مَحْوُ الأمِّيَّةِ الأخلاقيَّةِ أبْدى مِن مَحْوِ الأمِّيَّةِ الثّقافيَّة – ناجي نعمان

 

ناجي نعمان: مَحْوُ الأمِّيَّةِ الأخلاقيَّةِ أبْدى مِن مَحْوِ الأمِّيَّةِ الثّقافيَّة

 

الأمِّيَّةُ والاستِثقاف

لَمْ يَعُدِ الفَقرُ المادِّيُّ وَحدَهُ سبَبَ الأُمِّيَّةِ، تَمامًا كَما لَمْ يَكُنِ الغِنى المادِّيُّ يومًا إشارةً أكيدةً إلى مُستَوى الثَّقافة. ثُمَّ إنَّ الفقيرَ ليسَ بِالضَّرورةِ فقيرَ ثقافةٍ، وليسَ الغَنيُّ غَنِيَّها. وعليهِ، فإنَّ مُصطَلَحَ الأمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ الَّذي نحنُ في صَدَدَهِ، وهو حديثُ العَهْدِ نِسبيًّا، يَتَضَمَّنُ مَفاهيمَ واسِعَةً ومُتَعَدِّدة.

فالأمِّيَّةُ أنواعٌ، الأشْهَرُ مِنها والأقدَمُ الأُمِّيَّةُ الهِجائِيَّةُ أو التَّعَلُّمِيَّة، والأصَحُّ عَمَلِيًّا الأُمِّيَّةُ المِهْنِيَّةُ والوَظيفيَّة، والأنجَعُ عَصْرَنَةً العِلميَّةُ والمَعلوماتيَّة، والأفضَلُ أرْضًا وبَشَرًا البيئيَّةُ مِنها والحضاريَّة، فيما تَبْقى الأُمِيَّةُ الثَّقافيَّةُ هي الأوسَعُ وتَشْمُلُ كُلَّ الأُمِّيَّاتِ السَّابِقاتِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ، في عُرْفي، الأخيرةَ في أنواعِها، والأشْمَل.

ولَئِنْ كانَ تَعريفُ الأُمِّيَّةِ في مَطْلَعِ ستِّينيَّاتِ القَرنِ المُنصَرِمِ يَنحَصِرُ في عَجْزِ الإنسانِ عن كتابةِ اسمِهِ وقراءَتِه، وغَدا في مَطْلَعِ الثَّمانينيَّاتِ مِن ذا القرنِ، وبِحَسَبِ مُنَظَّمَةِ الأُمَمِ المتَّحدةِ لِلتَّربيةِ والثَّقافةِ والعُلومِ – الأونِسْكو، عَدَمَ القُدْرَةِ على القراءةِ والكتابة، فإنَّ نِسبةَ الأُمِّيَّةِ الهِجائيَّةِ والتَّعَلُّمِيَّةِ، وبعدَ تَحَسُّنٍ مَلموسٍ لِجِهَةِ مَحْوِها، عادَتْ إلى الارتِفاعِ في بعضِ الدُّولِ، ومِنها دولٌ عربيَّةٌ، وَقْتَ لَمْ يَعُدْ تَعريفُ الأُمِّيَّةِ السَّابِقُ الذِّكرِ جائِزًا، فمُحاربَةُ أُمِّيَّةِ عَدَمِ فَكِّ الأحرُفِ وتَهجِئَةِ الاسمِ، وأُمِّيَّةِ عَدَمِ القراءةِ والكتابةِ، غَدَتْ مَفاعيلُ مُحاربَتِهما لا تَطولُ كُلَّ الأُمِّيَّاتِ السَّابِقَةِ الذِّكرِ، وُصولاً إلى الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّة.

وعلينا ألاَّ نَغْفُلَ، هنا، عن أنَّ الأُمِّيَّةَ، والثَّقافةَ معها، سَبَقَتا الحَرفَ والكلمةَ والتَّعبير. فلِكُلِّ عَصْرٍ ثقافتُهُ ومُستَثْقِفوهُ وعُلَماؤهُ وأُمِّيُّوهُ وجُهَلاؤهُ ومُتَعَصِّبوه، لأنَّ المَعرِفَةَ والثَّقافةَ ليسَتا في الكُتُبِ فحَسْب. ومُنذُ أيَّامِ الحِكمَةِ في أثينا، تَكَلَّمَ أرِسْطو على الفارِق الكبير بينَ مَن يَعْرِفُ “الكَيْفَ” ومَن يَعْرِفُ “اللِماذا”، والطَّامَةُ الكُبْرى بِحَسَبي في مَن لا يُدْرِكُ لا “الكَيْفَ” ولا “اللِماذا”.

