وعد بلفور – وتقرير لجنة كامبل 1907 – علي حتر..

(للقراءة والفهم وليس للاحتجاج في ذكرى وعد بلفور)

2 تشريت الثاني (نوفمبر)  1917

قرن كامل مر على تعهد بريطانيا لتحقيق طلب الدول الاستعمارية بتمزيق منطقة شرق وجنوب المتوسط.. بمنع الشعب فيها من تهديد مصالح الاستعمار، وتفتيته حتى لا يقف فقراؤه متحدين أو متعاونين أو مندمجين، في مواجهة تلك المصالح.. وأفضل طريقة رآها هؤلاء المستعمرون عام 1907 لتحقيق ذلك، هي زراعة دولة في وسط المنطقة، فكانت إسرائيل!!!

وعد بلفور يجب أن يُفْهم على حقيقته..

هو ليس حربا صليبية..

هو ليس موجها ضد سكان الآرض المغتصبة فقط.. الذين فُصلوا لؤما عن أمتهم حتى يتصدوا وحدهم في الميدان لعدو قوي يدعمه كل الرأسماليين.. من الاستعمار ومن أمتهم.. وكل الزعماء العرب المعينين بعد مؤامرة سايكس بيكو على بلاد الشام، وكل التجار الكمبرادور المستفيدين من المصالح الغربية في المنطقة!!

.

أي أنه باختصار: هو جزء من حرب رأسمالية لحماية مصالح الدول الاستعمارية التي اتَّحَدَتْ لمنع أي خطر تتعرض له مصالحها الاستعمارية في المنطقة، بالتحالف مع طبقة الكمبرادور الوكيلة والخونة في المنطقة، ضد فقراء المنطقة، في ما يسمى بالدول العربية شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط..!!

قضية المنطقة المسماة (بخبث ودهاء وسوء نية) قضية فلسطين لم تبدأ مع وعد بلفور، بل بدأت بمؤتمر خبراء الاستعمار الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا واسبانيا وإيطاليا بين عامي 1905 و1907، حيث اتفقت هذه الدول مجتمعة (والبرتغال) على ضرورة تفتيت منطقة شرق وجنوب المتوسط، (كما ورد في تقرير كامبل.بانرمان عام1907 الذي أعدته لجنة كانت مكلفة بالبحث في أحسن طريقة للقضاء على الخطر الوحيد حينذاك، الذي تمثله الأمة العربية إذا اتّحدتْ،)

ووجدت هذه الدول الاستعمارية مجتمعة، قبل وعد بلفور بعشر سنوات، أن أفضل الحلول هو زرع دولة غريبة في المنطقة، لضمان تفتيت المنطقة ومنع الأمة من الاتحاد عمليا أو فكريا، وكان خيارها أن توافق لليهود ، أن يكونوا هم الدولة المزروعة، لمنع الاتحاد العملي للمنطقة، حيث كان هؤلاء اليهود يبحثون عن وطن يجمعون فيه أبناء دينهم ليشكلوا منهم دولة.. وجاء وعد بلفور حين التقت مصالحهم جميعا  بالموافقة على أن تكون فلسطين وطنا قوميا لليهود، أي أنهم لم يستهدفوا أبناء فلسطين،  بل استهدفونا جميعا..

الوثيقة هي كتيب يحمل اسم سفارة أمريكا في تل أبيب وقنصليتها في القدس.. وعنوانه: “تعلم تاريخ الواحد الآخر للفلسطينيين والإسرائيليين”

LEARNING EACH OTHER’S HISTORICAL NARRATIVE:

Palestinians and Israelis

وكتب على الصفحة الثانية من الكتيب:

This project and publication of this booklet have been made possible by:

The Public Affairs Offices of:

The United States Embassy, Tel Aviv,

The United States Consulate General, Jerusalem.

The Wye River Foundation.

