الأرشيففلسطين

كيف “نتفت” غزة “ريش” النتنياهو؟

كتب الزميل هاني الكنيسي على صفحته ملخصاً المشهد السياسي في كيان العدوان الصهيوني بشان مجرم الحرب نتنياهو

كيف “نتفت” غزة “ريش” النتنياهو؟

التقرير “الحصري” الذي نشرته اليوم صحيفة ‘يسرائيل هيوم’ (المحسوبة على اليمين الإسرائيلي) وكشفت فيه عن نية وزير الشؤون الاستراتيجية ‘رون ديرمر’ الاستقالة من منصبه منتصف نوفمبر المقبل، لا يمكن مطالعته كخبر عادي من بين مستجدات الوضع السياسي الداخلي “المتأزّم” في دولة الاحتلال.

‘ديرمر’ ليس مجرد وزير في حكومة النتنياهو، بل هو “كاتم الأسرار” وصديق ربع قرن، ومهندس التواصل الدبلوماسي بين تل أبيب وواشنطن، والرجل الذي ظل ملازماً لبيبي في كل مفترق مصيري منذ مطلع الألفية. (يستفيض ‘بوب وودورد’ في كتابه الأخير WAR في سرد الأمثلة على “استثنائية” علاقته بالنتنياهو و”مصداقيته” لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أن شغل منصب سفير الكيان في واشنطن). استقالة ‘ديرمر’ المرتقبة، ومن ثم تُقرأ استقالة ‘ديرمر’ المرتقبة باعتبارها “المسمار الأخير في نعش بيبي”، مثلم هي مؤشر لتآكل دائرته المقرّبة ولعمق “عزلته” السياسية ” التي ستهدد فرصه في انتخابات 2026.

ووفقا لما نقلته الصحيفة العبرية عن “مصادر حكومية”، فإن ‘ديرمر’ (54 عاما) بدأ التفكير في مغادرة المشهد مع احتدام الجدل الداخلي حول عملية عربات ‘غدعون 2’ لاحتلال مدينة غزة -والتي أصر النتنياهو على المضي بها-رغم معارضة قيادات جيشه. لكن بعد تفعيل اتفاق وقف إطلاق النار بضغط أمريكي مباشر، آثر الدبلوماسي المخضرم “الانسحاب من مركب سياسي تتسع تشققاته يوماً بعد يوم” على حد تعبير مسؤول استشهدت به الجريدة.

وقد تزامن خبر اعتزام ‘ديرمر’ الاستقالة مع قرار “إقالة” مستشار الأمن القومي ‘تساحي هانغبي’، أحد أكثر المقربين للنتنياهو في حزب الليكود. وفي البيان الرسمي، أشار مكتب رئيس الوزراء “الإسرائيلي” إلى “خلافات حادة” حول إدارة الحرب في غزة، فيما يؤكد مراقبون أن الخلاف “احتدم” عقب معارضة ‘هانغبي’ للغارة (الفاشلة) التي استهدفت قيادات حماس في الدوحة سبتمبر الماضي، ثم مع دعمه لصفقة الإفراج “تدريجيا” عن الرهائن.

لكن الاستقالة المنتظرة والإقالة المعلنة ليستا إلا “قمة جبل الجليد” الذي قد ينهار على أم رأس النتنياهو. إذ تصف افتتاحية ‘يديعوت أحرونوت’ اليوم ما يحدث بأنه “تعرية تدريجية” لمحيط النتنياهو المقرّب.

والمتتبّع لمسلسل الأحداث منذ هجوم 7 أكتوبر، سيرصد بسهولة كيف أن غزة الباسلة جرّدت النتنياهو من ملابسه الخارجية ثم الداخلية “قطعةً قطعة” -وكأنه مشهد لرقصة التعرّي أو ‘الاستربتيز’ (الإجباري)- عبر سلسلة من الاستقالات والإقالات “الاضطرارية” تركته وحيداً على قمة هرم السلطة، ومحاطاً فقط بالمخلصين من التيار اليميني الديني المتشدد.

فعلى صعيد القيادات العسكرية، استقال ‘هرتسي هاليفي’ رئيس أركان الجيش، معترفاً بمسؤوليته عن “فشل الجيش في حماية مواطني إسرائيل صباح 7 أكتوبر”. وتبعه ‘أهارون هاليفا’ رئيس الاستخبارات العسكرية، الذي كتب في بيان علني: “إدارتي فشلت في مهمتها، وأنا أتحمل المسؤولية الكاملة”.

ثم رحل ‘أوديد باسيوك’ رئيس مديرية العمليات، ومعه كل من ‘آفي روزنفيلد’ قائد فرقة غزة، و’نمرود ألوني’ رئيس فيلق العمق، وكذلك ‘يارون فينكلمان’ قائد القيادة الجنوبية.. وجميعهم تحت عنوان متشابه وبذريعة واحدة”: “الفشل في أداء الواجب”. بل إن قائد القوات الجوية الجنرال ‘تومر بار’ (أكبر رتبة عسكرية متبقية منذ 7 أكتوبر) أعرب عن عدم رغبته في استكمال فترة خدمته برغم المطالبات ببقائه.

وعلى المستوى القيادات الأمنية والسياسية، أقال النتنياهو ‘رونين بار’ رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) -بعد معركة سياسية وإعلامية صاخبة- مبرراً القرار بـ”فقدان الثقة”، بينما اعتبر ‘بار’ إقالته “مسيّسة للتغطية على أخطاء الحكومة وفضائحها في ملف مواجهة حماس”.

