ماتشي جروبسكي، صديق فلسطين الوفي… أحدث شهداء وباء كورونا – نضال حمد

ماتشي جروبسكي صديق فلسطين الوفي .. أحدث شهداء وباء كورونا

معركتنا مع وباء كورونا مستمرة وللأسف الشديد تكلفتها مزيد من الضحايا وفقدان أحبة، واحدا يلحق بالآخر، يسقطون شهداء في معركة غير متكافئة، معكرة مفتوحة لا نعرف مدتها ولا ندري من منا سوف يحيا حتى نهايتها ليشاهد الانتصار الانساني العالمي على الوباء اللعين. في كل يوم يحصد الوباء حياة البعض ممن نحبهم ونقدرهم وممن عشنا معهم معركة الدفاع عن القضية الفلسطينية على كل الجبهات التضامنية والاعلامية المحلية والعالمية.

يسقط الأصدقاء والصديقات شهداء في مواجهة الوباء… فها هو ماتشيك جروبسكي صديق فلسطين الوفي وصديق القضايا الانسانية والعربية والعالمية العادلة، عضو البرلمان البولندي الأسبق، وعضو المجموعة البرلمانية البولندية الفلسطينية، يسقط شهيدا بعد حياة حافلة بالمواقف الصلبة والمناصرة لفلسطين وسوريا وايران، والمعادية للكيان الصهيوني وللاحتلال وللعدوان وللارهاب وللاستعمار.

كان جروبسكي شخصاً مختلفاً عن غالبية أقرانه من السياسيين والبرلمانيين البولنديين… كان سياسياً بولندياً مبدئياً، ومنافحاً عن الحق، مكافحاً ضد التبعية للصهاينة وللاستعمار الغربي بقيادة رأس الأفعى الولايات المتحدة الأمريكية. رفع راية الدفاع عن القضية  الفلسطينية، وأعلن تأييده لايران ضد حصارها والعدوان عليها وحملات التشويه المتعمدة ضدها. ووقف بمناعة وقوة ضد الاسلاموفوبيا والعنصرية، وغرد خارج السرب السياسي في هذا البلد الذي تسيطر عليه الدعاية الصهيونية تقريباً بشكل كامل، تسيطر عليه من السياسة الى الاعلام حتى الثقافة. كان انساناً وفياً لمبادئه ومحباً للآخرين. لم يتنازل عن مواقفه ولم يخضع لقرارات حزبه ولا لسياساته، فضل التنازل عن الامتيازات مقابل الوفاء والحفاظ على القناعات. كان انساناً حراً، سيد نفسه وسيد قراراته ومواقفه. وهل هناك في هذه الحياة أجمل من أن يكون الانسان انساناً مستقلاً وحراً وصاحب موقف؟. قال له ضميره: “كُنْ انساناً”.. فكان.

حرص جروبسكي على اشهار مواقفه الداعمة لفلسطين وعمل في سبيل تمتين المجموعة البرلمانية البولندية الفلسطينية. وبنى علاقات هامة وجيدة مع الفلسطينيين في بولندا بكافة تنوعاتهم السياسية، فكانت علاقاته معهم قوية وجيدة وواضحة. ولم يكن متقلباً في مواقفه بل كان واضحاً وصريحاً.

تعرفت عليه قبل خمس سنوات وأصبحت علاقاتنا متينة. وتبادلنا خلال الخمس السنوات الكثير من الأحاديث والنقاشات الجادة حول تعزيز العمل التضامني لأجل فلسطين في بولندا. كان يرغب أن نقيم أنا والفنانة البولندية دومينيكا روجانسكا، معرضنا المشترك “مع اللوحات والصور عن فلسطين والمخيمات الفلسطينية في لبنان” في مدينته، حيث كان ينشط ويعمل. لكن الظروف التي خلفها وباء كورونا حالت دون تحقيق ذلك.

قبل نحو شهر ونصف أصيبت عائلة جروبسكي بوباء كورونا فقلقنا عليهم وتابعنا حالتهم الصحية. استطاعت العائلة بعد عناء النجاة من لعنة كورونا. لكن احدى عماته البالغة من العمر أكثر من ثمانين عاماً أصيبت بالوباء، ولم يكن لها من يساعدها فقرر ماتشيك أن يقوم بواجبه العائلي والانساني في مساعدة عمته. ورغم التحذيرات الكثيرة من خطورة ما قد يحصل له، وامكانية اصابته مرة أخرى بالوباء إلا أنه أصر على ذلك. ساعد عمته التي خرحت منتصرة على كورونا لكنه هو نفسه أصيب بالعدوى من جديد وفي هذه المرة كانت اصابته للأسف قاتلة.

بفقدان ماتشيك جروبسكي تفقد قضية فلسطين واحداً من أشد الأصدقاء وأكثرهم حرصاً على حرية شعب فلسطين. سيترك رحيله فراغاً وحزناً .. لكننا سنتابع مشوار العمل لأجل شعب فلسطين متسلحين بذكريات جميلة ومشرفة كانت جمعتنا مع هذا الانسان النبيل.

كان ماتشي جروبسكي عضوا في مجموعة فلسطين بالبولندية التي نعته من على منبرها بالفيسبوك كصديق كبير لشعب فلسطين وقضيته العادلة. وقالت أنه العضو السابق في مجلس الشيوخ عن المنبر المدني، وهو عضو سابق أيضاً في المجموعة البرلمانية البولندية الفلسطينية. وكتبت ادارة المجموعة ” لقد هزمه فيروس كورونا اللعين” وأضافت: “نقدم تعازينا القلبية الحارة والصادقة لذوي الفقيد وكل أحبته … شكرا ماتشكو، وداعا ماتشيك”.

ماتشي جروبسكي! أرقد بسلام مع رُسِلِ السلام

نضال حمد

18-12-2020