مقهى أبو دياب – عيسى العلي – الحلقة الأولى – إعداد موقع الصفصاف

مقاهي مخيم عين الحلوة كثيرة لكن هناك أول مقهى في مخيم عين الحلوة، افتتح على الشارع الفوقاني قرب مفرق سوق الخضار، لصاحبه المرحوم عيسى العلي -أبو دياب- وهو والد الصديقين دياب وصالح العلي. ولد أبو دياب سنة 1922 لأبٍ من عائلة متأصلة من قبيلة “عرب زبيد” حيث عرفت البلدة بإسمي “عرب زبيد” و”وادي اللوز” أيضاً، وتقع في سهل الحولة بالجليل الفلسطيني المحتل. توفي الحاج أبو دياب العلي في مخيم عين الحلوة في ٢٤ تشرين الثاني ١٩٧٤ .

قبل أن يغزو الصهاينة فلسطين العربية وتحل النكبة على شعبنا العربي الفلسطيني اشتغل الحاج أبو دياب كما يقول أولاده بالتجارة. فكان كثير الرحلات والتنقل والسفر بين قريته وبقية مناطق الوطن. خاصة في مدن الساحل الفلسطيني كعكا وحيفا ويافا وأيضاً مدينتي صفد وطبريا، بغية التجارة.

بحسب نجله دياب فإن ذلك “ساهم في تطور شخصية الوالد الذي كان لا يرغب أن يعمل بوظيفة محددة بل بالأعمال الحرة و التجارة. أدى ذلك الى اكتسابه المزيد من المعرفة و الخبرة في الحياة، حيث تعلم أفكاراً جديدةً على صعيدي الوعي الاجتماعي والسياسي.

ظهرت تلك المكتسبات والخبرات في أعماله قبل النكبة واللجوء الى مخيم عين الحلوة. حيث اختلطت فيها التجارة الشخصية مع المنفعة الاجتماعية والثقافية والوطنية. فكانت آخر مشاريعه  قبل النكبة حسبما أفادنا دياب “إمتلاك سينما متنقلة مع شريكه وصديق عمره المرحوم أمين الشهابي (عرب زبيد)، الذي توفي منذ عقد من الزمان”. للأسف استطاع الصهاينة الذين احتلوا وسرقوا كل فلسطين أن يسرقوا السينما المتجولة يوم احتلال عرب زبيد ووادي اللوز وسهل الحولة. على إثر ذلك غادر عيسى العلي بلدته الجليلية باتجاه لبنان حيث في الختام حط به الرحال في مخيم عين الحلوة.

أما السيد نايف علي الزبيدي مواليد عرب زبيد سنة 1939 قال: “شاهدت السينما وكانت السيارة تقف أمام بيت أيوب العيسى وخلف بيت علي الأحمد وخلف بيت شحاده العقله. أما قرية زبيد  فهي القرية الوحيدة والأولى في قرى الحولة التي دخلت إليها السينما.”

في البداية كان أهلنا لازالوا يعيشون صدمة النكبة وضياع الوطن ويكافحون لأجل لقمة العيش وايجاد مكان يأوون إليه كي لا يبقون في العراء تحت سماء الله الواسعة. فكانت المخيمات والخيام ثم بيوت القش وبيوت الطين وبيوت التنك وبيوت الزينكو فبيوت الحجر. صنع الفلسطينيون من اللاشيء أشياء عديدة وحثوا أطفالهم على العلم والمعرفة والتثقف والانتماء الوطني. لأنهم آمنوا بأن تحرير فلسطين مهمة شاقة وبأنه لا يمكن لهم التعويل على الأنظمة العربية التي لم تكن تملك استقلالاً حقيقياً ولا ارادة سياسية ولا جيوش معدة لخوض المعارك الكبرى.

