لأول مرة في بودلاسكي وبياوستوك
نص نضال حمد – مؤسس ومدير موقع الصفصاف – وقفة عز- من أوسلو
عندما اتصل بي “Seweryn Prokopiuk” داعيًا إيّاي إلى بياوستوك لأكون متحدثًا في ندوة عن فلسطين وأوقّع كتبي هناك، وافقت. وجهت لي الدعوة مع كتبي لأحلّ ضيفًا على حزب اليسار البولندي «رازم» — وهو، بالمناسبة، أكثر الأحزاب الممثلة في البرلمان البولندي تأييدًا للقضية الفلسطينية —. وافقت فورًا على الدعوة، بالرغم من بُعد المسافة وعدم معرفتي المسبقة بأحد في المدينة. بياوستوك، تلك المدينة التي درس فيها صديقي الحميم، المغربي محمد بوهلال وتخرّج من جامعتها وتزوّج فتاة من فتياتها.
بعد سلسلة من المكالمات والمراسلات بيني وبين سيفيرين، بدأت أبحث عن أي أثر عربي أو فلسطيني في بياوستوك. ثم تذكّرت أن صديقي، من مخيمنا (عين الحلوة) للاجئين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني، وهو من عائلة تعود أصولها إلى بلدة الزيب الساحلية في الشمال الفلسطيني المحتل منذ سنة ١٩٤٨، هي واحدة من ثلاث مناطق فلسطينية تشكّل نقاط الحدود الساحلية مع الناقورة جنوبي لبنان. صديقي المهندس أحمد ف بدوره كان قد حدّثني عن فلسطيني بولندي من مخيمات لبنان يقيم في المدينة، وأكد لي أنه رجل طيب وخدوم، وهو المهندس فايز، وأعطاني، مشكورًا رقم هاتفه للتواصل معه. تواصلنا والتقينا وتصادقنا.
لاحقًا وخلال حديث مع صديقي الفلسطيني، الغزّي — الفروتسلافي سابقًا، المهندس فايز عفانة المقيم في وارسو، أخبرني أن صديقنا العتيق ز. حسني يقيم أيضًا في بياوستوك. كنت حتى ذلك الوقت أظن أنه مقيم في إنجلترا أو في مدينة لودز البولندية.
بعد أن تحدثت مع حسني، شجّعني كثيرًا على الحضور، وقال لي: «أنا بانتظارك».
الحقيقة أن حسني رافقني كظلّي طوال إقامتي في بياوستوك وأخجلني كثيرًا بطيب كرمه وحسن ضيافته. على كل هو كان كذلك منذ عرفته قبل عشرات السنين. أما الصديق فايز، فقد أكرمنا أيضًا بدعوة إلى منزله في بياوستوك، حيث تناولنا عشاءً فلسطينيًا بلديًا أعدّه بيديه. في اليوم التالي حضر الندوة كما حسني، كلٍ برفقة زوجته.
قبل ذلك، أودّ القول أيضاً إن الصديق الدكتور وائل عوكل، الذي تخرّج طبيبًا من جامعة بياوستوك، أخبرني أن ابنته وزوجها يقيمان هناك، وقد حضرا بالفعل وشاركا في الندوة، وحتى في اللقاء الذي جمعنا بأحد المقاهي بعد انتهاء الندوة. سررت بحضورهما وإعجابهما بمجريات اللقاء.
أما على الصعيد البولندي، فقد أبهرني “سيفيرين” بكرمه وطيبته وصدقه ومحبته لفلسطين، كما بتضامنه الكبير مع قضيتنا وإنسانيته الرفيعة. كما أنه استقبلني خير استقبال وقدم لي هديتين ذواتَي قيمة كبيرة، لأنهما ترمزان إلى التقاليد المحلية في بياوستوك وبودلاسكي.
أما نجاح الندوة وحجم المشاركة الكبير فيها، فيعودان أيضًا إليه وإلى زميله الشاب Boguszewski Jakub يعقوب بوغيشيفسكي، الذي نصفه جزائري، وإلى الآخرين الذين أحسنوا التنظيم والإدارة. كما لا بد من توجيه الشكر إلى المصوّر الفوتوغرافي القدير، الذي تابع اللقاء بالكاميرا والتقط مجموعة من الصور.
بداية اللقاء قدمت لسيفيرين هديتين فلسطينيين الأولى علم فلسطين والثانية شمة باألوان وزخرفات الكوفية الفلسطينية صناعة يدوية من أعمال صديقي الفنان الفلسطيني النرويجي حسن سالم المقيم في برغن النرويجية.
أُقيم اللقاء في نادٍ ثقافي محلي، هو «كلوب من روسيا البيضاء». وخلال وصولي إلى المكان، تفاجأت بوجود ملصقات إعلامية معلّقة عن الندوة، وعليها صورتي وعلم فلسطين. كان ذلك شيئًا جميلًا بالنسبة إليّ. أدار سيفيرين اللقاء بشكل جميل ومتمكّن، وتحدّث بلغة العارف بالقضية ومجرياتها، لكنه فسح المجال لي للتوسّع في ردودي، وأخذ راحتي في الحديث والشرح وتقديم وجهة نظري ومواقفي. وقد رددت بالفعل على أسئلته كلها، وربما بتفاصيل دقيقة. بعد ذلك، أجبت عن أسئلة الحضور، ومنها أسئلة لشخص من روسيا البيضاء، أعتقد أنه مناصر للكيان الصهيوني ويتبنّى روايته، وقد تم إرساله لتوجيه بعض الأسئلة من النوعية التي ترددها دائمًا الدعاية الإسرائيلية. وقد رددت عليه أيضًا، وشارك في الرد حسني وسيفيرين وزوجة الصديق فايز وآخرون. وخلال الندوة، قمت بتوقيع كتابَيّ «قتلة الأطفال» و«غزة خيمتنا الأخيرة».
أعتقد أن رحلة بودلاسكي وندوة بياوستوك حققتا الهدف المرجو منهما على الصعد السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية. فقد تُوّجت الرحلة بزيارة تاريخية، إذ سوف أتذكّر دائمًا الرحلة إلى بلدة «كروشينياني» التترية الإسلامية في بولندا، قرب الحدود مع بيلاروسيا، حيث لا تزال تقيم عائلات تترية مسلمة تحافظ على مسجدها ومؤسساتها ومتحفها وعاداتها وتقاليدها وتاريخها.
في نفس اليوم كنت قبل الندوة سافرت إلى هناك بالسيارة برفقة حسني وزوجته البولندية، السيدة يولانطا، التي حدّثتني قليلًا عن المنطقة ومحافظة بودلاسكي وطبيعتها الخلابة وسكانها الطيبين الكرماء. أما في كروشينياني، فقد استقبلنا ممثل عن المسجد يُدعى السيد جميل، روى لنا سيرة التتار البولنديين وتاريخ المكان. وكان رجلًا لطيفًا رحّب بنا بحرارة، بعدما علم من سيفيرين بقدومنا لزيارة المسجد، وبأننا فلسطينيون.
نضال حمد
٢٦ أيار – مايو ٢٠٢٦
موقع الصفصاف – وقفة عز





