ثُمَّ، ألَمْ تَكُنْ قَبْلَ الكتابةِ والقراءةِ ثقافةٌ؟ بَلى كانَتْ! وألَن تَبْقى بَعدَهما ثقافةٌ؟ بَلى ستَبْقى، ولَكنْ، أيَّ ثقافةٍ ستُصْبِح؟

 

ومَلْحوظَةٌ هنا، فأنا إنْ دَرَجْتُ في كِتاباتي على استِخدامِ مُصطَلَحِ “مُسْتَثْقِفٍ” عِوَضًا عن مُصطلَحِ “مُثَقَّف”، فإنِّي لا أستَخدِمُهُ انْتِقاصًا مِن المُهتَمِّينَ بِالشَّأنِ الثَّقافيِّ، بَل إدْراكًا منِّي أنَّ كُلَّ شَيءٍ في ذي الحَياةِ يُدْرَجُ في سِياق الثَّقافة بِحَيثُ يَغْدو كُلُّ شَيءٍ ثَقافةً، وبِالتَّالي، لا مَجالَ لِبَشَريٍّ أنْ يُحيطَ بِكامِلِ الثَّقافَة. وعليهِ، ما مِن مُثَقَّفينَ في الأرضِ، بَل مُستَثْقِفونَ يَسْعَونَ لِثَقافةٍ ما في مَجالٍ مُعَيَّنٍ أو أكثَر. وقدِ اقْتَضى التَّنويه.

***

 حَشْوٌ لِكراهيَةٍ ولِمَزيدٍ من التَّخلُّف

يُشَدِّدُ كثيرونَ على أنَّ ما يَتَهَدَّدُ دولَ العالَمِ الثَّالثِ ليس الفَقرُ والمَرَضُ والأوبِئَةُ واللاعدالَةُ وفَوضى التَّنظيمِ في كُلِّ الأمور، وأنَّ أُمَّ الأُمِّيَّاتِ، الأُمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ، هي الَّتي تَتَهَدَّدُهُ، وهي الَّتي تَمْنَعُ عنهُ صُنوفَ الأمنِ في غِذاءٍ وسِياسةٍ وسِيادة، وكَذا عُبورَ مَرحلَةِ التَّخَلُّف.

وإذْ يُعَوَّلُ على المَدارِسِ أنْ تُحارِبَ الأُمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ بِبَرامِجَ تَربويَّةٍ ومَعرِفِيَّة، نَجِدُها تَحْشو أفكارَ الطَّلَبَةِ، ولا سيَّما في عالَمِنا العربيِّ، بِالعَداءِ لِكُلِّ ما يُحَرِّكُ فِكرَ هؤلاءِ وُجوديًّا وحَضاريًّا، الأمرُ الَّذي يَجْعَلُهم يَتَّزِنونَ، يُفَكِّرونَ، يَشُكُّونَ، يَجْتَهِدونَ، يُوقِنونَ، يُقدِمونَ، يُبْدِعون.

وبَعضُ الحَشْوِ في بَعضِ الدُّوَلِ مُتَعَمَّدٌ بِهَدَفِ إنتاجِ الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ لا مَحْوِها، وهو حَشْوٌ يَدْعو إلى كَراهِيَةِ الآخَرِ المُختَلِفِ دينًا وعاداتٍ اجتِماعيَّةً. وهكذا، فإنَّ مَحْوَ الأُمِّيَّةِ التَّعَلُّمِيَّةِ لدى بَعضِ الحائِزينَ على أعلى الشَّهاداتِ العِلميَّةِ لَمْ يَمْنَعْ هؤلاءِ مِن استِخدامِ عِلْمِهم لِلإجرامِ وقَهْرِ الآخَرِ وإخضاعِه.

