الأرشيفالجاليات والشتات

مع أطباء عين الحلوة في مدريد .. د. المتقاعد محمد أبو جاموس

لم يكن السفر إلى مدريد ليكتمل لو لم يتم اللقاء مع الأطباء الفلسطينيين المتقاعدين وهم من مخيمنا عين الحلوة، من الجيل الذي نهل العلم في مدارس المخيم تحت رعاية أساتذة ومعلمين كبار، يجلّهم المخيم وكل طلابه وتلاميذه من الزمن الجميل؛ زمن الخيمة والجميزة والنبعة والسكة وجسر التنك … فعلى يدي الأساتذة المذكورين تتلمذنا وتتلمذوا، وفي صفوفهم المدرسية بمدرسة حطين وأخواتها من مدارس المخيم تتلمذت أجيال من أبناء وبنات مخيم عين الحلوة.

أساتذة تشهد لهم الأجيال التي وُلدت تباعاً وتعلمت ودرست من الابتدائية إلى التكميلية في مدارس مخيمنا، من جيل ما بعد النكبة الفلسطينية الكبرى ١٩٤٨ إلى جيل ما قبل وبعد النكسة سنة ١٩٦٧، من الذين رأت عائلاتهم في العلم سلاحاً لنشر قضية فلسطين في العالم، فدفعت أبناءها وبناتها. ثم قامت العائلات الميسورة قليلاً —وكانت قليلة في ذلك الوقت— بإرسالهم للدراسة في جامعات أوروبا.

بعضهم سافروا إلى إسبانيا لتلقي العلم هناك، ومن هؤلاء الدكتور صبحي أبو جاموس المعروف في لبنان وفي إسبانيا، فقد كان علماً من أعلام الفلسطينيين في إسبانيا. وأيضاً هناك بطل حلقة اليوم وهو شقيقه الدكتور محمد أبو جاموس، الذي تقاعد لكنه لا يزال يسكن في “سلامانكا” في إسبانيا حيث عائلته نصفها إسباني ونصفها فلسطيني.

محمد من الجيل الفلسطيني أو “المخيمي” الأول الذي وصل إلى إسبانيا بداية سبعينيات القرن الفائت. ويمكن القول إنه من الجيل الأول أيضاً في مخيمنا ممن درسوا وعاشوا وعملوا في إسبانيا، وهو —كما أسلفت— شقيق الدكتور صبحي أبو جاموس الذي عاد إلى لبنان بعد أن عمل في ليبيا. وللدكتور صبحي نجله المرحوم المهندس وليد، الذي درس في كلية الهندسة بمدينة كراكوف البولندية.

وليد كان زميلي في مدارس المخيم بعين الحلوة وفي شبيبة المخيم كذلك، ثم في رحلة المنفى بعد المخيم. فكانت العلاقة قوية بين طفولة ورجولة، مدرسة وكلية، وطن عربي ومنفى غربي. كنا معاً حتى سنوات المنفى الغربي في إطار فكري وسياسي واحد. توفي وليد في المغرب بالدار البيضاء بعد إصابته بمرض عضال أودى بحياته، فكانت الخسارة جسيمة. وليد خسارة شخصية لي ولأصدقائنا المشتركين في لبنان والمغرب وفلسطين.

يوم المؤتمر، وبينما كنت أبحث مع أصدقائي عن قاعة المؤتمر، وجدت أمامي بعض الأشخاص، فسألت أحدهم باللغة الإيطالية عن مكان القاعة، فكان جوابه لي بالعربية: “ألستَ نضال حمد؟”. تفاجأت فعلاً، وتبع كلامه بسؤال آخر: “ألم تعرفني؟”. قلت له: لا أذكر اسمك لكنني عرفت وجهك. فقال: “أنا محمد أبو جاموس”، وكان يقف إلى جانبه نجله الذي نسيت اسمه الآن. تعانقنا ومشينا معاً باتجاه القاعة.

تحدثنا عن كل شيء حضر في تلك اللحظات. فأول الحاضرين كان وليد رحمه الله، وسيرته وحياته وموته، ثم والده د. صبحي، وعرّجنا على د. طلال أبو جاموس في المخيم، طبيب الفقراء، صديقي ورفيقي. وعن قريبه أيضاً ابن شقيقه د. نشأت، صديقي من مخيم عين الحلوة وفي النرويج. نشأت قريبه اللزم. كما حدثني عن ابنه وعن نفسه وعن دراسته وعمله ثم تقاعده ومكان سكنه. ودعاني للذهاب معه إلى بيته لكنني اعتذرت لضيق الوقت وارتباطي بالسفر في اليوم التالي.

الدكتور محمد عمل في بيروت مع غسان كنفاني قبل السفر إلى إسبانيا وبعد السفر مع صديقنا المشترك ميغيل في اسبانيا … كنت سعيداً بلقائي به في مدريد، وقد بقي معنا هو ونجله طوال ساعات المؤتمر التي امتدت حتى المساء. افترقنا وتواعدنا على اللقاء من جديد في قادم الأسابيع والشهور.

نضال حمد
موقع الصفصاف – وقفة عز
١٧ نوفمبر ٢٠٢٥ – مدريد