لا سلام عادل ولا شامل إلا بزوال الاحتلال

نضال حمد

في قديم الزمان كان الرومان يصلبون أسراهم ومن ثم يتركونهم معلقين على الصلبان حتى الموت ولكي تنهش لحمهم الطيور المفترسة من النسور والصقور والعقبان.

 أما في هذا الزمان، زمان الذل والهوان، زمان الصهاينة والأمريكان. لم تعد ممالك وأمبرطوريات الشر بحاجة للصلبان، كما أنها بدلت العربات والخيول والفرسان بالطائرات والدبابات والصواريخ الموجهة عن بعد وبطائرات الهيليكوبتر التي لا تستحق التسمية التي تحملها ونعني هنا” الأباتشي” الأمريكية الصنع. فامريكا لم تكتفِ بإبادة الهنود الحُمر بل استولت على أسماءهم الجميلة لتطلقها على ما صنعته من آلات الموت والدمار.

 

في هذا الزمان الذي تتم فيه حملات التطهير والموت في مخيمات الفلسطينيين في الضفة والقطاع , حيث تتم استباحة المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع بشكل منتظم على مرأى من أشباه الرجال في الحكومات والدول العربية. التي بدورها صمتت وتصمت كالحملان, وأحيانا بمشاركة أجهزة الأمن في بعض الممالك والدول التي هرولت للتطبيع مع (اسرائيل) من أجل حفنات من الدولارات الأمريكية، التي هي بالأصل من نفط وبترول بلادنا.

 

في الزمان الذي تتم فيه حملات التدمير والقصف والتجريف (الأسرائيلية) في فلسطيننا المستباحة حيث تدك المدارس وتدمر المصانع وتهدم المنازل والمساكن على رؤوس سكانها وساكنيها من الأبرياء والعزل … وحيث تُجمع جثث الشهداء من قبل الصهاينة لتوضع في جلود الخنازير أو على مقدمات الدبابات كما حصل في مخيم طولكرم.ظنا منهم أنهم بهذا ينتقمون من أبنائنا وشبابنا ومن شهدائنا وشعبنا الذي يبدع كل يوم في صموده، ورد الصاع صاعين على مجازر عصابات الارهاب الصهيوني.

في هذا الزمان نقول لشارون وعراب سياساته بيريز ولكل الصهاينة أن حيواناتكم المعدنية المفترسة والتي تسمونها دبابات ميركفاه لن ترهب شعب فلسطين، ولن تعيد عقارب الساعة الى الوراء، ولن تبدل من معادلة عد الجثث. فمقابل الدم هنا سينزف الدم هناك، ومقابل التدمير هنا ستتفجر القنابل هناك. فالمعادلة واضحة إما سلام عادل وشامل لجميع الأطراف، يعيد حقوق شعبنا الكاملة وإما موت وحروب وويلات هنا وهناك.

في زمان (اسرائيل) المُؤسسة والمَبنية على الخزعبلات والخرافات التلمودية والتوراتية يصبح الموت مباحا وتصبح المذابح والمجازر نهجا في النظرية والتطبيق والممارسة. هذه الدولة المصطنعة والتي أنشأت بفعل الخرافات والأساطير الصهيونية المعتمدة بعقيدتها على كتب ومقولات مجموعة من المرضى نفسانيا والمعوقين عقليا. الذين يعانون من انفصام في الشخصية. لأنهم أذا نظروا في المرآة صباحا لعنوا المرآة وما فيها على الجهة المقابلة. لأن هذا المريض يجد نفسه الشريرة معكوسة في المرآة حين يقف أمامها. وبما أنه لا يفهم نفسه الظالمة فهو يكره تلك النفس ولا يستطع النظر في المرآة خوفا من تأنيب الضمير، أو خوفا من عقاب الفلسطينيين.

في زماننا هذا نقول _للأسرائيليين) الصهاينة أنه آن الأوان ليفهموا ولو لمرة واحدة بأن التاريخ يعيد نفسه أحيانا، وبأن التيه هو من فعل الناس أنفسهم وليس من فعل السماء أو بسبب العواصف وهبوب الريح. لذا فأن العد العكسي (لأسرائيل) بدأ مع انطلاقة الانتفاضة الثانية.

 وبما أن الأمور بشكلها الحالي وصلت للجدار المسدود أصبح مطلوبا من الطرفين الفلسطيني و(الاسرائيلي) مواجهة ساعة الحقيقة ولحظة المحاسبة. الاحتلال لن يستمر ولن يستطع الاستمرار لأنه آيل الى الزوال. وآلة الدمار والقتل والموت لن توقف زحف القنابل البشرية والأجساد المتفجرة. كما أنه لا أحد يستطيع كسر ارادة شعب مقاوم… فشعب فلسطين يحب الموت كما أعداؤه يحبون الحياة. وعندما يموت الفلسطيني فإنه يفعل ذلك من أجل أن يحيا الوطن وتنتصر ارادة الحرية والتحرر. يعرف الاستشهادي الفلسطيني بأنه لن يمت لمجرد الموت، بل يموت من أجل أن يحيا الأخرون، ولكي تستمر المقاومة والمسيرة حتى دحر المحتلين واقامة دولة فلسطين المستقلة والحرة.