وتَسودُ الأُمِّيَّةُ الثَّقافيَّةُ حيثُ يَسودُ الفِكرُ المُغلَقُ، ولا سيَّما في ظِلِّ الأنظِمَةِ الشُّموليَّةِ مِن عسكريَّةٍ وأمنِيَّةٍ وثِيوقراطيَّة، عِلمًا بِأنَّ كُلَّ مُغْلَق مُتَطَرِّفٌ بِالضَّرورةِ، وتَكفيريٌّ على نَحوٍ أو على آخَرَ، يُحارِبُ الآدابَ والفُنونَ، يَمنَعُها، يُحَظِّرُ المَسرَحَ، والشَّاشَةَ، واللَحنَ ووَتَرَ عودِهِ، واليَراعةَ وحِبرَها على الورقَةِ، والرِّيشَةَ وألوانَها، والإزميلَ وصَخرَهُ، فيما لا ثَقافَةَ تُرْجى مِن دونِ ما سَبَقَ وسِواهُ مِن أدواتِ الاستِثْقاف!

ومَن لا يَرْتَزِقُ مِن الفِكرِ المُغْلَق في بلَدِهِ، ويَجرؤُ على مُخالفَتِهِ، فإنْ أُبْقِيَ عليهِ حَيًّا، لا حَلَّ له سِوى أنْ يُوَفَّقَ بِالرَّحيل. وهناكَ، في عالَمِ الاغتِرابِ، إذْ يَنعَتِقُ، غالبًا ما يَكْشِفُ عَمَّا يُرسَمُ لِبَلَدِهِ كَي يَبْقى في تَخلُّفِهِ، فيما لا يَعودُ وُجودُهُ في بلَدِهِ مَأنوسًا، ولا طُروحاتُهُ المُقَدَّمةُ مَقبولَةً.

وإنَّ عدَمَ مُحاربَةِ الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ تَجعَلُ الأُمَمَ تَعيشُ الفَقرَ حتَّى إنْ كانَتْ تَملِكُ مِن مُقَوِّماتِ الغِنى الكثيرَ، طبيعةً وباطِنَ أرض. وإنْ هي ثَمَّرَتْ في ثَرَواتِها فلِلأجنبيِّ تُثَمِّرُ، وإنْ هي انتَفَعَتْ مِنها، فلِحِساب قِلَّةٍ مِن الفاسِدينَ في داخِلِها تَنْتَفِعُ، وحتَّى إنْ بانَ فيها البُنْيانُ، ففي واقِعِها الثَّقافيِّ ما بانَ بُنْيان!

وثمَّةَ أُمَمٌ بَخُلَتْ عليها الطَّبيعةُ بِالثَّرواتِ، لَكنَّها ثَمَّرَتْ في مُحاربةِ الأُمِّيَّةِ على أنواعِها، بِما فيها الأُمِّيَّةُ الثَّقافيَّةُ، وبَلَغَتْ شأنًا وشأوًا، وبَنَتْ في عُقودٍ ما عَجِزَتْ عنه أُمَمٌ في قُرونٍ، وأمثلةُ الشَّرق الأقصى عديدة.

***

 فَصلُ الخِطاب يَكمُنُ في أنَّ الآخَرَ هو الأنا

يَبْدو أنَّ ثَمَّةَ تَواطؤًا في العالَمِ العربيِّ بين الأُمِّيَّةِ الأولى، أمِّيَّةِ التَّهجِئَةِ أو التَّعَلُّم، والأُمِّيَّةِ المَحسوبَةِ أخيرةً، أمِّيَّةِ الثَّقافَة. ومَن مِن النَّاسِ لَمْ يَتَخَطَّ الأُمِّيَّةَ الأولى لن يَصِلَ إلى الثَّانيةِ، ومَن يَصِلُ إلى الثَّانيةِ لا يَتَخَطَّاها أبدًا. وعليه، إنْ صَدَقَتِ الأرقامُ في العالَمِ العربيِّ، وقَلَّما تَصْدُقُ، أو حتَّى تُوجَدُ، فإنَّ عددَ الأُمِّيِّينَ لِجهَةِ التَّهجِئَةِ والتَّعلُّمِ يُقارِبُ اليَومَ مِئَةً مِن المَلايينِ، أي نَحوَ رُبعِ عددِ السُّكَّانِ الإجماليّ. وتُضافُ إلى هؤلاءِ نسبةٌ هائلَةٌ مِن أُمِّيِّي الثَّقافةِ قد تَبلُغُ، في عُرْفي، التِّسعةَ والتِّسعينَ بعدَ فاصِلَةِ التِّسعةِ والتِّسعينَ مِن المِئَةِ، مِمَّا يُذَكِّرُ بِنِسَبِ فَوْزِ بعضِ زُعماءِ العالَمِ العربيِّ في الانتِخابات.

