هشام دغيم، فنان صفصافي مُقعد يرسم بفمه… فنان مميز وفريد من نوعه

– نضال حمد

هشام دغيم الطفل الصفصافي ولد في مخيم نهر البارد في ستينيات أو خمسينيات القرن الفائت وتربى في عز عائلة صفصافية محترمة، في كنف والده، الشاعر والمربي والاستاذ محمد عبدالله دغيم، الذي ولد بدوره في الصفصاف وتلقى تعليمه في مدرستها. هذا قبل أن تحل النكبة ويتحول مع عائلته الى لاجئين في مخيمات الفلسطينيين بلبنان.

يذكر أن هشام  دغيم الفتى الفلسطيني من مخيم نهر البارد شمالي لبنان كان أصيب بحادث نتج عـنه شـلـل رباعي شبه كامل، حصل ذلك في 2 سبتمبر 1976، انتهى به في مصحة في السـويـد ولا يزال هناك حـياً وفـناناً مكافحـاً رغـم الإعاقة الحركية. فهشام يقوم برسم لوحاته باستخدام فمه ولكم أن تتصوروا كيف يقوم بالرسم، وما هي قوة التركيز والتحمل والانتباه التي عليه ان يملكها حتى يتسطيع تحقيق ما يريد ويترجم افكاره الى لوحات ورسمات جميلة.

لقد حدثني عنه مطولا والده المرحوم، العم، الأستاذ والمربي والشاعر محمد عبدالله دغيم الشخصية الصفصافية المحترمة. فقد حرص على زيارة ابنه هشام في السويد وخلال زيارة هشام في السويد كان العم أبو حسام يتصل بي في اوسلو من هناك.

فن الرسم بالفم

في عام 1982 بدأ هشام الرسم بالشفاه التي تعلمها بنفسه. في عام 1983انتقل إلى السويد حيث طور مهاراته في الرسم من خلال أخذ دروس خاصة وحضور الندوات. من خلال سنوات ثلاث تعلم خلالها في جامعة غوتنبورغ السويدية العريقة. بعد ذلك قرر البقاء في السويد فحصل على الاقامة الدائمة ثم الجنسية السويدية وعلى كل ما يساعده على الحياة والعمل والعطاء والبقاء متوهجاً.

في عام 1986 حصل هشام إدغيم على منحة دراسية من الجمعية السويدية. له عشرات وربما مئات اللوحات التي رسمها خلال السنوات الماضية. غالباً ما يختار الحيوانات والطيور والمناظر الطبيعية كمواضيع لأعماله.

هشام محمد عبدالله ادغيم يقول في مقابلة مع مجلة أطار فني: ” أنا ممتن جدا للفن. لقد منحني الفن أشياء كثيرة أهمها الحب والسلام. ودائما ما كان ينعكس ذلك على من حولي. العطاء صفة جميلة جداً والتحلي بها ينعكس فوراً على صاحبها. أحب أن ينتشر الخير، دائما أقوم بزيارة المساجد في السويد بشكل متكرر. كما أقوم بالتبرع بلوحاتي للفقراء. قمت بمساعدة عدد من الأطفال الفلسطينيين والأفارقة لإكمال تعليمهم عن طريق منظمة الأمم المتحدة. هذه هي الرسالة التي منحني إياها الفن والتي أحب أن أمنحها لكل من حولي قدر استطاعتي”.

واضح أن هشام المتألق انسانياً هو أيضا شخص متواضع وراقي ومتألق فنياً. فهو الانسان الذي رفض أن يصبح معوقاً وخارج دائرة الفعل والحياة، حيث أصر على أن ينتصر على اعاقته وأن ينشأ مدرسته الفنية ويستخدم ما تبقى له من أعضاء في جسده يمكن استخدامها، ولقلتها فإنه وجد فمه، حيث يقوم بالرسم عبر استخدام الريشة من خلال فمه. ويلاحظ المتابع لرسوماته أنه يحب الطبيعة ويعشق الطيور والزهور. فهي حاضرة في غالبية لوحاته ورسوماته. لا استغرب ذلك لأن الطبيعة السويدية والاسكندنافية بسكل عام طبيعة خلابة وساحرة، تلهم الرسامين وتجعلهم يبدعون رسماً.

عن عشقه للطيور والطبيعة يقول هشام دغيم: “أحب أن أرسم الطبيعة بشكل عام. وأركز على رسم الطيور، حيث أن الطيور والحيوانات موجودة في الكثير من لوحاتي. أرى نفسي دائما في الطيور فهي تعبر عن روحي الحرة الهائمة. تذهب وتسافر أينما شاءت بلا حدود. كذلك بالنسبة للحيوانات،  رسمهم دائما يمنحني شعورا بالحرية”.

وبين الطبيعة السويدية الساحرة لا تغيب عن بال هشام دغيم طبيعة الصفصاف والجليل وفلسطين الساحرة أيضاً. فهو يرسمها ويرسم بيت جده في المخيم وربما في الصفصاف، كما أنه يرسم مساجد القدس ومقدساتها.

