنبرغ رئيس وزراء النرويج الأسبق وزعيم حزب العمل السابق ورئيس حلف الناتو حالياً) من حزب العمل والسيدة غرو هارلم برونتلاند رئيسة الوزراء النرويجية فيما بعد وفي زمن اتفاقية اوسلو 1993. كانا قد التقيا في ذلك الوقت مع عرفات وقيادة المنظمة. لكن الذي فتح أبواب اللقاءات والحوارات والاعتراف بالمنظمة هو الراحل كوري فيلوخ حين كان رئيساً لوزراء النرويج في نهاية النصف الثاني من سنوات السبعينيات من القرن الفائت.

يقول الصحفي النرويجي المخضرم جان إريك سميلدن في تعقيب له على سيرة كوري فيلوخ بعنوان: – كوري فيلوخ المدافع بلا هوادة عن الفلسطينيين-، يخطئ الناس عندما يقولون أن كوري فيلوخ قد غير وجهة نظره بشأن الصراع في الشرق الأوسط بعد أن ترك السياسة”. كما ويضيف سملدن في نفس المقالة التي نشرت في صحيفة داغبلاده اليومية النرويجية بتاريخ السابع من كانون الأول 2021 أن مبعوثاً لرئيس الوزراء كوري فيلوخ، هو البرلماني والسياسي سفينونغ لوندي قام في 2 كانون الأول / ديسمبر 1982 بلقاء مع مندوب من المكتب الإعلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس هو السيد محمد (شاكر أو شقير). وعقد الاجتماع في مبنى البرلمان النرويجي في أوسلو.

أتفق مع ما نشره الصحفي سملدن والذي أعرفه شخصياً والتقيت به في أكثر من مناسبة كما ورتبت له مقابلة مع السيد فاروق القدومي أبو لطف، هذا يوم دعوت الأخير بإسمي كرئيس للجالية الفلسطينية في النرويج  لزيارة أوسلو سنة 2007، ضمن حملة سياسية تبنيناها آنذاك في اتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا والشتات لدعم القدومي في مواجهة نهج عباس الاستسلامي المُدَمِر. فتأكيد سملدن على أن فيلوخ لم يغير رأيه بالصراع في الشرق الأوسط بعد اعتزاله العمل السياسي صحيح، لأن كوري فيلوخ كان صاحب موقف سيادي ومستقل وأخلاقي في أثناء توليه منصب قيادة حزب المحافظين ورئاسة الوزراء، هذا بالرغم من حملة أنصار وأصدقاء “اسرائيل” في النرويج ضده شخصياً وضد حزبه وحكومته على خلفية اللقاء مع المنظمة. سوف يسجل في التاريخ أنه هو الشخص الذي فتح باب الحوار مع الفلسطينيين وساهم في تغيير الموقف الشعبي والرسمي النرويجي فيما يخص القضية الفلسطينية. أقول ساهم لأنه قبل فيلوخ كانت هناك نضالات القوى اليسارية الثورية والطليعية النرويجية وحركات التضامن ومجموعات المناصرة، التي لعبت أهم دور في النرويج لتغيير الموقف الحزبي والشعبي والرسمي والسياسي فيما يخص فلسطين. لكن سوف يسجل في تاريخ العلاقات الفلسطينية النرويجية الرسمية أن سفينونج لوندي مبعوث كوري فيلوخ هو من أجرى أول محادثة رسمية مع منظمة التحرير الفلسطينية.

– يقول فيلوخ في احدى مقابلاته عن موقفه من الصهاينة واستعمارهم في فلسطين: “أوضحت لعدد من السفراء (الإسرائيليين) في أوسلو ما فكرت به بشأن سياستهم الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة. ففي ذلك الوقت اعتبرتها امبريالية خالصة ، حيث كان الهدف هو الضم”. وعن هذا الأمر يقول الصحفي سملدن: ” لقد أظهر التاريخ أنه (فيلوخ) كان محقًا فيما كان يقصده منذ ما يقرب من 50 عامًا. لكن الأمر كلفه أن يكون واضحًا إلى هذا الحد ، ليس أقله بعد أن أصبح بصفته سياسياً متقاعداً، أكثر حدة عند الأطراف وأصبح أكثر صلابة” ويضيف سملدن: “العديد من أصدقاء “إسرائيل” النرويجيين يكرهونه، وقد تعرض للإهانة واتهموه بدعم الإرهاب وتلقى العديد من التهديدات… ويزيد سملدن حين يقول: عندما تناقشنا أنا وكوي فيلوخ قبل بضع سنوات عن أي واحد مِنا تلقى أكثر مثل تلك التهديدات، فاز فيلوخ بأغلبية ساحقة”. فسملدن الصحفي أيضا متعاطف مع الفلسطينيين وضد ما يفعله الاحتلال الصهيوني.

