هل يجرؤ من أباح الدم على حقنه؟ – د. عادل سماره

حين يغيب الجامعان، غبي من يشعر بالأمان
ليكن نزار بنات آخر من خُدع بخبث مناحيم بيجن
هل يجرؤ من أباح الدم على حقنه؟
د. عادل سماره

الجامعان:

يُدرك الصهاينة أكثر منَّا بأن ما يجمعنا هو العروبة وبأن تسميات عراقي، سوري مصري مغربي هي حصيلة التجزئة الإمبريالية الغربية لهذا الوطن لخلق هويات مصطنعة وشكلانية هوت إلى أصغر منزلة عشرية. وعليه، فحين تسمع اي عربي يكتفي بكونه عراقي،  يمني، لبناني…الخ فعليك أن تدرك أنه مضروب هوياتياً وهذا ما نراه لدى الأغلبية الساحقة.
هنا تظهر خديعة الملك، الرئيس الشيخ الحاكم الأمير، ثم الراية والسجادة الحمراء…الخ من المظاهر. ولكن هذا التفكيك أصر على الاحتفاظ بوزارات الداخلية والتنسيق بين مخابراتها وقيام جهاز مخابرات نظام قُطري بإنشاء وتدريب جهازا لنظام قُطري آخر، وكل هذا بسيطرة وتوجيه مخابرات الغرب كقيادة للثورة المضادة جميعها.  ومن نافلة القول بأن الإجهاز على العروبة كان شرطه حروبا بينية عربية وفي ذيل الأعداء وخاصة على يد إرهاب الدين السياسي وليد الاستشراق الإرهابي.
لا تقل بأنني أبالغ أو أقول شعراً. فكل نظام رضي بالتجزئة اي بقتل الوطن العربي وتوزيعه قطعا وقبل بأن يعينه/يُنصِّبه الغرب واستمر في علاقات بالغرب هوعدو للأمة بلا موارية.
ومع ذلك لم يكتفِ الأعداء بأول طبعة في التجزئة، بل عملوا منذ عقود على تفكيك السودان ب عربي وغير عربي، والمغارب بين عربي وأمازيغي ومصر بين عربي ونوبي وبين يمني جنوبي وشمالي وبين حوثي وشافعي وزيدي ناهيك عن استغلال الأديان…الخ. هذا إلى أن كان الربيع/الخريف المسمى “العربي” وهو صناعة الاستشراق الإرهابي. هذا الحدث الذي أشعل كل شبر ضد كل شبر في الوطن العربي وتم إطلاق وجوب التجزئة مجدداً وبلا مواربة. وإذا لم يتم صد كل هذا فسنصل مرحلة “القرية/الدولة” والعشيرة/الشعب.
إذن باختصار، هُدم الجامع الأكبر اي العروبة  ولم تتوقف معاول هدمه بعد.
