هبة المخيمات الفلسطينية بلبنان 23 نيسان 1969 – نضال حمد

هبة أو انتفاضة 23 نيسان 1969

في كل عام نتذكر ذلك اليوم وتلك الهبة ونكتب عنها لكيّ لا ننساها ولكيّ تبقى تتذكرها الأجيال القادمة. فمعاملة المكتب الثاني اللبناني أي المخابرات اللبنانية للاجئين الفسلطينيين كانت معاملة عنصرية عدوانية فيها الكثير من الحقد والكراهية. كان القمع عمل منظم بقرار من أركان الدولة اللبنانية، التي كانت تسيطر على أهم مفاصلها المارونية السياسية، التي لم تكن في يوم من الأيام معادية للحركة الصهيونية، بل كانت تقدم لها الخدمات الى أن قامت خلال الحرب الأهلية بالتحالف العلني مع العدو الصهيوني، ثم بارتكاب أبشع المجازر بحق الشعب الفلسطيني ومخيماته في لبنان.

بالنسبة للفلسطينيين كان الشعب اللبناني منقسماً مع وضد. ولازال كذلك حتى يومنا هذا. مع إزدياد وتنوع في معسكر ال”ضد” وتقدم في قوة معسكر ال”مع”. والذين هم القوى المقاومة في لبنان. لكن تبقى هذه القوة حبيسة ورهينة التحالفات الداخلية في البرلمان والحكومة، لذا هي بلا فعالية فيما يخص حقوق الفلسطينيين وأسلوب معاملتهم ومكافحة الكراهية والتميييز والعنصرية ضدهم. حتى أنها أيدت اقامة الجدار العازل في مخيم عين الحلوة بحجة وجود قوى تكفيرية تهدد أمن لبنان وطريق الجنوب حيث تسلكه القوات الدولية. على كل حال يجب أن لا نستغرب هذا الموقف منها. لأن منظمة التحرير الفلسطينية وتحالف القوى الفلسطينية والفصائل الفلسطينية الوطنية والاسلامية نفسها وبدون استثناء وافقت على بناء الجدار. حتى أنها جهدت لايجاد تبريرات لذلك. أيام المخيمات منذ سنوات بداية الألفية الثانية أيام سوداء سواء من داخلها حيث الخراب والغابة والقطيع الذي بلا راعي. وخارجها حيث تحيط بها الحواجز والجدار العازل والدعاية المعادية والبروبوغاندا العدائية العنصرية والحقد والطائفية والكراهية. يعني ذهب المكتب الثاني وحلت مكانه أجهزة الدولة الأخرى بمسميات مختلفة.

لماذا هبة 23-4-1969؟

لأن المخيمات الفلسطينية في لبنان كانت منذ نشأتها مخنوقة ومقموعة ومظلومة ومقهورة ومستباحة من قبل الأجهزة الأمنية العنصرية اللبنانية. كانت تتوق للحرية في لبنان كي تعمل لأجل تحرير فلسطين. فكانت تأمل أن تصل قوافل الفدائيين في زمن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وزمن ثورة الجزائر وثورة اليمن وانطلاقة فصائل الثورة الفلسطينية المسلحة الى مخيمات لبنان، كما كان الحال في مخيمات الأردن.

في ذلك الوقت اتخذت على ما يبدو قيادة حركة فتح قراراً بارسال مجموعة فدائية لافتتاح مواقع لها قرب بنت جبيل على الحدود مع فلسطين. فقد أمر الشهيد القائد أبو علي اياد رجل فتح القوي في ذلك الوقت بارسال المجموعات الى الجنوب اللبناني. كان ذلك في شهر نيسان 1969. من الجدير بالذكر أن المسؤول الأول عن تلك المجموعة كان الشهيد الفدائي الشجاع أبوجاسر الصفوري. تمركزت المجموعة في وادي بريخه المعروف بوادي شيلوي قرب قرى طلوسة وبني حيان قضاء بنت جبيل. كانت التوقعات بأن تصبح نقطة ارتكاز لعمليات الفدائيين في الجليل الفلسطيني المحتل. بعد أيام من تموقع الفدائيين في الوادي علم الجيش اللبناني الطائفي بوجودهم فقام بمحاصرتهم بقوات كبيرة من المدرعات والمشاة. وأمرهم بالاستسلام لكنهم رفضوا ذلك. حصلت معركة بين الطرفين استشهد على اثرها 13 فدائياً من المجموعة وجرح آخرين وأسر بعضهم بعد نفاذ ذخيرتهم. بعد الاشتباك نقل المعتقلون الى ثكنة الشهيد محمد زغيب في صيدا قرب مخيم عين الحلوة. للعلم فإن الشهيد الضابط العروبي اللبناني محمد زغيب قد استشهد اثناء النكبة وهو يدافع عن فلسطين مع الزعيم الشهيد معروف سعد. تقع الثكنة المذكورة بالقرب من مخيمي عين الحلوة والمية ومية الفلسطينيين في الجنوب اللبناني ولازالت قائمة في مكانها حتى يومنا هذا.

