وحروب الدفاع الوطنية … قاطرات للتاريخ – عادل سماره

“الثورات قاطرات التاريخ-ماركس” ، تختصر الزمن، تُسرِّعه وتقود إلى تغييرات حاسمة في الواقع الاجتماعي لم تكن لتحصل لو بقي وقع الحياة على روتينها البطيىء والعادي والمتصالح. لكن الحروب الوطنية هي قاطرات للتاريخ ايضاً، كما ان المقاومة قاطرات للتاريخ.

فحرب الدفاع الوطنية الروسية اليوم تقود إلى تغييرات جذرية في علاقات عالم اليوم  بَانَ بعضها وسيبين البعض الآخر. وسواء كان هذا الأمر قيد التخطيط أم هو نتيجة للدفاع بالضرورة، يبقى الأهم أنه حدثٌ مؤثر لا عابر.

ليس بالأمر البسيط ان تجد البشرية نفسها اليوم أمام انكشاف الهالة الغربية اللبرالية “الديمقراطية” وقد تهالكت لتَبيْنَ عن بلاغة  أحاطها الكذب والتزييف. فمن كان يعتقد أن الغرب”مؤسسة هائلة في فبركة الأكاذيب”؟

كيف ينحط ذلك الجهاز الإعلامي الهيولي إلى سرقة صورة لطفلة فلسطينية تقارع جندي صهيوني ليزعم أنها طفلة أوكرانية، أو اختراع “شبح كييف” ثم الاعتذار عنه.

في حرب تحرير العراق للكويت 2 آب 1990  انطلت على  العالم أكذوبة أن العراقيين كانوا يسحبون الأكسجين عن الأطفال الخُدّج في الكويت، في حين أن العراق لم يكن مضطراً للانتقام لأنه دخل دون مقاومة وهرب “الأمير” لِخِدنِ أوَّل نظام/طبقة طبَّعا مع الكيان واصطفا في خدمة الإمبريالية ضد الشعب والأمة والتقدم.

كشفت هذه الحرب فزاعة هائلة عمرها قرابة ثمانية عقود عن المحرقة النازية ضد اليهود. لم ينتبه كثيرون في العالم أن الولايات المتحدة امتصت و شطفت العديد من جنرالات الجيش النازي بعد الحرب الإمبريالية الثانية بل وشطفت كثيراً  من العلماء والخبراء والفلاسفة والأكاديميين النازيين ومع ذلك بقي لدى العالم الاقتناع بأن امريكا تطارد النازيين كما يطاردهم الكيان نفسه وبقي كل من يكتب على حذر المرتعب كي لا يقع في ما يسمى “اللاسامية”.

أما حرب الدفاع الروسية هذه فكشفت عن تحالف عميق بين النازيين الجدد ويهود أوكرانيا والشوفينيين الأوكران. بل وكشفت أكثر عن تيارات “النازية الجديدة” في أوروبا والتي لم يتنبه كثير من الناس بأنها تعمل علانية في الغرب “اللبرالي الديمقراطي المعادي للنازية”!.

 كيف يتحالف هؤلاء معاً!  هذا أمر مباغت، إنه انحطاط الديالكتيك حيث الأقطاب المفترض أنها متناقضة بالمطلق هي متحالفة تماما، “وحدة وتحالف الأضداد” إنه ديالكتيك القاع، الديالكتيك الأسود.

وكشفت هذه الحرب شكلانية الاعتقاد السائد في المحيط عن الغرب بأن عنصريته من حيث اللون هي طابعه وسبب عدائه السياسي لكل من ليس أبيضاً، بينما الحقيقة أن الأمر أعمق من شكليات اللون، إنها المصالح الاقتصادية في:

·        استغلال المحيط منذ قرون، نهب فائض القيمة التاريخي كما وضع الراحل  أنور عبد الملك.

·        ومواصلة امتصاص  ثروات المحيط عبر التبادل اللامتكافىء كما وضع إرجيري إيمانويل وطوّره سمير أمين إلى التطور اللامتكافىء.

·        وكما نراه اليوم على شكل اقتصاد التساقط المعولم عبر بنية القطاع العام الرأسمالي المعولم.

إنه القلق على هذه كلها وهي هائلة والإصرار على البقاء على قمة  العالم كقوة استغلال ونهب واحتجاز تطور مختلف الأمم.