أما من حيث الشعور بالأمان، فإن استمرار التجزئة، أي انتصار أدوات التجزئة هو الذي يفسر أن كل نظام في هذا الوطن يقوم بحرب أهلية ضد من يحكمهم.حرب أهلية متواصلة. وخطورة هذه الحرب في أنها قليلة الكلفة. فليس المطلوب سوى بضعة مثقفين وبضعة “زعماء تقليديين و/أو طائفيين” واليوم كمبرادور بالطبع وتذخيرهم ببعض المال وتضخيم الذات القطرية أو الإثنية أو الطائفية أو الدينية الجهوية حتى يزعموا أن لهم حق الاستدوال. لذا، في هذا المناخ، كل عروبي مهدد بالقتل مهما تنوعت أشكال القتل طبعاً.
في الحالة الفلسطينية يغيب الجامع العروبي ويغيب حتى الجامع القطري المحلي والمُضحك أن كثرين يستعيدون “الدولة القطرية العربية هنا ولكن في الهواء حيث لا أرضا لديهم” .
فمنذ 1948 جرى تدمير الحيز الجغرافي والطبقي والسياسي والثقافي والاقتصادي والديمغرافي. وعليه، فإذا كان كونك فلسطيني او عراقي أو مصري لا يكفي، فكيف حين تكون أنت شتاتا أشتاتا في أربعة أركان الأرض؟ فلا الذي حصل لفلسطين مجرد تطهير عرقي ولا تمييز او فصل عنصري بل مشروع إهلاك.
وكل فلسطيني يتعاطى مع هذا المشروع هو مشروع قاتل وكل من يرفضه هو مشروع قتيل.
كانت م.ت.ف ، بل زعمت أنها مظلة قطرية للفلسطينيين لكنها انكشفت عن منظمة تنافع ذاتي وتخادم للأنظمة العربية وانتهت متخادمة  مع الكيان بل خادمة له.
بكلام آخر، اتضح باكرا أن هذه المنظمة ليست مشروع تحرير ابداً، وهو ما فهمته باكراً وكان الطلاق معها. وانتهت كشركة سياسية طبقية هوت إلى صفقة “أوسلو-ستان”.
أما خطورة هذا، فإن هذه المنظمة التي كانت تشكل، “صحيح أم غلط” المظلة/الجامع الوطني السياسي للفلسطينيين قد أحرقت المظلة نفسها فانتهى ما يجمع الفلسطينيين وبات الجميع في العراء وتحت المطر عرايا ومع ذلك يزعم كثيرون/ات بأنهم يلتحفون عشرات اذرع القماش!!!
فلا هم على أرض واحدة ولا مصدر عيشهم واحد ولا بنيتهم الطبقية واحدة ولا حتى ثقافتهم “إن صح أن هناك ثقافة قطرية” واحدة. فذهبنا أو تفرقنا “أيدي سبا- مأخوذة عن انهدام سد مأرب”. ولذا، تجد فلسطيني مع دولتين، وفلسطيني مع دولة واحدة وفلسطينية مع دولة مع المستوطنين، وفلسطيني يطالب  بالذوبان في الكيان بلا تمثيل  اي فقط الحصول على جنسية الكيان وانتهى الأمر.
هذا ما قصدته بالجامعين: أي العروبي والداخلي الفلسطيني.
لذا، حين ينتقد نزار بنات هذا الحال الفلسطيني يجب ان يموت. ومن قبله قُتل ناجي العلي، وحوكم عبد الستار قاسم ورحل قبل أن يحضر الجلسة الأخيرة، وطُلب الشهيد باسل الأعرج للمحاكمة بعد استشهاده.