يقول أحد أفراد المجموعة الذي لم يفصح عن اسمه وهو لازال حياً ويعمل في منظمة التحرير الفلسطيية، وكان من الفدائيين المعتقلين في الثكنة: “بينما كنا في الاعتقال داخل الثكنة، كان هناك شاب من المخيم يسير باتجاه منطقة الحارة، وإذ بأحد الفدائين المعتقلين يطل من شباك صغير نحو الشارع العام، ليخبره بأنهم فدائين معتقلين على أيدي الجيش. فعاد الشاب أدراجه مسرعا إلى المخيم وأخذ يصرخ بأن هناك فدائيين معتقلين في الثكنة”. كانت صرخة الشاب الفلسطيني ابن مخيم عين الحلوة كشرارة أشعلت غضب ونار المخيمات التي كانت تنتظر الشرارة للانفجار. على الفور اندلعت انتفاضة 23 نيسان، فخرج المخيم عن بكرة ابيه، كبارا وصغاراً، شيوخا ونسوة و شباب وأطفال وصبايا وبنات… كلهم صوت واحد ضد اعتقال الفدائيين وضد ظلم المكتب الثاني اللبناني اللعين.

حاول الجيش منع المحتجين من التوجه خارج المخيم باتجاه الثكنه ومدينة صيدا لكنه لم ينجح في ذلك أمام اصرار الجماهير الزاحفة على التقدم. عندما وصلت طلائع المتظاهرين الى مدخل المخيم عند المستشفى الحكومي بدأ الجيش باطلاق الرصاص لردع ووقف المتظاهرين. لكن المارد الذي خرج من القمقم لم يعد بالإمكان وقفه. لذا أكملت الجماهير الثائرة سيرها باتجاه مدينة صيدا ليسقط أول الشهداء “مفلح عبد الرحمن علاء الدين” أمام السراي الحكومي. ورغم ذلك تابعت الجماهير سيلها الجارف وأكملت الطريق إلى داخل المدينة حتى وصلت الى منطقة البوابة الفوقا. خلال ذلك كان ثلاثة آخرين من المتظاهرين استشهدوا برصاص الجيش الطائفي ما بين السراي ومدخل المدينة فارتفع عدد الشهداء الى أربعة، كلهم من مخيم عين الحلوة، وهم: مفلح عبد الرحمن علاء الدين، محمد عبدالله شرارة، نعيم سعيد عباس وعلي جميل عطية، دفنوا جميعهم في مدرسة السموع بالمخيم لتعذر دفنهم في جبانة مدينة صيدا بسبب الوضع الأمني وانتفاضة المخيمات.

في أعقاب الهبة الجماهيرية او انتفاضة المخيمات وصل الى ثكنة صيدا ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، الراحل شفيق الحوت ومعه القائد الشعبي والعروبي الصيداوي الشهيد معروف سعد. التقيا بالفدائيين المعتقلين وقدما لهم الطعام والشراب وسط احتجاج عنيف وكلمات شديدة أطلقها معروف سعد، الذي سبق له وقاتل مع الزعيم جمال عبد الناصر والنقيب الشهيد محمد زغيب وآخرين لبنانيين وعرب في فلسطين إبان النكبة سنة 1948. أطلق كلاماً قوياً وقاسياً بحق ضباط الجيش الطائفي، ووصفهم بالجبناء الذين يعتقلون الفدائيين الشجعان.

أطلق سراح الفلسطينيين وتوجهوا الى دمشق ومن هناك الى الأردن. فيما بعد تلك الهبة تم توقيع اتفاقية القاهرة برعاية الزعيم. الخالد جمال عبد الناصر بين الطرفين الفلسطيني واللبناني بحضور ياسر عرفات وشارل الحلو. وأصبحت تلك الاتفاقية هي التي تنظم العلاقات الفلسطينية اللبنانية وحياة المخيمات الفلسطينية في لبنان بعيداً عن قمع وارهاب المكتب الثاني اللبناني في ذلك الوقت.

المجد والخلود لشهداء هبة نيسان 1969 ولكل شهداء مخيمات شعبنا في لبنان

المجد والخلود لشهداء قضيتنا ونضالنا الوطني.

على عهد الشهداء أوفياء للدماء.

“هبة أو انتفاضة 23 نيسان 1969 – نضال حمد”

23-4-2021