مقهى أبو دياب – عيسى العلي – الحلقة الثالثة-

من حكايات وذكريات مخيم عين الحلوةاعداد موقع الصفصاف

شهد مقهى عمنا أبو دياب توافد بعض أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، حزب الزعيم انطون سعادة، الحزب القوي، الحديدي، المبدئي، الذي انتشر الى جانب حركة القوميين العرب، بين صفوف فئة من المثقفين والكادحين من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بالذات. هذا الحزب العريق كان أسسه الزعيم السوري اللبناني الراحل انطوان سعاده في ثلاثينات القرن الماضي. انتشر الحزب في سوريا الطبيعية التاريخية، فكان مجال عمله يشمل سوريا ولبنان وفلسطين، لأنه حزب آمن ولازال يؤمن بسوريا الكبرى أو ما يعرف بالهلال الخصيب يعني بلاد الشام. وقف هذا الحزب ضد الفاشية المارونية اللبنانية ممثلة بحزبي الكتائب والأحرار، كما كان ولازال ضد الطائفية اللبنانية بكل أشكالها. للحزب جريدة يومية جريدة “البناء” لازالت تصدر حتى يومنا هذا. يتبنى الحزب القضية الفلسطينية ويعتبرها قضيته. انعكست الخلافات بين القوميين السوريين والناصرية بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر على اللبنانيين والفلسطينيين. في ذلك الوقت كان الجو القومي العربي والناصري هو الجارف، والذي لا يمكن مقاومته أو مواجهته في بلادنا العربية من الخليج الى المحيط ومن المحيط الى الخليج. تمت ملاحقتهم على إثر انقلاب قاده القوميون السوريون وترأسه العقيد فؤاد عوض سنة 1961 حيث استولى على وزارة الدفاع اللبنانية. بعد الانقلاب لوحق اعضاء الحزب واغتيل بعضهم وزج ببعضهم في السجون. من الذين قتلوا أو أعدموا هناك مجموعة من أعضاء الحزب من مخيم عين الحلوة، تم دفنهم في بيوت أهاليهم. أذكر أن إحدى الغرف عند “النبعة” و”طلعة سيروب” على مدخل المخيم الشرقي، كان تحتوي على قبر لأحدهم. 

بحسب الصديق دياب العلي كان من هؤلاء الشهداء كل من: “أحمد الشايب من بلدة الرأس الأحمر. صالح الخطيب من بلدة الزيب. فالح شبايطه من بلدة حطين. بالإضافة لشخص آخر من بلدة نمرين ومن المخيم استشهد اثناء الانقلاب في اليرزه. لم يكن الحزب القومي السوري الاجتماعي يفرق بين فلسطيني أو لبناني أو شامي: إذ كان ولازال يعتبرهم جميعا أبناء وطن واحد وأن فلسطين هي جنوب سوريا”.

بنفس الوقت اعتقلت السلطات اللبنانية المناضل القومي السوري خالد محمد بدر الملقب بخالد سعد من بلدة المزرعة وهو والد صديقي ورفيقي الدكتورعلي خالد بدر رحمهما الله. المرحوم المناضل من مواليد فلسطين المحتلة في 29-12-1929 وتوفي في الأول من شباط فبراير 2002. كذلك اعتقل المناضل عبد الصمد من حطين وكثيرين غيرهم من أبناء المخيم تعرضوا للاعتقال فمنهم من حكم لفترات طويلة ومنهم من بقي لشهور عديدة في السجن. تم الافراج عنهم عندما تولى الشهيد كمال جنبلاط وزارة الداخلية اللبنانية عام 1969. أول مرسوم أصدره كمال جنبلاط كان منح تراخيص للأحزاب الوطنية والقومية واليسارية اللبنانية وتبع ذلك اطلاق سراح المعتقلين وعلى رأسهم القوميين السوريين. جدير بالذكر وللتاريخ من واجبنا أن لاننسى الذين اعتقلوا لفترات قصيرة ومنهم الأستاذ عبد المجيد كريم وعبدالله السليم ومناضلين آخرين. أما الأستاذ حسين عويد من بلدة عمقا فقد كان مثقفاً وذو كاريزما وعضواً فعالاً في الحزب فقد فُقد عام 1961 و لم يظهر منذ ذلك الحين.