 

خديعة الليكود:

لعلها من قبيل المفارقة أن مناحيم بيجن قد خدع العربين في فلسطين على الأقل:
·         العرب اليهود حيث انتخبوه وانخرطوا في الليكود أو لصالح الليكود فوصل السلطة في الكيان ولم تفلت من يده بغض النظر عن الشخوص واسماء الأحزاب ولكنه رغم ذلك تمكن من تطويع اليهود العرب بأن يبقوا درجة ثانية تحت الإشكناز ويشعروا بالرضى!. فالليكود هو الذي نقل الكيان من:
o       دولة كل اليهود إلى دولة طبقة بل إثنية
o       ومن أكذوبة الاشتراكية والكيبوتصات إلى دولة راس المال المالي الاحتكاري
·        والفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة نفسها وخاصة الاحتلال الثاني 1967.
دعك من العرب اليهود.
كانت حكومات حزب العمل الصهيوني تمنع على الفلسطينيين حتى كتابة نعي لشهيد أو أي إعلان صحفي سياسي. لذا، كان كل شيء سِرِّياً، ولذا كان أكثر الشغل الثوري نظيفاً.
مع مجيء الليكود جرى تغيير أخرج الناس من السر إلى العلن!  وترافق مع هذا مشروع الاستدوال. صار بوسعك نعي شهيد من تنظيمك، أو زيارة علنية لأسير محرر من تنظيمك وتهنئة من التنظيم بخروج الأسير  والحديث عن مؤيدين علنيين ل م.ت.ف …الخ كل هذا في الصحف طبعاً،  وتكونت لجنة التوجيه الوطني كجسم وسيط بين الاحتلال وقيادة م.ت.ف في الخارج، اسماها أحد الصهاينة ب المنطقة العازلة بين الكيان و م.ت.ف  The Buffer Zone. باختصار، صار النضال علنيا تحت احتلال يحتل حتى القبور! بعض رموز هذا اللجنة طارت في رؤوسهم فأخذوا يكتبون عن “دولة من الكيان وكل الشام”.
ولم يكن للكيان ليصير علنيا لولا القابلية من الفصائل والقوى الفلسطينية لذلك لأن قيادتها اكتشفت، وربما كانت تعرف مسبقاً،  أنها أقل من مستوى التحرير فلا بد من المساومة، ولذا، فإن كل ما قمنا به لم يُنتج في السوق سوى “حكماً ذاتياً”! لا تحزنوا.
اذكر عام 1976 وكنت قد وقعت  في دور في الجبهة الديمقراطية/حواتمة (وهذا سيوضح في مذكراتي) كان الراحل بشير البرغوثي، أمين عام الحزب الشيوعي/الشعب لاحقاً  يعود من الشام برسالة من حواتمة كي ننسق معاً وأن أحضر لقاءات معه ومع الراحلين كريم خلف وبسام الشكعة وأم خليل…الخ. وكنت أقول له: أنا لست في هذا التنظيم، وحواتمة لا يقول الصحيح، إلى أن تركت هذا التنظيم 1977. لم أستسغ أي نضال حقيقي علني تحت احتلال.
إذن كان التأسيس للعلنية ليكودياً بامتياز، وتم التعلق بهذا أكثر بعد هزيمة المقاومة في لبنان وخروجها إلى شتات العرب من تونس إلى اليمن مما قاد إلى استلحام قيادة المنظمة على تسوية ايا كانت، ولذا توقعت أن تعترف المنظمة بالكيان.  وهذا ما ولَّد أوسلو، والتي رغم الكتب والمجلدات عنها سياسيا واقتصاديا وقانونيا…الخ كل هذا روث. أوسلو جملة واحدة:

الكيان: هناك انتفاضة في الضفة والقطاع وستخلق قيادة جديدة بديلة لكم والخيار أن نُدخلكم نحن إلى هناك على أن تنسقوا معنا كل شيء وخاصة حماية أمننا.

القيادة: موافقون.

لذا، لم يكن الأمر فقط في التنسيق الأمني بل التنسيق في كل شيء. هذا ما رفض أن يفهمه الشهيد نزار بنات حيث كان ينتقد وفي خلفية تفكيره ، رغم التهديدات، بأن ذلك مستبعد إلى أن تم التنسيق لاغتياله في منطقة تحت سيطرة الكيان.
وهذا يعني أن اسماء كل من شارك في الهجوم ومن طلب إذن الدخول من العدو ومن وضع القرار جميعها لدى الإحتلال. سيكون مضحكاً والله  حينما يقرر الاحتلال نشر كل تفاصيل الغزوة .

وجهة نظر

سألتني قناة فلسطين اليوم ظهر أمس 24 حزيران 2021 عن اغتيال نزار، ولكن البث كان مهلهلاً، فصار من المفيد الإدلاء برايي في الأمر. وفي المساء لفت نظري بيان عائلة الشهيد، وخاصة أنهم يعرفون بعض القتلة، وكذلك شراء ثلاجة ليبقى جثمان نزار فيها إلى أن يُعرف القاتل.! وكأن أهل الشهيد يستذكرون ويتمثلون قول احمد شوقي في الشهيد عمر المختار:
“ركزوا رُفاتك في الرمال لواءَ….يستنهض الوادي صباح مساءِ”
وهذا يتطلَّب بعض الصدق والعقلاء بحيث تقوم السلطة بالاعتراف بما اقترفت كمدخل لحقن الدم.  هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالمشهد كما يلي:

أولاً: إن الوضع الطبيعي هو استدعاء من يُعتقد وجوب استدعائه، أما الاعتقال في الليل والاعتداء على الرجل بوحشية وأمام أهله وبشكل جماعي فهذا يؤكد أن الاعتقال في الليل يحتمل قرارا مسبقاً بالقتل.