كما كشفت عن تحدِّ وتهديد لروسيا نفسها مما قد يرغمها على أن تتحول إلى راسمالية مختلفة عن نظيرتها الغربية وقد يقودها إلى ما يقارب التنمية بالحماية الشعبية وفك الارتباط وربما ابعد.

 وعن روسيا نفسها اتضح  تورط النظام الروسي في الكثير من السلبيات:

·        إقتراح بوتين دخول الناتو ورفض الغرب ذلك

·        إيداع أرصدة احتياط عملة صعبة لروسيا في الغرب

·         تسهيل خروج كثير من الأوليغارش الروس إلى الغرب/بريطانيا، والشرق التابع المتصهين/الإمارات العربية المتحدة تلافياً لاستفزاز أنصارهم اللبراليين المتغربنين والذين يتحكمون بعنق روسيا منذ يلتسين.

·        وقف إنتاج الطائرات المدنية المحلية واستئجار او شراء طائرات غربية.

·        وطبعاً الانخراط في منظمة التجارة العالمية التي هي طبعة غربية.

كما كشفت هذه الحرب عن ميزات نسبية لروسيا منها الطبيعي ومنها المقصود بتخطيط.

صحيح أن روسيا ركزت على عوامل الصمود والدفاع في الحروب وخاصة تطوير بنيتها الدفاعية من الأسلحة.

ولكن روسيا طبقاً لطبيعتها حازت على إنتاج المواد الغذائية  وخاصة القمح كحاجة عالمية وكذلك الطاقة، وبالتالي بين ما قصدت تطويره وبين ما هو موهوبية ثرواتية تسلحت لنمط الحرب الحالية كحرب ريعية. وإذا ما أُعتُبر ضعفاً روسياً أي بنية اقتصادها الريعية، فإذا هي نقاط قوة في الطبيعة الجارية لحربها الدفاعية  وهذا بالطبع كشف ايضا أنه هو نفسه ، الطاقة والقمح وغيرها ، محط اطماع الغرب في تفكيك روسيا ونهبها ومنع نهوضها.

كشفت هذه الحرب بأن الاعتماد  الدولي المتبادل لا يستقيم بين أنظمة راسمالية فكما قال ماركس “قلَّما يتآخى اللصوص” ولا أدلُّ على ذلك من الحرب الاقتصادية الجارية اليوم. فبعد أن قررت روسيا الانخراط عميقاً في النظام الراسمالي العالمي  وجدت نفسها تخضع لحرب إقتصادية تكسر الاعتماد المتبادل  وتخرق الاتفاقات ، فاضطرت لحرب الردع الاقتصادية ليجد العالم نفسه  في الحرب الدولية المتبادلة ولتسقط أكذوبة أن العالم قرية وادعة
منسجمة واحدة.

كشفت هذه الحرب ان بوسع روسيا وقاية نفسها من الاحتكار المضاد إلى جانب قوتها في احتكار ما لديها وخاصة ثلاثي الطاقة والقمح والسلاح. لم يكن خافياً أن الغرب كان يخطط لتطوير طاقة بديلة للطاقة الروسية، فقامت روسيا بحرب الدفاع استباقيا كي لا تفقد الميزة النسبية لما لديها من  مقومات الاحتكار.

محاولات الغرب التوقف عن استيراد الطاقة الروسية  ليست وليدة هذه الأزمة ولن تنتهي بانتهائها  وهذا سيعزز اعتماد الغرب على بلدان من المحيط، فهل سيستغل هؤلاء هذا الأمر ويقوون احتكارهم أم ستنفرد بهم الإمبريالية فيخرجوا  حتى من هذا “بتقشير البصل”؟

في فترة استخدام الشوام للطربوش كان شخص واحد يحتكر إنتاج طرابيشاً للرؤوس الكبيرة فاحتكر السعر، فلجأ احد الزبائن لكسر هذا بالاحتكار المضاد حيث قرر اعتمار الكوفية.

