مناضل عربي تونسي بقلب فلسطيني

مناضل عربي تونسي بقلب فلسطيني – نضال حمد

مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية في نيسان ١٩٧٥، التي كان الهدف منها السيطرة على لبنان العربي وتصفية منظمة التحرير الفلسطينية والقوى اليسارية والقومية والوطنية اللبنانية. لأجل إلحاق لبنان بالحلف الأمريكي الرجعي العربي. في ذلك الوقت العصيب وصل الفدائي العربي التونسي ” علي أبو رفيق” الى مخيمات لبنان ليلتحق بالفدائيين الفلسطينيين في نضالهم لأجل تحرير فلسطين والدفاع عن عروبة لبنان جنبا الى جنب مع القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية.

أفنى رفيقي أبو رفيق سنوات عمره في النضال لأجل أمة واحدة ونهضة تعيد للأمة كرامتها. كل ساحات ومواقع العمل الوطني والقومي والتقدمي عرفته وتعرفه. جسده يشهد له على بطولاته. ففي الجسد الأسمر الملفح بشمس العروبة لازالت علامات الجراح موجودة.

لم تهزمه الهزائم التي حلّت بأمتنا، كما لم تهزمه المنافي. لم يهزمه وباء كورونا الذي تمكن منذ شهرين من جسده المثقل بالجراح والمثخن بالرصاص والشظايا الصهيونية. كافح وقاوم وها هو ينتصر ببطء على جائحة الزمان الحديث ليعود الى الحياة منتصرا من جديد.

هو رفيق الدروب والمعارك والنضال والمخيمات والمنافي والتجارب التي مررنا بها. رفيق الفرح والحزن والشهداء والجرحى والأسرى والمناضلين، الذين استمروا ولم يسقطوا خلال التجربة كما سقط الكثيرون من الضعفاء.

هو الانسان المهذب والخلوق والراقي والواعي والمثقف الملتزم والمبدئي. هو الفدائي العربي الذي يعتبر مثالاً حياً على أن فلسطين هي قضية كل العرب وكل أحرار وشرفاء العالم.

عاش متواضعا برقيّ النفس وتواضع الكبار. ابن ثورة وابن جبهة وابن مخيم وابن قرية وابن البحر وابن الصحراء وابن الجبال و الوديان والحقول والسهول والقواعد والمعسكرات وجيل عربي آمن بالوحدة والثورة والمقاومة والتحرير والعودة. ابن وطن كبير يمتد من المحيط الى الخليج ومن النهر الى البحر. ابن مخيماتنا حيث في كل مخيم له أكثر من بيت. ابن فلسطين وتونس ولبنان وسوريا والعراق والجزائر وكل الوطن الكبير.

تقاسمنا معه كل شيء وتقاسم معنا الصعاب والجراح والمآسي والأحزان والأفراح والحصارات والمجازر والمعارك والمواجهات. تقاسم معنا وتقاسمنا معه الرحيل والمنفى والصمود والصبر والعطاء والفداء ونكران الذات. إنه المناضل المثال الذي لم يبحث عن الشهرة والأضواء والتبجح بما قدم وأعطى لفلسطين خلال عشرات السنين. لم يحصل على رتبة لواء لأنه أكبر من رتبٍ بائدة وادعاءات كاذبة.

يوم 17-09-1982 كان مثلنا في بيروت على موعد مع مواجهة غير متكافئة مع الغزاة الصهاينة بقيادة المجرم شارون، حين غزوا بيروت الغربية ومخيماتها الفارغة من المقاومين والفدائيين الفلسطينيين، الذين كانوا قبل اسبوعين أتموا مغادرة العاصمة المحاصرة. كُنا بأعداد قليلة فدائيون وفدائيات عرب من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والأردن وتونس ومصر جمعتهم وجمعتهن التجربة النضالية في صفوف جبهة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية.

صبيحة ذلك اليوم شهد حي الفاكهاني في بيروت والطريق المؤدي الى مخيمي صبرا وشاتيلا مواجهات مع الغزاة الصهاينة وأعوانهم الفاشيين الإنعزاليين. المجرمون والقتلة من القوات الفاشية اللبنانية، جماعة بشير الجميل وجيش العميل سعد حداد الذي أصبح بعد موت حداد يعرف بجيش العميل انطوان لحد.

بعد يومين من المواجهات أطلقت دبابة ميركفاه صهيونية قذيفة باتجاهنا فأصبت أنا بجراح بليغة واستشهد الفدائي اللبناني ابن مدينة بعلبك محمد أبو الفدا. فيما لم يصب هو بأي أذى، هب مع الرفاق الآخرين لنجدتنا واسعافنا و ايصالنا الى مستشفى غزة في مخيم شاتيلا. هناك كانت المذبحة لازالت مستمرة وكان لا بد من إنقاذ حياتي وحيوات الجرحى الآخرين. تولت تلك المهمة المناضلة الأممية البريطانية من أصل آسيوي، الدكتورة سوي شاي انغ. التي لازالت في كل عام تحضر الى المخيمين في ذكرى المجزرة مع لجنة “كي لا ننسى صبرا وشاتيلا”، اللجنة العالمية المعروفة.

بعد ذلك تعرض  الفدائي العربي الأممي للاعتقال من قبل الجيش اللبناني الذي كان يتبع في ذلك الوقت للجبهة الانعزالية اللبنانية حليفة الصهاينة. لكنه بذكائه وحرفته استطاع أن يضللهم فلم يتمكنوا من اتهامه بأي شيء لأنهم لم يعرفوا عنه أي شيء. ثم خرج من السجن وتوجه الى سوريا حيث التحق من جديد برفاق الدرب.

التقيت به آخر مرة وجها لوجه في باريس حيث استقر به الحال بعد رحلة تنقل بين بلدان عربية وأجنبية عديدة. اصطحبني خلال يومين من اقامتي هناك مع نجلي الأصغر سفيان في رحلة سياحية باريسية كان فيها الدليل، حيث تنقلنا معا بين أماكن باريس الساحرة. في نفس اليوم ذهب مع ابني سفيان الى محطة القطارات لتأمين سفره في قطار إلى مدينة ريمس المجاورة. في ذلك الوقت كنت مشاركا في الاجتماع الدوري للأمانة العامة لاتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا. بعد انتهاء الاجتماع التقينا وخبرني أن سفيان غادر الى ريمس. في اليوم التالي وعندما عاد سفيان من زيارته أخبرني ان “الرفيق أبو رفيق ” أصر أن يحمله بعض الطعام والشراب خلال الرحلة. كنت أعرف أنه في تلك الفترة الباريسية كان يعاني ماديا بشدة.

هذا هو رفيق الدرب، الإنسان والمناضل المثال.

ملاحظة: كنت كتبت هذه المقالة في 21-05-2020 وكان علي أبو رفيق لازال يخضع للعلاج في العناية المركزة في مستشفى باريسي. أما اليوم فصديقي ورفيقي وأخي علي انتصر على فيروس كورونا وعاد الى الحياة والى أسرته.

نضال حمد 19-09-2020