هذا، ويَشْكو العُرْبُ مِن تَمَسُّكِهم بِأهدابِ مُعتَقَداتِهم، فيما فَصْلُ الخِطابِ لَدَيْهم شِبْهُ حَصْرِيٍّ بِفَتاوى الأقدَمينَ، وعاجِزٌ عن أيِّ حِوارٍ عَقلانيٍّ لأنَّه لا بُدَّ خاسِرٌ فيه! وعليهِ، غالِبًا ما يَتِمُّ اللُجوءُ عن قَصْدٍ إلى المُحافَظَةِ على نسبَةٍ ما مِن الأُمِّيَّةِ التَّعَلُّمِيَّةِ الَّتي، إنْ تَعَدَّاها بَعضُ الشَّعبِ مُنِعَ ذا البَعضُ مِن بُلوغِ مرحلةِ مُحاربةِ الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّة؛ ومَن تَجَرَّأَ وحارَبَ تلكَ الأُمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ، جاءَ عِلاجُهُ بِالتَّكفيرِ، فإمَّا يَتراجَعُ عن “ضَلالِهِ”، وإمَّا يُعانِدُ فيُزالُ أو يُهَجَّر!

والسُّؤالُ: أما آنَ لنا أنْ نُؤمِنَ بِأنَّ الآخَرَ هو الأنا، والآخَرينَ النَّحنُ، وبِأنَّ ما لا يُلائِمُ مِن المُعتَقَداتِ البَشَرَ كافَّةً، ولا يَتَماشى مع العَصْرِ والأخلاق، يَجِبُ أنْ يَسقُطَ إلى غيرِ رَجْعَة؟

ألا فَلْنُعْتِقِ اللهَ منَّا، ولنُعْتِقْ أنفُسَنا مِن مُعتَقَداتٍ تُكَبِّلُنا وتَجعَلُنا في صِراعٍ مع الآخرينَ، ولا سيَّما متى أرَدْنا إلزامَ هؤلاءِ بِها، مُعتَقَداتٍ تَضَعُنا تَفاسيرُها المُتَناقِضَةُ في صِراعٍ مع أنفُسِنا.

***

 أهلاً بالفُضول، وحَذارِ من التَّسخيف!

لَعَلَّ بَعضَ ما يوصِلُ إلى الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ يَتَمَثَّلُ بِتَمَنُّعِ خِرِّيجي المَعاهدِ والجامِعاتِ، فَورَ حُصولِهم على شهاداتِهم، عن الاطِّلاعِ على أيِّ جديدٍ، حتَّى في مَجالِ اختِصاصاتِهم. وتُسْهِمُ في مَنْعِ مُحاربَةِ تلكَ الأُمِّيَّةِ قِلَّةُ المُطالَعَةِ، ونَوعِيَّتُها الرَّديئَةُ متى تَوَفَّرَتْ، بِالإضافَةِ إلى عدَمِ المُشاركةِ في الأنشِطَةِ الثَّقافيَّةِ إنْ وُجِدَتْ ولَمْ تَكُنْ مُوَجَّهَةً. ويَدْعَمُ الأمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ أيضًا الإعلامُ المُرتَكِزُ إلى التَّقانيَّاتِ الدَّائِمَةِ التَّجَدُّدِ والجانِحَةِ إلى تسْخيفِ اللُغَةِ وكُلِّ ما هو قَيِّمٌ، وإلى الأخذِ بِما هو تافِهٌ، فيما لا يَهُمُّ أنْ نَقْرَأَ، بَل ما نَقْرَأُ، ولا أنْ نَشْهَدَ، بَل ما نَشْهَدُ؛ ولا يَهُمُّ أنْ نَكتُبَ، بَل ما نَكتُبُ، ولا أنْ نُقَدِّمَ، بَل ما نُقَدِّم، وهكذا… وقد خَرَجْتُ منذُ العامِ 1969 بِمَقولَة أنَّ “الثَّقافةَ الحُرَّةَ والمُتَنَوِّرَةَ تَصْنَعُ السَّلامَ”، فأينَ نحنُ اليَومَ مِن مِثْلِ تلكَ الثَّقافَةِ؟ وماذا بِقيَ مِن حُرِّيَّتِها وتَنَوُّرِها فِعْلاً لا قَوْلاً؟