في ذلك الوقت شيد أبو دياب العلي مقهاه والذي أصبح أول مقهى في مخيم عين الحلوة. وكانت شخصية أبي دياب العلي تجمع بين الجدية والدعابة والطيبة والمبدئية في المواقف. كما أنه كان صاحب نكتة ودعابة وفكاهة. لذا أحب الناس الجلوس في مقهاه والاستماع الى أحاديثه ونكاته ونقاشاته. ومع الأيام سرعان ما تحول المقهى الى مكان لتبادل الآراء والاحاديث والنقاشات السياسية والثقافية والاجتماعية والفنية والرياضية. يعني ببساطة صار مقهى ونادي ثقافي اجتماعي. عزز ذلك التحول اليومي كون أبي دياب كان رجلاً شغوفاً بالسياسة مما سهل استقطاب رواد المقهى المهتمين بالسياسة والذين كانت لهم توجهات وأفكارا سياسية معينة، مثل الاسلاميين والقوميين العرب والقوميين السوريين ومن ثم اليساريين.

تنوعت شخصيات رواد المقهى فكان هناك موظفون في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الإنروا وأساتذة مدارس المخيم وتجار سوق الخضار وعمال وباعة وموظفين وفلاحين ومزارعين. فيما الأهم وجود عدد لا بأس به من ختايرة المخيم، الذين كانوا ينتمون الى الجليل والساحل الفلسطينيين. هؤلاء كانوا مراجع لنا نحن الصغار كما يقول دياب العلي “في حفظ الأمثال الشعبية والحكايات الفلكلورية الفلسطينية”.

نعم لقد كانوا لجيلي وجيل دياب وغيرنا أشبه بخزان ذكريات ومعلومات سياسية وشعبية فمنهم من عايش ثورات شعبنا في فلسطين ضد الانجليز. كما هناك منهم من عاش حقبة الأتراك وجمال باشا السفاح وسفر برلك. أيضاً منهم من ناضل وقاتل مع الشيخ عز الدين القسام ومع القائد عبد القادر الحسيني ومن سبق وشارك في ثورة البراق. فتعرفوا على قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ابن بلدة عنبتا، الذي استشهد مجاهداً فدائياً في قرية “الشجرة” في معركة مع الصهاينة سنة 1948. أما الشجرة فهي بلدة الشهيد الخالد ناجي العلي والمغني الشعبي الخالد أبو عرب. فيما شهيدنا الشاعر عبد الرحيم محمود فهو الذي أنشد:

سأحمل روحي على راحتي * * وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تسرّ الصديق * * * وإمّا مماتٌ يغيظ العدى

ويستذكر محدثي الصديق دياب العلي صديق الختايرة، الشهيد وحيد أحمد شكري الذي استشهد على إسوار عكا. فيما وُلد نجله وحيد أحمد شكري في مخيم عين الحلوة بعد النكبة بقليل.

امتاز المقهى بوجود أول راديو في المخيم، راديو كبير الحجم ماركة فيليبس، وبحسب دياب العلي “فيليبس الأصلي الهولندي، كان والده إشتراه في مدينة يافا عام 1942 حيث كان ذو 7 موجات ومنها موجات قصيرة. مكنت المستمعين الاستماع الى اذاعة بي بي سي وموسكو العربيه وإذاعة برلين، حيث كان يعمل الاعلامي العراقي الشهير يونس بحري، مسؤول القسم العربي في إذاعة برلين”.

بفضل هذا الراديو ونشرات الأخبار اليومية من اذاعات مختلفة مثل لندن وبرلين وموسكو والخ سمع أبي دياب من إذاعة موسكو العربية عام 1945 أن الاتحاد السوفييتي سوف يرسل رواد ومركبات فضائية الى الفضاء. وأنهم سوف سيرسلون رائدا عام 56 فكان غاغارين. كما ذكرت الاذاعه أيضا أن مركبة فضائية ستدور حول المريخ عام 1966. أما عندما حدث أبو دياب بعض رواد المقهى بذلك أبدوا استغرابهم الشديد بل أن معظمهم اعتبروا ذلك غير ممكن أبداً.

يتبع

الشكر موصول للأخ دياب العلي على المعلومات الغنية التي زودنا بها.

نضال حمد مدير موقع الصفصاف – وقفة عز