مؤتمر قمة دوشينبيه وأبعاده-منير شفيق

مؤتمر قمة دوشينبيه (عاصمة طاجيكستان) هو المؤتمر الثالث لمجموعة شنغهاي، بزعامة كل من روسيا والصين. وقد حاول البعض أن يعتبر شنغهاي محوراً عالمياً جديداً، وسماها بعض آخر بالتحالف الأوراسي. ولكن في الحقيقة، بعد التأمل جيداً بالدول المشاركة فيها واتجاهات كل منها، وبعد التدقيق في البيان الأخير الصادر عن مؤتمر قمة دوشينبيه، يمكن أن يعتبر، في لحظة انعقاده، اصطفافاً أوراسياً تحت خيمة الصين- روسيا. فهو أقل بكثير من تحالف ومن محور.

 

ولعل هذا من سمات العصر الراهن الذي راح يفكك حتى ما كان تحالفاً وكان محوراً. وذلك ليرسخ علاقات دولية من نمط جديد، تختلف كلياً عن العلاقات التي سادت في مرحلة الحرب الباردة. بل حتى الذين حاولوا تشبيهه بحركة عدم الانحياز وجدوه أقل منها تماسكاً بالرغم من تماسكها الرجراج، خصوصاً، في النصف الأخير من عمرها.

 

إن أول ما يُلحظ (بدءاً بالإيجابيات) من بيانه، ومن الكلمات التي ألقاها أبرز الرؤساء (الحضور)، أن مؤتمر قمة بينوشيه كُرس لنقد سياسات دونالد ترامب، وممارساته. طبعاً من دون التعرض له بالاسم. وقد حُددت سياساته، بصورة دقيقة واضحة، لا تسمح لأحد أن يُخطئ في معرفة من المقصود.

ثمة عدة قضايا ركز عليها المؤتمر، وحملت نقداً لسياسات ترامب، وفي المقابل أبرز مواقف مبدئية معارضة لها. مثلاً، رفض أي حل أحادي من جانب واحد لقضية القدس، أو لأي قضية أخرى، وكذلك سياسات التنمر في العلاقات الدولية (خطاب الرئيس الصيني)، وأكد بقوة دعم الاتفاق النووي الإيراني وموقف إيران، والتأكيد على دعم القرار الدولي الرقم 2231 لعام 2015 في ما يتعلق بالاتفاق النووي.

 

ودعا البيان إلى منطقة خالية من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وشدد على التقيد بالقانون الدولي والمواثيق الدولية، ورفض ممارسة الضغوط التي تتعرض لها أية دولة من دول المؤتمر. وأعلن رفض استخدام سياسة العقوبات أحادية الجانب، أو “تطبيق” القوانين الوطنية لأية دولة خارج حدودها، وكذلك أدان الضغوط السياسية والاقتصادية غير الشرعية التي تمارس ضد أية دولة من دول المؤتمر. وطالب بالوقوف ضد الحركات الانفصالية، وعدم السماح لها باستخدام أراضي أية دولة من دول مؤتمر قمة دوشينبيه.

 

ثم هنالك تشديد على التمسك بالنظام التجاري وفقاً لما حددته منظمة التجارة العالمية، بما فيه معارضة السياسات الاقتصادية الحمائية التي تنسف روحية العولمة. يجب أن يُلحظ هنا أن هذا البند المقصود بالعولمة وضد الحمائية يمثل السياسة الصينية التي أصبحت هي راعي العولمة، فيما أمريكا ترامب راحت تلجأ إلى السياسة الحمائية، وتدعو إلى إعادة النظر في كل الاتفاقات التجارية (طبعاً هذا لا يعني عدم الاستمرار في معارضة العولمة لدفاع الصين عنها أو لانتهاك ترامب لها).