في عُرْفي أنَّ على الفُضولِ الَّذي هو في أساسِ ارتِقاءِ الإنسانِ أنْ يَستَمِرَّ في مَجالِ الاستِثْقافِ، وبِكُلِّ الوسائِلِ، على أنْ يُفَضَّلَ الجِدِّيُّ مِن المَعلوماتِ على السَّخيفِ، وأنْ يَأتيَ السَّخيفُ مِنه فقط لإراحَةِ المُتَلَقِّي مِن الجِدِّيِّ بِتافِهَةٍ مِن هنا أو هناك، لا لِيَغْدوَ التَّافِهُ هو المَطلوبُ والجِدِّيُّ هو السَّقيم!

أجَل، الخَوْفُ الخَوْفُ مِن أنْ يَتَحَوَّلَ السَّخيفُ القاعِدَةَ بَعدَما غَدا دُرْجَةَ العَصْرِ، وأنْ يُسَخَّفَ الجِدِّيُّ لِدَرَجَةِ أنْ يُرْمى بِهِ في زَمَنٍ غيرِ بعيد.

ويَبْقى الخَطَرُ الخَطَرُ مِن أنصافِ المُتَعَلِّمينَ وأنصافِ المُستَثْقِفين، وهُم كُثُر، وكَذا مِن طَواويسِ المُتَعَلِّمينَ المُتَعَلِّمينَ والمُستَثقِفينَ المُستَثقِفينَ مِمَّن يُكَفِّرونَ الآخَرَ بِدَورهم، ولا يَجِدونَ في المَعاجِمِ كَلِمَةَ “تَواضُع” لِيَفْهَموا مَعانِيَها، وهُم نَرجِسِيُّونَ نَرجِسِيُّونَ وإلغائِيُّونَ إلغائيُّون، ضَرَرُ الواحِدِ مِنهُم بِضَرَرِ ألفِ جاهِلٍ مُتَعَصِّب!

والسُّؤالُ: أما آنَ لنا أنْ نُؤمِنَ بِأنَّ الثَّقافاتِ، مَهما تَنَوَّعَتْ بِحَسَبِ الزَّمانِ والمكانِ والمُعتَقَداتِ، لا بُدَّ أنْ تَصُبَّ في بَحرِ الحَضارةِ الإنسانيَّةِ الَّتي هي واحدةٌ وتَتَخَطِّى الزَّمانَ والمكانَ والمُعتَقَدات؟

ألا فَلْنَتَخَلَّصْ مِن أنَوِيَّاتِنا في الثَّقافةِ كَي نَرْفَعَها الثَّقافَةَ، تلكَ الَّتي تَعْلو ولا يُعلى عليها كَما لَطالَما رَدَّدْتُ، وآهِ لَو يُعَمَّمُ يَومًا مَبدأُ الثَّقافةِ بِالمَجَّانِ في أربعةِ أصقاعِ المَعمورَة!

***

 التَّأخْلُقُ المُنقِذُ في مواجهة الجَشَع القاتِل

إنَّ مرحلةَ الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ الَّتي نَعيشُ، والَّتي يَجِبُ العَمَلُ على مَحْوِها، لَمْ تَعُدْ في عُرْفي الأهمَّ والأشملَ في زمنِنا الرَّاهِن، ذلك أنَّ على مُحاربَةِ الأُمِّيَّةِ الأخلاقيَّةِ أنْ تَرِثَها في أقرَبِ الآجالِ، وإلاَّ سنَتَرَحَّمُ في المَدى المُتَوَسِّطِ على الحَضارةِ الإنسانيَّةِ أو ما تَبَقَّى منها، وسنَقولُ على الدُّنيا السَّلام!

