ممرضة فرنسية كتبت لفلسطين بالدم: “فليسمع العالم كله”
فرنسواز كيستمان… ممرضة فرنسية كتبت لفلسطين بالدم: “فليسمع العالم كله”
في مرحلة ما بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، برز في سماء لبنان وفلسطين اسم عاشقة وممرضة فرنسية اخترات أن تصبح فدائية فنجماً في السماء العربية.
حاءت فرنسواز كيستمان الى مخيمات الفلسطينيين في لبنان كممرضة متطوعة لمساعدتهم ومعالجة مرضاهم. فتعرفت عليهم وعاشت بينهم وعشقت أحدهم وتزوجته واستقرت معهم حتى النهاية.
ولدت فرنسواز في فرنسا عام 1956، وعاشت حياة هادئة ومستقرة كما يفعل كثيرون من أبناء أوروبا، حتى قادها قلبها إلى لبنان، حيث عملت ممرضة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان. عاشت أهوال مجزرة صبرا وشاتيلا ولم تستطع تحمل الظلم والانحياز. ومع الوقت، لم تعد فرنسواز مجرد ممرضة، بل أصبحت فدائية، تحمل السلاح، وتخطط للعمليات، وتعيش في المخيمات مثل أي مناضل فلسطيني، تحت الاسم المستعار النضالي: لينا النابلسي.
كتبت في مذكراتها التي حملت عنوان “الموت في سبيل فلسطين”:
“لقد أصبحت الثورة والحرية مبرر وجودي، ولن أتخلى عنهما.”
“إنني أكتب بالدم… فليسمع العالم كله.”
في 23 أيلول/سبتمبر 1984، أي بعد عامين من مجزرة صبرا وشاتيلا، قررت فرنسواز أن تُترجم كلماتها إلى فعل. فكانت ضمن مجموعة فدائية بحرية من حركة فتح، نفذت عملية عسكرية ضد موقع لجيش الاحتلال الإسرائيلي قرب جسر نهر الأولي عند مدخل مدينة صيدا في جنوب لبنان. قاد الهجوم زوجها النقيب فتحي ضاهر، وشاركت فيه فرنسواز إلى جانب الفدائيين سمير أدهم (من سوريا)، وطارق مصطفى، ومحمد غندور.
انطلقت المجموعة من البحر باتجاه فلسطين، لكن زوارق الاحتلال الحربية اعترضتها، فغيرت مسارها نحو موقع عسكري إسرائيلي على اليابسة، واشتبكت مع الجنود في معركة شرسة دعمتها المروحيات الإسرائيلية.
انتهت المعركة باستشهاد ثلاثة من الفدائيين:
زوجها فتحي ضاهر
فرنسواز كيستمان
سمير أدهم
وأُسر محمد غندور وطارق مصطفى بعد إصابتهما بجراح.
يروي الأسير محمد غندور، أحد أبطال العملية، لحظة استشهاد فرنسواز قائلًا:
“التفتت عليّ.. لا صرخت ولا توجعت.. نومتها على الأرض، ورشاشها على صدرها.. مبتسمة.”
غادرت فرنسواز كيستمان الحياة مبتسمة، ودفنت في مقبرة شهداء شاتيلا، حيث ارتقت لتُصبح عنوانًا للوفاء وللتضامن الأممي بين الشعوب والأحرار وشرفاء العالم، فالمقاومة الفلسطينية لطالما كانت مثل الميناء الذي كانت تقصده كل اساطيل وسفن ثواتر وأحرار وشرفاء العالم أجمع. كانت فلسطين ولازالت جامعتهم وحاضننتهم.
في زمنٍ نشهد فيه تراجع القيم، واختفاء المواقف الجذرية، تظل فرنسواز كيستمان رمزاً نقياً لما يمكن أن تفعله شابة حرة، حين تصدق الحكاية وتختار أن تكتبها بدمها. فالشهيدة فرنسواز لم تكن من فلسطين، لكنها عاشت من أجلها، وأحبتها حتى النهاية. لم تكن فلسطينية ولا عربية، لكنها فهمت معنى الحرية، وآمنت بأن الإنسانية لا تُقاس بالجنسية، بل بالموقف والمصير.
ومما جاء في مذكراتها:
” يبدو أنني أتجه إلى الموت المحقق..ولسوف تكون أجمل ميتة // إن تحرير فلسطين لهو عند الله كالصلاة، ولو خذلت شعبك الذي يقاتل من أجلها ويؤمن بالله، لضللت طريقك.. إن فلسطين وشعبك والله هم على نفس الطريق، ذلك هو الطريق المستقيم،طريق الثورة الفلسطينية، فثق بشعبك وآمن بالله..”.
اليوم، ونحن نقترب من ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، لا يمكن أن ننسى تلك المرأة التي حملت على كتفها بندقية الثائر وفي قلبها عشق ملتهب وحكاية شعب يرفض أن يستسلم ويموت. شعب قام ولايزال يقاوم منذ مجازر النكبة سنة ١٩٤٨ ومجزرة صبرا وشاتيلا ١٩٨٢ وصولاً الى الابادة في غزة هذه الأيام.
نضال حمد
موقع الصفصاف
١٣ أيلول ٢٠٢٥