في الأول من أيلول – سبتمبر سنة 2006 كنت كتبت مقالة عن تدخل السفيرة الصهيونية في النرويج مريام شوملاط بما لا يعنيها وعن الحملة “الإسرائيلية” المنظمة ضد الشخصيات والمؤسسات النرويجية التي تطالب بمحاسبة أو مقاطعة “إسرائيل” وفرض حصار عليها.  تلك الحملة طالت أيضا شخصيات نرويجية كبيرة وهامة جداً مثل رئيس الوزراء الأسبق كوري فيلوخ الذي لا يخفي انتقاداته اللاذعة والشديدة “لإسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية. ذكرت شومراط أيضاً إسم فيلوخ مع إسم الأديب النرويجي العالمي الكبير جوستن غاردر صاحب رواية “عالم صوفي” الشهيرة، والذي كان في اثناء عدوان 2006 على لبنان ومجزرة عائلة غالية في غزة، كتب مقالة بعنوان “لم أعد أعترف باسرائيل” فضح فيها الصهيونية وزيفها وهمجيتها وعدوانيتها. السفيرة وضعتهما كمثال في مقابلتها مع الصحافة، حيث قالت أنهما أحد أسباب تنامي العداء لليهود بسبب ما يقولانه عن “إسرائيل”. كما كان أصدقاء “إسرائيل” ومعهم السفارة “الإسرائيلية” في أوسلو وجهوا في السابق الاتهامات لزعيمة حزب اليسار الاشتراكي، وزيرة المال في الحكومة النرويجية اليسارية آنذاك كرستن هلفرشون، المعروفة بتأييدها ومناصرتها للقضية الفلسطينية، والتي كانت دعت الشعب النرويجي بداية العام 2006 لمقاطعة البضائع “الإسرائيلية”.

شارك الراحل كوري فيلوخ في عدد كبير من المناظرات والندوات والنشاطات والتظاهرات والتجمعات المناصرة لفلسطين في النرويج وبالذات في أوسلو. وقد التقيت به وتحدثت وتناقشت معه عدة مرات في مناسبات عديدة. ,اذكر كلمته في تزاهرة اقمناها بتنظيم لجنة فلسطين النرويجية والمنظمة الموحدة والجالية الفلسطينية في حزيران يونيو 2007 في اوسلو، حيث القى كلمة سياسية ممتازة في التجمع، وكانت مشاركة أيضاً الفنانة النرويجية الشهيرة كاري بريمنس صديقة شعب فلسطين، التي غنت بعض الأغاني تضامناً مع شعبنا وضد الاحتلال الصهيوني وهي بالمناسبة صديقة حميمة للفنانة الفلسطينية الراحلة الصديقة ريم بنا، التي عرفتني على كاري بريمنس في لقاءات خاصة قبل ذلك التاريخ بسنوات قليلة.

في سنة 2006 دعوت بإسمي شخصياً كرئيس للجالية الفلسطينية في النرويج الى اوسلو السيد عاطف عدوان وزير شؤون اللاجئين في حكومة حماس بغزة. وكانت الدعوة تمثل تحدياً للعالم كله الذي حاصر ولازال يحاصر غزة. وتحملت مسؤوليتها بشكل شخصي. عندما عرف كوري فيلوخ بذلك اتصل بي وطلب لقاءا خاصاً مغلقاً مع الوزير عدوان حضرته أنا أيضاً وجرى في أحد أبنية البرلمان النرويجي. كان كوري فيلوخ متحمساً لسماع وجهة نظر حركة حماس وحكومتها من أحد قيادييها مباشرة. أعتقد أنه خرج راضياً من الاجتماع فقد كانت تصريحاته لوسائل الاعلام التي انتظرتنا خارج البرلمان وعقب اللقاء مباشرة ايجابية جداً.

وفي سنة 2007 وعندما دعونا الأخ فاروق القدومي أبو لطف كما أسلفت في هذه المقالة اتصل بي أيضاً الرئيس كوري فيلوخ وطلب لقاءا مع الأخ أبو لطف. جرى اللقاء في أحد الأمكنة ربما أيضا في مقهى تابع للبرلمان لم أعد أذكر بالضبط. كنت حاضراً في اللقاء أنا والأخ أبو لطف والأخ محمد شريح. وكان لقاءا ايجابياً تركز النقاش فيه عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

الرحمة والخلود للرئيس كوري فيلوخ ولفلسطين الحرية والسلام.

نضال حمد في 21-02-2022