وأوضِحُ أنَّ الأُمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ ومُختَصَرُها عَدَمُ حُصولِ المَرْءِ على الثَّقافةِ المُتَأتِّيَةِ مِن القراءاتِ وعدَمُ تَلَقُّنِهِ العُلومَ الإنسانيَّةَ ومُتابعتِهِ صُنوفَ الآدابِ والفنونِ والعُلومِ، بِحَيثُ يُمْنَعُ مِن الاستِثقافِ ووَعْيِ شؤونِ العَصْرِ وحياتِهِ فيه، حتَّى إنْ حازَ أعلى الشَّهاداتِ في أصعَبِ الاختِصاصات؛ قُلْتُ، تلكَ الأُمِّيَّةُ الثَّقافيَّةُ، على أهمِّيَّةِ مُحاربَتِها القُصوى، قد غَدا هَدَفُ مُحاربتِها، في ظِلَّ التَّطَوُّرِ الحاليِّ في العالَمِ، مِركَنتيليَّ التَّطلُّعاتِ، بِمَعنى أنَّها تَهدِفُ إلى تَوسيعِ معرفَةِ العامِلينَ والمُوظَّفينَ بِقَصْدِ زيادةِ إنتاجيَّتِهم، وكَذا بِقَصْدِ رَفعِ مُسْتَواهُم الثَّقافيّ، وبِالتَّالي، زيادةِ مَصاريفِهم، وانتِفاعِ الرَّأسماليِّينَ منهم، إنتاجًا وإنفاقًا.

أجَل، أُمِّيَّةُ السِّتينيَّاتِ فالثَّمانينيَّاتِ مِن القرنِ العِشرينِ، وأُمِّيَّةُ الثَّقافةِ في ذي الأيَّامِ، يَجِبُ أنْ يَتَدَرَّجَ مَحْوُها إلى مَحْوِ أُمِّيَّةِ الأخلاقِ المُتَمَثِّلَةِ بِثقافةِ الجَشَعِ العالميِّ الَّذي يُودي بِالعالمِ إلى الهَلاكِ مِن طريقِ افتِعالِ الحُروبِ بِقَصْدِ مَبيع الأسلحةِ وتحقيقِ المَآرِبِ، وكَذا مِن طريقِ تطويرِ تَقانِيَّاتٍ مُهْلِكَةٍ ليستِ الأسلحةُ البَكتيريَّةُ والأوبئةُ المُفتَعَلَةُ أقَلَّها.

ثُمَّ، مَن يا تُرى يَأخُذُ بِرَأي الجَماهيرِ في ما يَجْري مِن تطوُّراتٍ في المَجالاتِ المُضِرَّةِ السَّابِقَةِ الذِّكر؟ ومَن قالِ إنَّ البَشَرَ سيَجِدونَ السَّعادةَ في ما تُريدُ قِلَّةٌ مِنهم قِيادةَ البَشَريَّةَ جَمعاءَ إليهِ، وبِالغَصْب؟ وهل يَجوزُ إدراجُ أيِّ تطوُّرٍ عِلميٍّ وتَقانِيٍّ في سِجِلِّ التَّقَدُّمِ البَشَريّ؟ بِالطَّبعِ لا، ففي عُرْفي لا يُمَثِّلُ كُلُّ تَطوُّرٍ بِالضَّرورةِ تَقَدُّمًا إنسانيًّا، وقد يُودي أحيانًا بِالبَشَريَّة.

إلى هذا، هل يُزيلُ التَّطورُ الحاصِلُ الدَّهشَةَ لدى الفقراء؟ الجوابُ بِالتَّأكيدِ بِالإيجاب، فكُلُّ جديدٍ يَفقِدُ دَهشتَهُ في سُرعةٍ ولا سيَّما لِكَثرةِ الإنجازاتِ المُحَقَّقَةِ في فتراتٍ زمنيَّةٍ قصيرة. وإنَّ عدمَ تَمَكُّنِ الفقيرِ مِن الحُصولِ على المُنتَجاتِ المُستَحدَثَةِ يَقلِبُ دَهشَتَهُ القصيرةَ المَدى غَضَبًا وحِقدًا طَويلَي الأمَد.