لعل المشهد المعيب هو المشهد السياسي الرسمي العربي الذي يصطف إلى جانب العدوان الغربي سواء بمشاركة البعض في تجمع الأربعين لمحاربة روسيا بمساعدة أوكرانيا حربياً، أو بعقد صفقات محروقات مع دول أوروبية سواء بشكل علني أو خلسة وبنسبٍ طِبقاً لإمكاناتها، هذا رغم مواقف روسيا إما الصديقة للعرب وإما غير المعادية. ويبقى على انظمة دول المحيط الأخرى أن تنتهز فرصة الحاجة الغربية فتحتكر ما لديها من محروقات وتستثمره في تنمية ما.

أظهرت هذه الحرب هشاشة وتمريغ أنف الكبرياء الغربية المزجَّجة في وحل :

·        التبعية عنوة للولايات المتحدة

·        والدخول في تناقضات ومماحكات فيما بينها. فالبعض أعلن خضوعه للإستيراد  بالروبل: المجر وسلوفاكيا. والبعض أرغى وازبد وعاد للخضوع حالة ألمانيا، والبعض يطوف الوطن العربي  المسمى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليشتري قليلا من هنا وقليلا من هناك ليغطي حاجة عجزه، والبعض يلتف بالدفع عبر شركة غازبروم الروسية، ولا شك أن البعض يلتف بطرق أكثر وضاعةً. أما الولايات المتحدة فتتجه للاستيراد أكثر من الصين حيث المنتجات أقل سعراً لرشوة شارعها المتململ.

قد تنشأ عن هذه الأشكال الجديدة من التبادل استقطابات جديدة.

صحيح أن عالم متعدد الأقطاب قد تبلور حتى قبل هذه الحرب التي كرسته، ولكن  استقطابات جديدة قد تنشأ عن هذه الحرب. ولعل العلاقات المتطورة بين روسيا والصين والهند سوف تستجلب معها عدداً من بلدان المحيط ذات التوجه الاستقلالي الفعلي علاوة على فنزويلا وكوبا وإيران ليتحول العالم بالعموم مجدداً إلى قطبين: شرق وغرب وهذا قد يعرقل الدور والسطوة المعولمة للشركات الغربية مما يُؤزِّم المركز الإمبريالي اكثر لا سيما حين يصل التحدي وتقليم أظافر الربح إلى الشركات الكبرى بما هي حاكمة الأنظمة.

ومجدداً يبقى السؤال: ما هي الآلية أو القوة الثورية التي  ترغم الأنظمة العربية على انتهاج وطنية ما مستغلة مأزق العدو الإمبريالي!

حتى الآن، ما هو حاصل العكس، فالعراق، إن صحت الأنباء، يزود أوكرانيا بالأسلحة السوفييتية التي في حوزته، ومصر تميل أكثر لصالح أوكرانيا وكلا النظامين مأمورين أمريكياً، وقطر والمغرب وتونس والأردن تشارك تحالف أربعين نظامٍ يصطفون ضد روسيا! لعل هذا يؤكد بان التابع يحافظ على دور ذيلي لسيده أكثر من حفاظ السيد بذاته لذاته.

تختلف بالطبع تبعية الكيان للإمبريالية عن تبعية الأنظمة العربية. فالكيان منتوج إمبريالي بالكامل بينما الأنظمة العربية وحدها لا الأمة منتوجاً إمبريالياً. لذا، يمكن فهم انحياز الكيان للإمبريالية رغم علاقة روسيا الجديدة به. فلا شك أن الكيان يرى التراجع التدريجي للإمبريالية
لكنه يعلم أن القطبيات الجديدة لن تقف، أو ليست مضطرة أن تحتويه وتنحاز له كما تفعل الإمبرياليات الغربية. وإذا كان الكيان قد قفز سريعا من الحضن الإمبريالي البريطاني المتهاك إثر الحرب الإمبريالية الثانية، إلى الحضن الأمريكي الصاعد حينها، فهو ليس على يقين بان الصين ستوفر له كل ذلك الدفىء.

ولأن لا شيء ثابت في السياسة غير المصالح، فإن تهالك وتهافت الأنظمة العربية وقمعها للأمة، وتطبيعها مع الكيان الصهيوني قد يكرر ماساة دعم الاتحاد السوفييتي السابق للمشروع الصهيوني، ولكن هذه المرة بدور صيني.
نقول ربما! ما مِن أحد يحترم الضعيف لا سيما إذا كان خائنا لنفسه