لست آسفاً – نضال حمد

لست آسفاً إلا لأنني لا أملك إلا حياة واحدة أضحى بها فى سبيل الوطن.

” شيشرون”.

صدق الفيلسوف الأغريقي شيشرون جارنا من اليونان. فلا أسف على شيء في هذه الحياة بقدر أسف الانسان على عدم قدرته تقديم المزيد في سبيل وطنه وشعبه وقضيته. فالانسان كما قال أيضاً الأديب الفلسطيني المبدع الشهيد غسان كنفاني “إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية”.  وأنا أريد أن أضيف على قول غسان قولاً للزعيم السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة وهو أن الحياة “وقفة عز”، يعني أن الانسان الذي لديه قضية عليه أن يقف وقفة عز ويناضل من أجلها بدون كلل أو تعب وبلا توقف، لأنها قضيته ومصيره وحياته وماضيه وحاضره ومستقبله. فالانسان ليس فقط لحماً ودماً بل هو أيضا مقاومة وكرامة وموقف وصلابة. وهو ابن الأرض وابن الشعب وابن الحياة يحيا لكي يعيش عزيزاً ويموت من أجل حرية أرضه وعزة نفسه وإباء شعبه وأمته. يعني الانسان ابن بيئته وابن قضيته وإن خسر وطنه ولم يقم لاستعادته فالخذلان والتقاعس يمسان كرامته وعزته وانسانيته. وكما قال غسان في مكان آخر “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين، لا أن نغير القضية”. ونحن في فلسطين أكثر الناس بحاجة لتغيير غالبية من كانوا مدافعين عن القضية لأنهم أوصلوها الى الحضيض ويكادون يدمرونها. فأولائك المدافعين الذين دمروا القضية بدلاً من جعلها أصلب وأمتن واكثر حضوراً في كل الدنيا، خرجوا من صف الدفاع عن القضية. إن فشل ما يسمون المدافعين عن قضية فلسطين وتحول الكثيرين منهم الى أدوات للهدم والتدمير والتخريب يذكرني بقول لمهندس معماري أرمني اسمه “معمار سنان”  عمل مستشاراً للسلطان العثماني سليمان القانوني وهو: (ناس للتدمير وناس للتعمير، ومن يُصلح للتدمير لا يُصلح للتعمير). ونحن في فلسطين يجب علينا التخلص من الهدامين والبحث عن البنائين والمعمرين كي نستطيع التحرر وبناء وطن حر وسيد ومستقل.

حتى في ظل الوضع الحالي، المزري والمغري للمستسلمين وللمتساقطين وللمطبعين، أشباه الرجال ومن لحق بهم من أشباه الرؤساء والقادة والزعماء، العراة من كل شيء، العراة تماماً. في مثل هذا الزمن الذي تنطبق فيه على غالبية القادة والزعماء والحكام وأشباههم وأزلامهم واعلامهم، مقولة الشاعر الجاهلي الكبير طرفة بن العبد ” كلهم أروغ من ثعلب فما أشبه الليلة بالبارحة”. في هذا الزمن الكريه ليس هناك إلا النضال والمواجهة والمقاومة والكفاح. ليس هناك إلا التحمل والصبر والصمود والايمان بأن الغد سيحمل الأشياء الجميلة والأخبار السارة وسوف يحقق الأمنيات ويأتي بالخير والنصر.

علينا أن نكون كما قال غسان كنفاني “أموت وسلاحي بيدي، لا أن أحيا وسلاحي بيد عدوي”. لكننا اليوم وصلنا الى لحظة في فلسطين نرى ونجد فيها أن جزءا هاماً من الفلسطينيين ماتوا وهم أحياء وأسلحتهم أصبحت بيد عدوهم. فما نراه من تنسيق أمني مع الاحتلال وحماية المستوطنين وحراسة أمن العدو والمشاركة في مؤتمراته للأمن القومي مثل مؤتمر هرتسيليا، وتشكيل وعمل لجنة التواصل مع المجتمع الصهيوني، والتخلي عن أرض فلسطين والاعتراف بها للمحتلين اليهود الصهاينة. والاكتفاء بالتفرج على التهويد والضم والاستيطان، وملاحقة واعتقال واغتيال وتعذيب وسجن المناضلين والمقاومين الفلسطينيين، كذلك تجريم المقاومة واعتبارها ارهاباً وضرراً جسيماً بحق القضية. بالاضافة لسياسة الميتين القائمين على جيفة نتنة هي السلطة الفلسطينية، ليست سوى تأكيد على ما قاله كنفاني:” إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة”. ترى كم مرة مات هؤلاء المنسقون مع العدو وأولائك الذين خانوا وصايا الشهداء وغدروا بفلسطين؟.

