متى حصل تجويف الجبهة الشعبية – عادل سمارة

كنعان النشرة الإلكترونية
Kana’an – The e-Bulletin

السنة الثامنة عشر –  العدد 4835
22 آب (أغسطس) 2018

أطيب التمنيات بمناسبة عيد الأضحى المبارك
وكل عام وانتم بخير

في هذا العدد:
متى حصل تجويف الجبهة الشعبية، عادل سمارة

  • إلى الرفيق محمود فنون وكل من يصطف وطنياً

تركيا – مُحاولة في فهم أسباب الأزمة، الطاهر المعز
عودة الى مسألة المُصطلح الفلسطيني: الاستعمار – الاحتلال – الاستقلال، شحادة موسى
● ● ●


متى حصل تجويف الجبهة الشعبية

إلى الرفيق محمود فنون وكل من يصطف وطنياً

وإلى كل من يكذبون على أنفسهم: “لأن بوسع السجين المساهمة الفكرية النظرية وليس الفتوى سياسياً لأنه معزول عن الحدث، وإلا ما معنى السجن؟”

د. عادل سمارة

قرأت كتابك الذي أثار وسيثير جدلا وهجوما لا نهائيين، ودفاعنا عنه لا نهائي ايضا. الكتاب الرائد في نقد وتفنيد أوهام حل الدولة وحل الدولتين وعرض منافسة/مماحكة هذا الفريق مع ذاك على حضن الصهيونية الذي لن يتوفر ولم يتوفر حتى لأي فلسطيني مهما ارتمى. وقرأت مقالتك الأخيرة يوم 20 آب 2018 (أحمد سعدات يكتب.. قانون أساس القومية الصهيوني والرد الفلسطيني المطلوب).
ولكن، في مقالة لا يمكن المرء متابعة عديد الأحداث فهي ليست كتابة تاريخ.

الاختراق حرب متعددة الألوان، فكري نظري نفسي إعلامي مخابراتي اكاديمي مالي إفسادي…الخ. لذا، بدأت محاولات اختراق الجبهة الشعبية مع تبلورها، بل منذ حركة القوميين العرب سواء من جنوب اليمن (تجنيد ز.ف) وحتى الضفة الغربية. وقد أوضحت الأحداث والمعلومات أن أول نجاح كان في شق الجبهة من الداخل عام 1969 سواء بانشقاق الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة أو بانفصال منظمة فلسطين العربية بقيادة أحمد زعرور والقيادة العامة بقيادة احمد جبريل. كان ذلك حينما كنت في سجن بيت ليد-كفار يونا. وكنا في قيادة الجبهة في ذلك السجن عشرة أشخاص وكنا على خلاف شديد فيما يخص تدريس الماركسية إلى جانب القومية أربعة مع وستة ضد. لم يكن خلافنا على الكفاح المسلح ولا على العروبة ولا على الاستدوال…الخ. وكنت كتبت دفترين واحد 100 صفحة وآخر 50 صفحة عن القومية والماركسية. بالمناسبة بقي موقفي على حاله حتى اليوم بأن من يقيمون تناقضا بين القومية في مرحلة مناهضة الاستعمار بل القومية كوعي أمة لوجودها وحقها في التحرر والاستقلال والتطور وبين الماركسية هم في الحقيقة لا يفهمون المسألتين أو يخونونهما.

كنت أقف على شباك غرفة في قسم (أ) من سجن بيت ليد/كفار يونا بجانب ساحة الفورة وكان الرفيق أمية (محمد عبد الحسين عبد الغني) يمشي في الساحة، فنادى علي:

عادل: هناك انشقاق في الجبهة الشعبية؟

قلت على شو؟: قال ماركسيين وغير ماركسيين.

قلت: انا مع الماركسيين وبالطبع لم أعرف ولم أسال من يقود هذا التيار أو ذاك.