وفي نوفمبر 2024 صدر قرار إقالة وزير الدفاع ‘يوآف غالانت’ (الذي اشتبك مع النتنياهو قبل7 أكتوبر في معركة الإصلاحات القضائية)، بحجة “انعدام الثقة”. وسبقه في ذلك السياسيان البارزان من تيار الوسط ‘بيني غانتس’ و’غادي أيزنكوت’ اللذين استقالا من مجلس وزراء الحرب في يونيو 2024، مما أفقد “حكومة الطوارئ” آخر عناصر “التوازن” في نظر المجتمع “الإسرائيلي” والحلفاء الغربيين، وعكس مدى “تصدّع” الجبهة الداخلية في أوج الحرب “الإسرائيلية” على الجيران.

والحقيقة أن النتنياهو نفسه اعترف في سبتمبر الماضي-وللمرة الأولى- بأن “إسرائيل” (باعتبار أنه “إسرائيل” و”إسرائيل” هو) تواجه “نوعاً من العزلة”، بسبب “الحرب الطويلة” في غزة (أي حرب الإبادة)، قائلاً إن بلاده “ستضطر إلى التكيف مع هذا الوضع الجديد” (يعني أنا مش ماشي واللي مش عاجبه يتكيّف).

لكن خلف ذلك الاعتراف “الملتبس”، يتجلّى للجميع مدى تقلص شبكة دعم النتنياهو إلى أدنى مستوياتها منذ تسلله لرئاسة الحكومة في 2009، داخليًا وخارجيًا. خارجيًا: بخلاف رفض الجنائية الدولية مؤخرا التماسه بإسقاط التهم الموجّه إليه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، وبرغم محاولات ترمب البائسة اليائسة للتظاهر بتضامنه وتعاطفه مع صديقه بيبي (إلى حد المطالبة مرارًا بإسقاط تهم الرشوة الموجّهة إليه)، يتفق المراقبون على أن واشنطن، لم تعد ترى في النتنياهو “شريكاً يمكن الاعتماد عليه في المرحلة المقبلة”، ويفسّرون ذلك بما أبداه سابقًا من “تعنّت وعناد” في التعاطي مع خطة ترمب العشرينية وفي “عرقلة” محادثات شرم الشيخ الخاصة باتفاق وقف إطلاق النار، ثم حاليًا في اعتراضه “العنيف” على اقتراح نشر قوة دولية مشتركة بقيادة عربية في غزة، برغم الضغوط الدبلوماسية والتنازلات العربية فيما يتعلّق بطبيعة وصلاحيات تلك القوة. وقد نقلت الصحف العبرية عن مصادر في الكنيست أن النتنياهو “يتلقى اتصالات غاضبة من البيت الأبيض، تحذّره من عرقلة اتفاق غزة”.

وداخليًا: بين مطرقة المطالبات بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة (على غرار لجنة أغرنات بعد حرب أكتوبر 1973)، لتحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية عن إخفاقات 7 أكتوبر 2023 (يخشى النتنياهو أن تضع هذه اللجنة سطر النهاية في مشواره السياسي، في ضوء تقارير الأجهزة الأمنية عن تجاهل تحذيرات مسبقة من الشاباك والاستخبارات العسكرية قبل هجمات حماس)، وبين سندان هبوط شعبيته باطراد في قياسات الرأي العام، يتعرض النتنياهو لهجوم مستعر آخر من حلفائه “المجانين” في اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير الأمن ‘إيتمار بن غفير’، ووزير المالية ‘بتسلئيل سموتريتش’، اللذان يهددانه -كل يوم تقريبا- بالاستقالة وتقويض الائتلاف الحكومي (الهش) إذا وافق على أي تسوية “سلمية” مع حماس، بدعوى أنه “يخون القضية اليهودية” من أجل غزة!!.

صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ لخصت المشهد بعبارة بليغة: “كل من تحمّل المسؤولية عن فشل 7 أكتوبر غادر المشهد… إلا نتنياهو نفسه.”

ويقول أحد المعلقين في القناة 12 “الإسرائيلية” إن “نتنياهو بات محاصراً بين واشنطن وتل أبيب: الأولى تضغط لإنهاء الحرب، والثانية تضغط لمواصلة القتال حتى آخر طلقة”. بينما كتب أحد المعلقين السياسيين ساخراً في صحيفة ‘هآرتس: “كلما ضاقت الدائرة حول نتنياهو، ازداد اقتناعه بأنه وحده الوطن”.

يبدو أنه لم يتبق للنتنياهو من أصدقاء إلا بضع حكومات “متصهينة” في الخارج، مثل الشرطة الألمانية التي اعتقلت هذا الأسبوع الكاتب الشهير والبرلماني السابق ‘يورغن تودنهوفر’ (البالغ من العمر 84 عامًا)، بسبب منشور له على السوشيال ميديا يُشبّه أفعال رئيس الوزراء “الإسرائيلي” في غزة بفظائع النازيين، قائلا “سيد نتنياهو، ألا يستيقظ ضميرك أبدًا عندما تفعل بالفلسطينيين ما فعله النازيون الملاعين باليهود؟”

22.10.2025

https://www.facebook.com/mohammad.dalbah.5