وخلاصة، جاءت قرارات المؤتمر التي حظيت على موافقة إجماعية، وصدرت في بيان مشترك تعبر بصورة أساسية عن السياسات الروسية والصينية، إلى جانب الانحياز الكامل في قضية الاتفاق النووي للموقف الإيراني. وفي الحقيقة، كانت الأدوار الأبرز في المؤتمر لكل من الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 

لم يشذ ويعترض على البيان غير مندوب الكيان الصهيوني؛ الذي احتج وتحفظ على القرارات المتعلقة بالاتفاق النووي مع إيران، وبالموضوع الفلسطيني، بالرغم من أن سقفه سقف سلطة رام الله.

 

هذا الأمر يسمح عند هذه الملحوظة أعلاه أن يسجل على مؤتمر قمة دوشينبيه سلبيتين: الأولى دعوة الكيان الصهيوني لحضور المؤتمر عضواً أصيلاً من بين أعضائه السبعة والعشرين، والثانية اعتبار ماليزيا وأندونيسيا من المشاركين المراقبين، وغياب اسم سوريا في الحالتين.

إن وجود مكان لمندوب “دولة إسرائيل” في المؤتمر وأمامه العلم، يشكل شذوذاً؛ ليس بسبب انفراد ممثلها بالاعتراض على بنود في البيان، أو صمته المطبق الذي يؤكد شذوذه داخل المؤتمر، وإنما بسبب اعتبار الكيان دولة آسيوية (وهذا تزوير)، فيما يعتبر نفسه أوروبيا، كما سجلت نفس في الفيفا و”اليورو فيجن” من جهة، وبسبب تناقض كل ما صدر عن المؤتمر من سياسات، بما فيها الموجهة ضد سياسات دونالد ترامب، والتي هي سياسات الكيان الصهيوني أيضاً، من جهة أخرى.

 

طبعاً، يجب أن يلاحظ هنا أن هذه السلبية ناجمة عن العلاقات القوية لكل من روسيا والصين بحكومة نتنياهو. وهاتان العلاقتان غير مفهومتين، وغير مبررتين، إلاّ من خلال حسابات ضيقة لكل منهما. وكان يُفترض بهما أن يتعاملا مع الكيان الصهيوني من خلال حسابات أخرى لها علاقة بما ارتكبه ويرتكبه من جرائم حرب واحتلال واستيطان، بحق الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين، وبما تتسم به سياساته المناقضة لكل كلمة ذكرت في بيان مؤتمر قمة دوشينبيه. فأيّ مكان في هذا المؤتمر لدولة قامت على اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه، وهي مدانة بالتمييز العنصري، ومدانة بارتكاب جريمة حرب (ممارسة الاستيطان)، فضلاً عن الاحتلال والاعتداء على المقدسات، وامتلاك السلاح النووي الذي يطالب المؤتمر بإخلاء الشرق الأوسط منه؟

 

صحيح أن هاتين السلبيتين على هامش المؤتمر الذي اتسم بالإيجابية حين يجعل شعاره الأول “التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا”، ويريد أن يكون منصة فعالة لمناقشة وحل المشكلات المتبقية والجديدة التي تواجه آسيا. على أن من الضروري أن تقدر عالياً أهمية هذه القمة في هذا التوقيت، وفي هذه الظروف التي تسود بحار الخليج والمضائق الدولية. فالعالم يضع يده على قلبه من سياسات دونالد ترامب على مستوى عالمي، ولا سيما تلك المتعلقة بحصار إيران، وما ولّده من توتر في منطقة الخليج. وقد راح يؤشر إلى خطر اندلاع الحرب، لا سيما بعد أن ضربت متفجرات سفينتي نفط في بحر عُمان.

 

من هنا تأتي قمة دوشينبيه محذرة، ومنذرة، وضاغطة على دونالد ترامب بأن يكف عن سياسات التنمر والحصار والعقوبات، وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية وشن الحروب التجارية، بما يخالف القانون الدولي، والمواثيق الدولية، ويعرض العالم لأشد الأخطار.