عن حياته بعد الحادث المؤسف الذي حصل معه تحدث هشام في مقابلة صحفية نادرة اجراها مع موقع مجلة “إطار فني” في ربيع سنة ٢٠٢١. قال هشام أنه لم يكن رساماً قبل الحادث كما أنه لم يمارس الرسم بعد الحادث فوراً. لكن والده الذي كان حريصا عليه كل الحرص أدخله  فترة علاج تأهيل ما يقارب الخمس سنوات في لندن. يؤكد هشام أنها كانت وكان الهدف منها هو إعادة تأهيله لممارسة حياته من جديد وباسلوب يتكيف مع حالته الجديدة، وبغية التأقلم معها. يضيف هشام أن والده بعد فترة حاول تعليمه شيئاً مفيداً، ثم قام بإدخال الرسم إلى حياته. عن هذا يقول:”بدأت بشكل بسيط جداً وكنت أتطور مع مرور الوقت”.

واضح من كلام هشام دغيم أنه انسان صبور وقوي وتحمل كل الصعاب والواقع الذي فرض نفسه عليه بعد الحادثة. فهو شخص هادئ سلحه رب العالمين بالهدوء والسكينة والصبر والايمان… وفي هذا يقول: “في الواقع انا لم أدخل في صدمة نفسية بعد الحادثة. لقد منحني الله هدوء وسكينة كبيرين… وآمنت بالوضع الجديد الذي وضعني الله فيه وآمنت بأن الله يأخذ من الانسان شيء ويمنحه أشياء أخرى”.

عن صبر وقوة تحمل هشام قال شقيقه حسام: “لقد عشت مع هشام الحادث من بدايته حتى الان، ولكنني لم أشاهد في يوم من الأيام دمعة نزلت من عين هشام… إنه انسان جبار حقا”.

قبل أن تحط به رحاله في السويد كان الفتى هشام مجرد شاب هاو يخربش ويرسم هنا وهناك بأقلام الرصاص، يخط ويرسم أشياء بسيطة. لكن خلال اقامته في السويد وتعلمه على أيدي معلمين وأكاديميين سويديين، استطاع تعلم فن الرسم، والرسم بالفحم ومزج الألوان وتأثيراتها وتحولاتها وتشكلاتها. فهذا يظهر في لوحاته حيث نرى الظل والنور. إذ بالنسبة لهشام دغيم تبقى الطبيعة هي مصدر إلهامه ومنبع فنه المميز.

خلال حديثه عن تجربته وعمله إشتكى هشام دغيم من معاناة بدأت تظهر عنده بسبب الرسم والتركيز في العمل خلال عملية رسم لوحاته، التي بدورها تتطلب تركيزاً شديداً. إذ بدأ يضعف نظره وصار عنده آلام مزمنة في رقبته. كما أنه لم ينسَ أن يشرح للقارئ الصعوبات التي كانت ولازالت تواجهه خلال عمله ومنها مثلاً، اعتماده خلال الرسم على نظارة وعلى ريشة أطول من الريشة العادية لأن الريشة القصيرة سببت له آلاماً في الفم والرقبة. كما انه بدأ لاحقاً يعتمد على استخدام طاولات بتصميمات معينة تناسب وضعه الصحي وحالته بشكل خاص، حيث يمكنه الاتكاء عليها في مواضع معينة، فهو بطبيعة الحال لا يستطيع المكوث طويلا في الرسم. لأن البقاء لفترة طويلة على تلك الوضعية يسبب له الألم. وقال هشام أن استخدام الريشة بالفم تسبب له بكسور في الأسنان.

كنت قبل سنوات نشرت في موقع الصفصاف قصيدة للشاعر الأستاذ الراحل محمد دغيم أهداها لنجله الفنان هشام. يقول في مقطع اختتم به قصيدته الهشامية: :

” بِـفـمِـكَ حَــفـَـرتَ فــرسـمـت َ صُــورًا

وأبدعـتَ بالفـن ِ والتـلـوين ا لمـتعــددِ

فـغـدوت فـنـا نـًا بالـرســم مُـبـدعـًا

يُـشـار إلـيك بـالـبـنان غـالـيًا يـا ولـدي

وضـربــت لـنـا مـثـلا ً يُـحــتـذى بـه

في الـسـويـد نـمـوذجـًا لـكـفـاح بـلـدي

إيـمانـُكَ وصَـبـرُكَ وإبداعُـك مَـفـخـرتي

أبـاركُ تـعـامـلـكَ مـع الإعـاقـةِ بـتـوددِ”.

تحية واحترام وتقدير من صفحة أهل الصفصاف للفنان الصفصافي المُقعد، هشام محمد عبدالله دغيم، المقيم في السويد، والذي يرسم بفمه بسبب شلل أصاب أطرافه. والرمة والغفران لروح والده العصامي الشاعر والمربي الراحل محمد عبدالله دغيم. وأنا وموقع الصفصاف تشرفنا الكتابة عن الفنان المميز، الذي يتمتع بإرادة الحياة وحب التطور والتقدم والنجاح بالرغم من وضعه الصحي الصعب جدا.

نضال حمد كتبت في: 09-02-2015

وتم تعديلها في الثالث من كانون الثاني 2022