وهل يُزيلُ التَّطوُّرُ عينُهُ جَشَعَ الأغنياء؟ الجوابُ بِالتَّأكيدِ بِالسَّلْبِ، ذلكَ أنَّ الجَشاعى لا يَشْبَعونَ، بَل يَتَبارَوْنَ لِلحُلولِ أوَّلينَ في قائِمَةِ أغنى أغنياءِ العالَمِ على صَفحاتِ مجلَّةِ “فوربس” (Forbes)، ونَقلاً عنها على صَفحاتِ صِحافَةِ المَعمورَة!

***

 العَولَمَةُ تَفضَحُ الفَوارق

إنَّ العالَمَ يَرْقُصُ عندَ شَفيرِ الهاويَةِ، والهاويَةُ سَحيقَةٌ، وستَقْضي على البَشَريَّةِ ما لَمْ يَتِمَّ تَنظيمُ الاقتِصادِ العالميِّ على نَحوٍ يَقْضي على الرَّأسماليَّةِ المُتَوَحِّشَةِ الَّتي تَمْتَدُّ حاليًّا على كامِل كُرَتِنا الأرضِيَّةِ بَعدَما زالَتِ الشُّيوعيَّةُ الطُّوباوِيَّةُ الَّتي يَعْصى على البَشَرِيِّ النَّاقِصِ تَطبيقُها، ورَضَخَتِ الاشتِراكيَّةُ لِطَبائِعِ البَشَرِ، وغَدا لِزامًا على كُلِّ الأحزابِ تأمينُ مَوارِدَ عَظيمَةٍ لِها إنْ هي أرادَتْ أنْ تَصِلَ إلى الحُكمِ يَومًا.

أجل، فَضَحَتِ العَولَمَةُ ووَسائِطُ الاتِّصالِ المُعاصِرَةِ الفوارقَ بين الأُمِّيَّاتِ بِحَسَبِ الدُّوَلِ، لا أمِّيَّةَ التَّهجِئَةِ والتَّعَلُّمِ فحَسْب. ومِن الضَّروريِّ، إنْ أَرَدْنا المُحافظةَ على شَيءٍ مِن مَبادئِ الرَّأسماليَّةِ، أنْ نَقْضيَ على المُتَوَحِّشِ فيها، ذاكَ الَّذي جَعَلَ الفارقَ بينَ أغنى أغنياءِ العالَمِ وأفقَرِ فُقرائِهِ يَتَعدَّى الفارِقَ بينَ أبعدِ كَوكَبَيْنِ في مَجَرَّاتِ ذا الكَونِ المُكتَشَفَةِ حتَّى تاريخه.

وإنَّ الأُمِّيَّةَ الَّتي يَجِبُ القضاءُ عليها اليومَ بِالتَّلازُمِ مع القضاءِ على الأُمِّيَّةِ الثَّقافيَّةِ هي الأُمِّيَّةُ الأخلاقيَّةُ، إذْ إنَّ الأخلاقَ الَّتي نَشَأنا عليها تَضْمَحِلُّ بِحيثُ  تَكتَسِحُ الأنا الآخَرَ، فيما الآخَرُ هو الأنا، ومِن دونِ التَّعاضُدِ بين الأنا والآخَرِ لَن تَتَأَخَّرَ الحَياةُ البَشَريَّةُ في وَضْعِ أوزارِها في ذا الكَوْن. وستَجِيءُ نهايةُ البَشَريَّةِ، على الأرجَحِ، على يَدِ بَعضِ بَشَرٍ مِن جَشاعى المادَّةِ ومُؤلِّهي الأنا مِمَّن يَتَمَتَّعونَ بِثَرواتٍ طائِلَةٍ لا طائِلَ مِنها، ولا يَتَوَرَّعونَ عن امتِهانِ دَورِ الآلِهَة!