خلال وجودي في أوروبا منذ سنوات طويلة التقيت بكثير من الأوروبيين الذين يدعوون أنهم محايدين في قضية الصراع العربي الصهيوني. من هؤلاء من هم فعلاً محايدون لأنهم بطبعهم ليسوا عدوانيين، أو أنهم يجهلون الحقيقة ولا يعرفون تاريخ القضية والصراع إلا من خلال وسائل الاعلام الأوروبية المنافقة. تلك الوسائل التي تتبنى في غالبيتها الرواية الصهيونية. وهم أفضل من الآخرين الذين تم غسل عقولهم وضمائرهم بالبروبوغاندا الصهيونية والنازية ومجارزها بحق اليهود لاثارة تعاطف دائم من قبلهم مع الكيان الصهيوني، الذي جاء لانقاذ ما تبقى من اليهود بحسب دعايات الأعداء وأصدقاء الأعداء. على كل حال قصة الحياد تلك تذكرني بمواقف بعض الفلسطينيين والعرب، وبالذات بعض الفلسطينيين الذين يريدون لنا أن نكون محايدين في قضايا تخص الأمة العربية وصميم وجودها. فكيف يمكن لفلسطيني أن يكون محايداً وهو يرى الصهاينة والأمريكان والناتو يقصفون لبنان وليبيا واليمن والعراق وسوريا ويحاصرون ويجوعون شعوب ودول لأجل عيون الكيان الصهيوني وأطماعهم الاستعارية؟. تلك المواقف والسياسات تذكرني بقول للامام علي بن أبي طالب: “المحايد شخص لم ينصر الباطل، لكن من المؤكد خذل الحق”.

إن الانحياز للقضايا العادلة واجب إنساني وأخلاقي ونضالي. لقد رأيت ذلك منذ عشرات السنين في تصرفات ومواقف الكثيرين والكثيرات من الأوروبيين والأوروبيات أصدقاء وصديقات العدل والسلام والتضامن بين الشعوب، شرفاء وشريفات وأحرار وحرائر العالم. فعندما ينشد المناضلون التقدميون الايطاليون نشيد “تشاو بيلا تشاو” وهو نشيد الفدائيين الطليان، فهُم وهُنّ ينشدونه أيضا لأجل حرية فلسطين ودعماً لكل المناضلين والأحرار في هذا العالم الشاسع، حيث لازالت هناك قضايا بلا حلول وحيث لازال هناك احتلال واستعمار وشعوب تقاوم وتناضل لأجل الحرية. فالشعوب والأمم التي لها تاريخ لا ترضى بالضيم ولا بالاحتلال ولا بالاستعمار إنما تبحث عن حريتها وسيادتها وتفعل ذلك بكل الوسائل المتاحة والممكنة. تلك الشعوب تذكرني بالحكمة الايطالية القائلة: “ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها”. فالذي لا تاريخ له لن يسعى لاستعادة ما لم يكن يملكه والعكس هو الصحيح لمن كان له تاريخ عظيم وساطع لا يمكن تجاوزه وتجاهله ونسيانه.

إن الانفصام والانقسام والتشرذم والضياع والتيه الفلسطيني سواء داخل أو خارج فلسطين المحتلة، في دول الطوق أو في اوروبا وأمريكا وكل الدنيا حيث يوجد فلسطينيون. المسؤول الأول عنه هي تلك القيادات الكرتونية التي تحولت الى روابط قرى وجيش لحد فلسطيني. صحيح أننا نحن الفلسطينيون نعيش في أوضاع صعبة جداً، لكن هذا أيضاً عامل محفز من أجل العمل على اعادة الانطلاق والانبعاث من جديد. لأجل ذلك تلزمنا مكانس من “بلان” فلسطين لنكنس بها قمامة التجربة السابقة والبدء من جديد.

بالعودة للحكمة الايطالية القائلة: “ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها”. أقول أن أصحاب هذا التاريخ هم الذين جعلوا من حكمة الفيلسوف اليوناني شيشيرون “لست آسفاً إلا لأنني لا أملك إلا حياة واحدة أضحى بها فى سبيل الوطن.”. شعاراً لهم يسيرون على هداه لأجل الوطن وانسان الوطن. فمن ولدتهم أمهاتهم أحراراً كما وصفهم الخليفة عمر بن الخطاب لن يرضوا بالاستعباد وسوف يكافحون لأجل الانعتاق والحرية.

نضال حمد في 29-4-2021