في مواجهة ساعة الحقيقة يتعين على الطرفين اعلان مواقفهما بصراحة وعلانية وعن قناعة. هذا إذا كانت لديهما النيّة والرغبة في انهاء الصراع وحل النزاع بطريقة تضمن السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وتورث الأجيال القادمة منطقة نظيفة وخالية من المشاكل والنزاعات المستعصية.

هنا تجدر الاشارة الى أن سياسة تغيير الواقع التي انتهجتها كافة حكومات (اسرائيل) الصهيونية، معتقدة ولازالت تعتقد أنها بتغييرها للأمور على الأرض سوف تفرض وضعا جديدا يجعل المطالب الفلسطينية فارغة. ها هي تصطدم بوقائع أصبحت مفروضة بفعل واقع الحال. إن هذه الوسائل اللصوصية والأخرى الاستيطانية لن تغير من المطالب الفلسطينية ولن تبدل الواقع والحقائق. فقصر الطرق لاحلال السلام العادل والشامل في المنطقة يأتي عبر انهاء الاحتلال وزواله. و أن تعترف (اسرائيل) بمسؤوليتها التاريخية والأخلاقية عما لحق بالفلسطينيين من أذى وتشريد وشتات ومعاناة جسيمة بفعل احتلالها واغتصابها لفلسطين. وطردها للفلسطينيين من دورهم وأرضهم والاستيلاء على ممتلكاتهم بالقوة. بالاضافة لسلسلة المجازر والمذابح المعروفة والغير معروفة والمنشورة والغير منشورة، والأقل شهرة عن مثيلاتها من المذابح. مثل مجزرة بلدة الصفصاف والتي ذهب ضحيتها حوالي 110 فلسطيني ( لدي أسماء حوالي 60 منهم، إضافة لثلاث نساء تم اغتصابهن، لازلن حتى اللحظة على قيد الحياة، ويعشن في أحد مخيمات اللاجئين في لبنان).

 في حال اعترف (الاسرائيليون) بجرائمهم تلك وقبلوا تحمل المسؤولية الأخلاقية عما أقترفته أيديهم في فلسطين، تصبح الأمور أسهل ويصبح الدخول في القضايا المعقدة أهون وأسهل ايضا. ومن تلك الأمور اللاجئين، القدس، المستوطنات والسيادة والدولة والحدود.

لكن في ظل السياسة (الأسرائيلية) التي تنبع من العقيدة الصهيونية الإلغائية والإقصائية، والتي تنبع من فوهات البنادق ومن مواسير وسبطانات المدافع، وعبر ممارسة ارهاب الدولة المنظم، واعادة أحتلال المناطق التي انسحبت منها، ونشر الرعب والهلع بين السكان العُزل والمدنيين لا تتوقعوا رؤية بصيص نور، ولا ذرة أمل. فقادة (اسرائيل) متمسكون بثوابت المشروع الصهيوني، وليس عندهم أو لديهم استعداد للتنازل عن معتقداتهم الصهيونية والتوراتية أو عن مكتسباتهم الحربية. فهم كل يوم يعطوننا أمثلة في الحقد والعداء والكراهية.

في ظل هكذا أوضاع يصبح الحديث عن مشاريع سلام جذرية مجرد هذيان وأوهام لدى أصحاب سلام الشجعان. لأن شارون لا يمكن أن يتنازل عن شبر من أرض (اسرائيل) الكبرى. وهو يعرف أنه لم يتبقى من العمر أكثر مما مضى. وهو يريد أن يموت وفيا لمبادئه العنصرية والصهيونية الدموية لا أن يموت متنازلا وخائنا. لذا من الصعب تحقيق أي شيئ في ظل وجود حكومة شارون وأذناب حزب العمل من شركاءه في الحكومة. وحقيقة صعب تحقيق أي انجاز فلسطيني عبر المفاوضات. فالصهاينة لا يكتثرون بالتنازلات ودائما يريدون المزيد منها. ومن يقدمها لهم سوف يموت متنازلاً وخائنا عكس ما يريد الموت عليه ولأجله شارون.

(اسرائيل) قضت العمر تسبح عكس التيار بمساعدة أمريكية وأوروبية ويهودية عالمية. لكن الى متى سوف يستمر مدها بالأوكسوجين الإصطناعي كي تستطيع الغوص تحت الماء؟

 

لا سلام عادل ولا شامل إلا بزوال الاحتلال

بقلم : نضال حمد

11-3-‏2002