أمية الآن في إربد ولا شك سيقرأ هذا. وبالمناسبة، انا لم ألتقِ نايف حواتمة قطعا ولم أسمع اسمه إلا بعد الانشقاق بينما كنت أعرف الحكيم والرفيق وديع حداد جيدا. وكانت بعدها قصة الانشقاق في السجن. وقد اتفقنا اربعتنا “الماركسيين” على أن ربط انفسنا بالديمقراطية هو مؤقتا كي نتمكن من حق التثقيف بالماركسية-اللينينية داخل السجن وحين خروجنا ندرس أن ننتمي إلى: الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الحزب الشيوعي. وكنت أول من أنهى محكوميته لأجد الجبهة الشعبية (عبر حديثي مع بعض من أعرفهم) وقد اتخذت قرار القطيعة ضدي. وحينها دخلت الحزب الشيوعي لثلاثة أشهر لأجده تماما ضد الكفاح المسلح فكتبت نقدا تسلمه الراحل غسان حرب وخرجت ولاحقا، عام 1975 آنذاك وصلني اتصال من الجبهة الديمقراطية وعملت في صفوفها سنتين أو أكثر قليلا وكتبت رسالة خروجي والتي اشتملت كما أذكر على:

1- هذا التنظيم ليس ماركسيا، والأحرى أن يُحل لينحصر في عدد محدود من الشيوعيين الحقيقيين

2- علاقة الجبهة الديمقراطية بالاتحاد السوفييتي/بالتحريفية علاقة تبعية لا علاقة رفاقية والاتحاد السوفييتي مصاب بالبروقراطية والتحريفية وليس دولة اشتراكية، وكنت حينها قد اطلعت على الخلاف الصيني-السوفييتي. وبالمناسبة من حينها أطلق علي التحريفيون Black Left3- أرفض حل الدولتين بل لن تكون هناك دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.

وختمت رسالتي التي كانت قرابة 20 صفحة بخط يدي بأنني إذا ما أُقيمت هذه الدولة أقبل بأن أُعدم من قبلها على ميدان المنارة في رام الله. اثر ذلك غادرت الانتظام في فصائل م.ت.ف مقتنعا بأن حركة كهذه لن تُثمر، بعدها أطلقوا علي تسمية “تروتسكي”و “هارب إلى الأمام” ! وها هو الزمن يحكم. وكما اعتقد عُدت كما كنت في تراث حركة القوميين العرب وطورت قناعة مكتوبة جوهرها العروبة الشيوعية.

أُورد هذا متأثرا بما ورد في مقالة السيد زياد منى في الأخبار اللبنانية بأن نايف حواتمة قبض من الملك حسين 100 ألف دولار دعما للانشقاق عن الجبهة الشعبية. وإن صح هذا، فهو يؤكد لي أن أي قرار من داخل السجن عن خارج السجن هو مغامرة نظراً للقطيعة عن الأحداث، فهل كنا في السجن لنقرر مع الديمقراطية ولو مؤقتا لو كنا نعرف ما يجري!. وما ليس مغامرة هو الموقف الفكري النظري لأنه موقف يُختبر بعد الخروج، وهذا ما جسده أنطونيو غرامشي.

وهنا أود الإشارة إلى أن تورط الرفيق أحمد سعدات في توقيع صرخة الدولة الواحدة وتمفصلات التروتسك اليهو-صهاينة، وحل الدولة الواحدة لم يكن بلا سياق سابق مجمله محاولات اختراق الجبهة الشعبية بالتجويف. لأؤكد بأن القرار من السجن هو دائماً مأخوذ ومنطبع بموقف من يمكنه التواصل مع السجين وهذا دائما لا يتأتى بشكل جيد سوى لمن ترضى عنه السلطة التي تسجن الثوريين. لذا أوردت  هذ فقط لأبيِّن أن اتخاذ قرار داخل السجن أمر شائك وقابل للخطأ أكثر من الصواب. هذا ناهيك عن مسألة هامة أخرى وهي أن مقالة الرفيق سعدات تأتي بعد ما تقوم به الثورة المضادة وهو ما يجب أن يوقف كل هذه الهرولة أي:

·       قرار إدارة العدو الأمريكي بنقل سفارته إلى القدس

·       وقرار العدو الصهيوني قانون “القومية لِ لا أمة ولا قومية”

·       واندلاق معظم الحكام العرب وقوى الدين السياسي للاعتراف بالكيان والاصطفاف ضد محور المقاومة.

ولكن رغم بلاغة العدوان، لم يتعظ ويتغير هؤلاء بانواعهم!!!!