ثانياً: لماذا لم تتم محكامة نزار على ما قاله كثيرا ومعظم أقواله تندرج في باب قانوني (انا طبعا لا أؤمن باي قانون لأنه لمن صاغوه)  يؤكد قرار القتل، لأنه حسب هذا القانون هناك قدح وذم وشتم…الخ ويمكن سجنه لسنة أو أكثر. وطالما هو في السجن فإن شتم هذا او ذاك لا يعود مسموعاً . أما جريمة أمس فاسمعت الشتائم لكل الدنيا وعلانية في الشوارع!!! إذن لماذا لم يُسجن؟ هل هذا لإسكات الناس؟

ثالثاً: توقعت أن يقود الأمر إلى فتنة سوداء على المستوى الاجتماعي، وللأسف لاحظت هذا في بيان أهله وشراء ثلاجة للجثمان. وحين تتجه الأمور نحو الثأر، لا ضابط لها للأسف مرة أخرى. وهل ينكر أحد أن أهم اسباب عدم المصالحة في غزة هو القتل على أيدي من يعرفون بعضهم وبأوامر قادتهم من الطرفين؟ وهذا يستدعي شجاعة التدارك بالإقرار بالحق.

رابعاً: قد يكون أمر الاعتقال دون توجيه بالقتل، وقد يكون لمن قال بالقتل إما حقد شخصي أو توجيه من طرف يقصد ضرب الناس ببعضها ثأرياً، حيث لا موجب للقتل! ومن ينكر أن أصابع العدو في أنوفنا. وعلى اية حال فهذا النمط  من القتل مطبوع بثقافة القتل الأمريكي الأبيض ضد الأفارقة.

خامساً: سعيد الاحتلال لأن هذه الجريمة غطت على كافة جرائم الاحتلال ضد شعبنا وقدمت له ذخيرة هامة وهي بقوله: “حتى ونحن نقتل نكون في دفاع عن أنفسنا أمام همج فلسطينيين يقتلون بعضهم على مجرد كلمات”.

سادساً: هذا سيهلهل ويخلخل وينفِّر التضامن الدولي والعربي معنا ليمسح ، ما أمكن، بهجة انتصار الوطن في ايار من حيفا إلى غزة إلى الشيخ جراح.

سابعاً: هذا القتل مقصود به ركل  “المصالحة” الفلسطينية بعيدا لسنوات، ولكن من الذي قصد هذا؟ الآمر، المأمور، أم هناك مأمور مزدج؟

ثامنا: من الاستهتار بعقول الناس الحديث عن لجنة تحقيق، وكل من يتفاعل معها هو متواطىء لأن الجريمة واضحة، حتى دون تقرير طبيب شرعي، واي منظمة “حقوق إنسان” تشارك في هذا التحقيق هي أنجزة موضوفة. ذلك لأن الصحيح بوضوح: أن تأتي السلطة لأهل الشهيد اي للشعب وتعترف بأنها هي القاتلة وبأنها تعرف القاتل/ين وستعلن ذلك قريباً، وهذا المانع الوحيد لحقن الدم وانتزاع الرغبة في الثأر وخاصة أن بيان أهل الشهيد يشير إلى معرفة بعض القتلة.

تاسعاً : إن اي لقاء للفصائل قبل حسم قضية القتل هو تواطؤ واضح بل ربما وراء القتل إعاقة اية استحقاقات للمصالحة ورتق الانقسام الذي لن يُرتق.

عاشراً: من رغب من بقايا م.ت.ف في نضال حقيقي فليُخرج ممثله في اللجنة التنفيذية إلى محور المقاومة ولتتشكل جبهة وطنية موحدة في محور المقاومة فقط، ومن لديه تحفظات على هذا المحور فلينشىء ما هو أفضل وسنكون جنودا له. لقد انتهى تاريخ م.ت.ف واصبحت حالة إنسداد . كيف يجلس فلسطيني على مقعد اليوم كان يجلس عليه بالأمس ليكودي في مقر م.ت.ف! وفي الأرض المحتلة فليناضل كل كما يرى على أن يتصدى الناس لأكذوبة المقاومة السلمية المندسة على اشكال عدة ومنها المأنجزة. فكيف تمول الثورة المضادة أناساً يفكرون مجرد تفكير ضد الكيان.

 

كنعان