***

سُقوطُ الرَّأسماليَّةِ المُتَوَحِّشَةِ قادِمٌ، ما لَم…

“الثَّقافةُ لا تُشْرى ولا تُباع” مَقولَةٌ قديمةٌ لي، وهي شِعارُ مؤسَّسةِ الثَّقافةِ بِالمجَّان الَّتي احتَفَلَتْ في التَّاسعِ مِن الشَّهرِ الماضي بِعيدِها العاشِرِ مِن طريق ِ تَوزيعِ عَشرةِ آلافِ كتابٍ مجانيٍّ جديد. وقد جَمَعْتُ في المؤسَّسةِ أنشِطَتي الثَّقافيَّةَ المجَّانيَّةَ الَّتي بَدَأتُ أُولاها في العام 1979، وأنا مُستَمِرٌّ فيها بِالعَرَقِ والدَّمعِ والدَّمِ والاستِدانَة.

أجَل، الثَّقافةُ لا تُشْرى ولا تُباع، بِمَعنى أنَّ الأُمِّيَّةَ الثَّقافيَّةَ لا تُحارَبُ إلاَّ بِالثَّقافَةِ تُعْطى بِالمَجَّانِ مِن قِبَلِ القادِرينَ على إعطائِها، وتُؤخَذُ بِالجَهْدِ مِن قِبَلَ السَّاعينَ لها. وإنْ كانَتِ الثَّقافَةُ تَتَطَلَّبُ ما سَبَقَ، فالأخلاقُ، وإعادةُ اكتِسابِها وتَعميمِها، تَتَطَلَّبُ قَلْبَ المَفاهيمِ الاقتِصاديَّةِ والحَياتيَّةِ المَفروضَةِ على البَشَرِ مِن قِبَلِ حُفْنَةٍ مِن أُناسٍ يُعانونَ مِن جوعٍ عتيقٍ لِلمادَّةِ، يُكَدِّسونَها دونَما حُدودٍ أو ضَرورة، ولا ضَميرَ يَرْدَعُ في ما يُقدِمونَ عليه.

ولَعلَّ أسوأَ ما يَجْري منذُ بِضعَةِ عُقودٍ أنَّ رجالَ المالِ والأعمالِ غَدَوا هُمُ أنفُسُهُم رجالَ السِّياسَةِ، فغابَ رجالُ القانونِ والدَّولةِ، وحَلَّ مَحَلَّهم رجالُ السَّمسَرَةِ والفَسادِ، وعادَتِ المِركَنتِيلِيَّةُ لا تَرى أمامَها سِوى الأرقامِ الَّتي حُقِّقَتْ على حسابِ الضَّعيفِ والفَقيرِ، فازدادَ ضَعفًا وبُؤسًا وأمِّيَّةً وجَهلاً، حتَّى باتَ العالَمُ القريةُ في الاتِّصالِ عَوالِمَ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى في كُلِّ ما عَدا ذلكَ مِن شؤونِ الحَياة.

على الرَّأسماليَّةِ أنْ تَتَغَيَّرَ، أنْ تَتَأَنْسَنَ، أنْ “تَتَأَخْلَقَ”، أنْ تَتَطَوَّرَ لِما فيهِ تَقَدُّمُ الجِنسِ البَشَريِّ كَكُلّ. هذا وإلاَّ فإنَّها ستَسْقُطُ قريبًا، وسيَكونُ سُقوطُها عظيمًا بِحَيثُ تَسْقُطُ البَشَريَّةُ معها في غيابِ أيِّ نِظامٍ بَديل؛ والسُّؤالُ: لِمَ لا يُعمَلُ اليَومَ على إيجادِ ذا البَديلِ، ولِمَ لا نُطَبِّقُهُ على مَراحِلَ وعلى نارٍ خَفيفة، ونُنَجِّي الأرضَ مِن زَلزَلَةٍ بُركانِيَّة؟

 

كلمةٌ لِناجي نعمان وُضِعَتْ في الرَّابع من نيسان 2021، وأُلقِيَتْ جُزئيًّا خلال ندوةٍ جَرتْ في العاشر من الشَّهر عَينِه تحت عُنوان “الأُمِّيَّة الثَّقافيَّة في المُجتَمَعات العربيَّة”، وذلك من ضِمن أنشِطَة مجلس الفِكر العربيِّ بواشِنطن (Arab Thought Council ATC – Washington D.C.).