الأرشيفوقفة عز

كوزو أوكاموتو وصحبه من المناضلين الأمميين

كتب نضال حمد مؤسس ومدير موقع الصفصاف – وقفة عز:

من اليابان إلى فلسطين… كوزو أوكاموتو وصحبه من المناضلين الأمميين

هكذا بدأت رحلة المناضل الثوري الأممي الياباني كوزو أوكاموتو، الذي اختار لنفسه الاسم الحركي “أحمد”.

التحق هو ومجموعة من رفاقه من الجيش الأحمر الياباني بـالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كان يتزعمها القائد الفلسطيني الراحل الدكتور جورج حبش. كما وكان من أبرز قادتها وناطقها الرسمي الأديب الشهيد الكبير غسان كنفاني، الذي اغتيل بعد أسابيع من اعلانه تبني الجبهة لعملية مطار اللد (30 أيار/مايو 1972)، التي نفذها كوزو ورفيقاه، وأسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى. بعد العملية، أقدم الاحتلال “الإسرائيلي” بقرار من رئيسة الوزراء الصهيوفاشية غولدامئير، على اغتيال غسان كنفاني في بيروت (7 يوليو – تموز 1972).

في عام 1985، أُفرج عن كوزو أوكاموتو من سجون الاحتلال ضمن صفقة تبادل أسرى أجرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة التي كان يقودها الثائر الفلسطيني الكبير، الراحل أبو جهاد – أحمد جبريل.

خرج كوزو مريضًا، منهكًا، معذبًا، محطم الجسد وشبه فاقدٍ للذاكرة، بعد أن أمضى ثلاثة عشر عامًا في العزل الانفرادي وتعرض لتعذيب قاسٍ ووحشي. يروي أحد رفاقه أنه خلال رحلة العودة بالطائرة، كان مجرد جلوس كوزو على مقعده يمثل معاناة كبيرة، بعدما أنهك التعذيب جسده وترك فيه آثارًا لا تُمحى.

استعاد كوزو حريته، رغم تعهد قادة الاحتلال بعدم الإفراج عنه… ووصل إلى لبنان، حيث استقر في الضاحية الجنوبية لبيروت. بقي فيها رغم الحملات “الإسرائيلية” واليابانية. كذلك بعض الأصوات اللبنانية، التي طالبت بترحيله وتسليمه إلى اليابان. لم يتزحزح كوزو ولا الذين احتضنوه عن خندق المقاومة واختار أن يبقى في البيئة المقاومة التي انتمى إليها منذ سبعينيات القرن الماضي.

لهذا المناضل كلمة شهيرة قالها يومًا: “إذا مت فسأصبح نجمًا في السماء.” تركت هذه العبارة أثرًا عميقًا في نفسي، حتى إنني عندما أصدرت كتابي الأخير باللغة العربية، اخترت له عنوان “سأصبح نجمًا”وهو عنوان إحدى مقالات الكتاب، التي كنت قد كتبتها عن كوزو أوكاموتو قبل نحو عشر سنوات.

في زمن كوزو ورفاقه ورفيقاته من اليابانيين وزمن الشهيد الإيراني مظفر، بطل عملية سينما حين في تل أبيب… زمنهم وزمن غيرهم من الثوار الأمميين الذين التحقوا بصفوف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، كانت المقاومة الفلسطينية أشبه بميناءٍ كبير تجمعت فيه سفن الثوار والأحرار والمقاومين من مختلف أنحاء العالم، لمواجهة محور ومعسكر الشر والإمبريالية والرأسمالية والاستعمار والعنصرية والفاشية والصهيونية والاحتلال.

كنا ونحن أطفال ننظر إلى كوزو ومظفر وغيرهما بوصفهم نماذج للفداء والعنفوان.

كنا نتساءل باستمرار عن سر التحاق ياباني وإيراني وفنزويلي ونيكاراغوي وفرنسي وألماني وإيطالي ونرويجي وسويدي ودنماركي وكردي وتركي وإفريقي، بالمقاومة الفلسطينية.

كنا نسأل: لماذا يترك الياباني أو الأوروبي حياة الرفاه لينضم إلى ثورة اللاجئين الفلسطينيين، ثورة المخيمات، ثورة الذين عاشوا وما زالوا يعيشون الحرمان والبؤس والاضطهاد؟ لماذا يختارون الوقوف إلى جانب شعب يواجه واحدة من أعنف المواجهات في العصر الحديث؟… يواجه معسكر الشر العالمي الأخطر على البشرية جمعاء، معسكر نتنياهو وترمب وكل من يسير معهما.

لقد قررت مجموعة الثوار اليابانيين وكان كوزو أحد أفرادها أن تربط مصيرها بمصير المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني. استشهد بعضهم خلال سنوات الكفاح والمقاومة.. فيما سُلّمت قائدة المجموعة من قبل السلطات اللبنانية إلى اليابان، حيث أمضت سنوات طويلة في السجون اليابانية. أما كوزو، فقد عرفتم حكايته التي انتهت أمس، في 23 تموز/يوليو 2026، بوفاته في ضاحية بيروت الجنوبية، عاصمة المقاومة العالمية.

عاش كوزو مكرمًا بين الفلسطينيين ومن قبل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. كذلك من قبل كثير من المناضلين والمقاومين اللبنانيين الذين احتضنوه واعتنوا به حتى وفاته.

فكما تعلمون لقد تركت سنوات التعذيب الطويلة في السجون “الإسرائيلية” آثارًا جسدية ونفسية عميقة لازمته حتى آخر أيامه، حيث كان يعيش متنقلاً بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فقد اختار أن يقاسمهم وجعهم وقضيتهم عن قناعة وإيمان، حتى رحل إلى عالم الخلود، حيث رفاقه الذين سبقوه.

وداعًا أيها الثائر الأممي، الفدائي الياباني الفلسطيني.

نضال حمد

موقع الصفصاف – وقفة عز

24 تموز – يوليو 2026