في العودة الى قصة الرئيس قحطان الشعبي قائد الجبهة القوميه لتحرير جنوب اليمن، فقد زار رفاقه من شباب حركة القوميين العرب في مخيم عين الحلوة قبيل عام 1966. فسجل التاريخ لمقهى أبو دياب كما خبرني نجله دياب بأن “زار الرفيق قحطان الشعبي المقهى برفقة الأستاذ فيصل العابد… أما الأستاذ فيصل العابد مدير مدرسة (قبية) فينا بعد في مخيم عين الحلوة فقد كان من كوادر حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية. لم يكن أحد في المخيم يعرف بأن الشاب الأسمر القادم من اليمن السعيد حيث أصل العرب سوف يصبح أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبي بعد تحرير عدن وجنوب اليمن. تلقى الرئيس الشعبي والقومي هدية عبارة عن قميص أو بلوزة اشتراها له الأستاذ فيصل العابد من محل عبد المجيد عيسى في المخيم. كان للرئيس قحطان رفاق وأصدقاء قوميين عرب من المخيم مثل محمد توفيق زيدان ونهاد ميعاري وآخرين من آل ميعاري. كل هؤلاء كانوا يلتقون يومياً في مقهى العم أبو دياب العلي رحمه الله، حيث كان المقهى ملتقى لمثقفين من مختلف الأطياف حيث تبدأ السهرة من عصر كل يوم حتى ما بعد منتصف الليل.

يقول دياب العلي مستحضراً يوميات مقهى والده رحمه الله: “كانت كل سهرة أجمل من الأخرى، حيث كانت الكلمة للجيل الذي تشكل سياسياً بعد النكبة. كانت له الكلمة الأولى. لأن تحليلاته كانت موضوعية ومقنعة. هذا وكان الجيل الثاني يساهم في تلك السهرات الرائعة، مكتسباً المزيد من الوعي سواء السياسي أو الثقافي”.

من الجيل الثاني من وراد المقهى كان هناك: “أحمد صالح النصر وحسين ريان وشقيقه الشهيد حسن ريان. كذلك عبد المقدح والأستاذ عبد حجير وعاطف ساري وعبد موعد والكابتن محمود العجينه وغازي الأسدي. بالإضافة لعدد كبير من شباب ذلك الجيل، الذي خرج منه فدائيون وسياسيون وإعلاميون وأساتذة وجامعيون بعيد هزيمة ونكسة 1967”..

نستطيع القول بأمانة وصدق بأن مقهى العم أو دياب العلي كان في ذلك الوقت من زماننا المخيمي الفلسطيني بالتوقيت اللبناني السيء الذكر، أكثر مكان بعد مساجد المخيم يلتقي فيه رجال وشبان المخيم. فأرتاده الأساتذة والمثقفون والعمال والطلبة والناس الطيبون، من أصحاب التوجهات السياسية والأفكار المختلفة. يعني كما أسلفنا في الحلقات السابقة من قوميين عرب و جماعة الحاج أمين وبعثيين وقوميين سوريين وعباد الرحمن (اخوان مسلمين ) الخ… وهناك أيضاً شخصيات رمزية وتاريخية يخلدها التاريخ مثل الشهيد الفنان المبدع ناجي العلي والرفيق الراحل القائد الشعبي الفدائي، أبو صالح الأسدي – سعيد الصالح والقائد الشهيد الأسطورة جلال كعوش وصالح العثمان والحاج مفضي عباس وإبراهيم الحسين وغيرهم.

في معرض جواب للعم أبو دياب رحمه الله عن شخصية الأستاذ عبد المجيد كريم  أحد رواد المقهى، قال أبو دياب لنجله: “كانت شخصيته قويه جداً وشكله عسكري، فالأستاذ أبو كريم كان شاويشاً بقوة “أبو زنار أحمر” يعني (قوة حرس الحدود في فلسطين حتى النكبة سنة 1948) وهؤلاء كان يتم اختيارهم بعناية فائقة، من حيث الشجاعة وقوة القلب… وفي نفس الوقت حصل الأستاذ عبد المجيد على شهادة متريك الفلسطينية أي شهادة (بكالوريا) في فلسطين”.

يتبع

اعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

22-11-2021