لا أود مناقشة مقالة الرفيق احمد سعدات فقد توسعت أنت في ذلك علاوة على ان ليس فيها جديداً عن ما ورد في كتابك عن بل ضد سلسلة من الذين ذهبوا بأرجلهم إلى صرخات التعايش التي لا معنى لها سوى تقويض حق شعبنا وأمتنا فيه.

لست على إطلاع على بدء نجاح تجويف الجبهة الشعبية ولكني أورد بعض ما حصل معي.

يبدو أن البداية كانت بتحييد الحكيم وتقييده. في عام 1996 اتصل بي شخص كما اذكر اسمه ياسر وقال اتحدث معك من مكتب الحكيم. وجاء صوت الحكيم ليقول لي، نعمل على مركز ابحاث “الغد” وأريدك أن تكون مديره في رام الله. قلت بداية كيف صحتك؟ قال لا تسألني عن صحتي بل عن الأهم. قلت له أنا مستعد للعمل مجاناً. وحصلت مكالمة أخرى ربما بعد شهر أو أقل. ثم انقطع الحكيم تماماً فلم يصلني منه لا قبولا لا رفضا ولا اعتذاراً…الخ.  ورغم أنني لم أعرف السبب إلا أنني لم أشك في موقف الحكيم تجاهي خاصة وأنه يعرفني منذ ما قبل 1967 في بيروت. وأذكر عام 1995 حيث جاء إلى مكتب مجلة كنعان في ضاحية سمير أميس السيد وليد سالم والراحل د. محمد غضية الذي جاء بعد اتفاقات أوسلو. قدَّم وليد د. غضية وقال محمد يريد التعرف عليك لأن الحكيم قال له: كي تعرف الاقتصاد السياسي جيداً، تعرف على عادل سمارة.

في عام 2000 كنت في شيكاغو في بيت السيد سعيد الغصين وأخيه نايف الغصين وكان على العشاء عدد كبير من الناس. جلس بجانبي شخص بملامح يمنية شعره أسود كثيف وأجعد. وقال: هل تعرفني؟ قلت لا. قال: انا من اليمن الجنوبي وأعمل مع الرئيس السابق علي صالح محمد( اعتقد المقصود علي ناصر محمد – تصحيح موقع الصفصاف) الذي أسس مع الحكيم مركز الغد وأنا على إطلاع كيف أن الحكيم طلب منك أن تدير مركز الغد ولكنه لم يتمكن من ذلك. من حينها عرفت بأن هناك لوبي يميني في الجبهة قوي إلى درجة تقييد موقف الحكيم بل وتجويف الجبهة من داخلها. ولا أرى أن دفع الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى للمجيىء إلى الأرض المحتلة عبر جسور هي بيد العدو إلا ضمن تجويف الجبهة لا سيما أن أبو علي كان يؤكد بأن لا دخول إلى الأرض المحتلة إلا عبر اختراق الحدود.

من جانب آخر، فإن العلاقة بين الجبهة الشعبية ومنظمة “متسبين” التروتسكية في الكيان والتي تفككت كمنظمة وبقيت كأفراد قد لعبت دورا في تجويف الجبهة الشعبية من خلال جملة “متسبين” الثورية وممارساتها الصهيونية وخاصة عبر مركز المعلومات البديلة. ويكفي أن الصحفية عميرة هاس أجرت في نفس هذا المركز مقابلة مع وليد سالم حيث كان لا يزال في صفوف الجبهة وكانت المقابلة متعلقة بعملية قامت بها الجبهة الشعبية وقُتل فيها مستوطن وإبنته قرب قرية بيتين “ومستوطنة بيت إيل” شمال رام الله حيث ادان وليد تلك العملية، وعلى إثرها خرج من الجبهة.

من هذه الوقائع يمكنني الجزم أن معول تجويف الجبهة الشعبية من داخلها قد بدأ يفعل فعله.

قد أختم بما يلي، لا أعتقد أن هناك أي فلسطيني على قناعة بأن فلسطين ليست لنا حتى لو كان عميلاً، لذا، فإن كل الذين يدعون للدولة أو الدولتين إنما يكذبون على أنفسهم بغض النظر عن ما يسوقون من أسباب أما المفارقة الكبرى فهي أن العدو يعرف ذلك جيداً.

كنعان