وهذه الوثيقة تقول، تحت عنوان “تقسيم الشرق العربي“:

“لقد دعت الإمبريالية البريطانية إلى تشكيل لجنة عليا من سبع دول أوروبية. التقرير الذي قدم عام 1907 إلى رئيس الوزراء البريطاني كامبل.بانرمان وأكد على أن الدول العربية والعرب المسلمين الذين يعيشون في الامبراطورية العثمانية شكلوا تهديدا حقيقيا للدول الأوروبية، وأوصى التقرير بما يلي (الترجمة حرفية):

1.     التقسيم والتفتيت والفصل في المنطقة

2.     إنشاء كيانات سياسية مصطنعة تكون تحت سيطرة الدول الإمبريالية

محاربة أي نوع من الوحدة سواء كانت فكرية، دينية أو تاريخية واتخاذ الأجراءات العملية لتقسيم سكان المنطقة تقرير لجنة بانرمان.كامبل 1907:

ومن أجل تحقيق هذا، فقد أوصي بإنشاء دولة فاصلة “BUFFER STATE” في فلسطين يسكنها كيان، عدو لجيرانه وصديق للدول الأوروبية ومصالحها”

وحتى نفهم الأبعاد الكاملة لكل هذا، علينا قراءة ما يلي:

المادة السادسة  من معاهدة كامب ديفيد

– لا تمس هذه المعاهدة ولا يجوز تفسيرها على نحو يمس بحقوق والتزامات الطرفين وفقا لميثاق الأمم المتحدة.

2 – يتعهد الطرفان بأن ينفذا بحسن نيه التزاماتهما الناشئة عن هذه المعاهدة بصرف النظر عن أى فعل أو امتناع عن فعل من جانب طرف آخر وبشكل مستقل عن آية وثيقة خارج هذه المعاهدة.

3- كما يتعهدان بأن يتخذا كافة التدابير اللازمة لكي تنطبق في علاقاتهما آحكام الاتفاقيات المتعددة الأطراف التي يكونان من أطرافها بما في ذلك تقديم الأخطار المناسب للأمن العام للأمم المتحدة وجهات الإيداع الآخرى لمثل هذه الاتفاقيات.

4 – يتعهد الطرفان بعدم الدخول في آي التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة.

5 – مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة يقر الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكونملزمة ونافذة.

المادة 25 من معاهدة وادي عربة

–         25  الحقوق والواجبات:

1-  لا تؤثر هذه المعاهدة ويجب ألا تفسر على أنها تؤثر بأي شكل من الأشكال على حقوق وواجبات الطرفين بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

2-  يتعهد الطرفان بتنفيذ التزاماتهما بموجب هذه الاتفاقية بحسن النية ودون الالتفات إلى الأفعال أو الامتناع عن الأفعال من قبل أي طرف آخر وبشكل مستقل عن أي وثيقة لا تتماشى مع هذه المعاهدة. ولأغراض هذه الفقرة يبين كل طرف للآخر أنه حسب رأيه وتفسيره لا يوجد أي تعارض بين التزاماتهما التعاقدية القائمة وبين هذه المعاهدة.

3-  يتعهد الطرفان أيضا باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتطبيق مواد المعاهدات المتعددة الأطراف التي هما طرفان فيها على علاقتهما بما في ذلك تقديم إشعارات مناسبة للأمين العام للأمم المتحدة وغيره ممن يمارسون مهام الودعاء على المعاهدات الدولية.

4-  سيتخذ الطرفان كل الإجراءات اللازمة لإزالة الإشارات التحقيرية التي تتعلق بالطرف الآخر في المعاهدات المتعددة الأطراف التي هما طرفان فيها إلى الحد الذي توجد فيه إشارات كهذه .

5-  يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة.

6-  مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة في حال تعارض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى ، فإن الالتزامات بموجب هذه المعاهدة ستكون ملزمة وستنفذ.

.

بعد ذلك تأتي معاهدة أوسلو العرفاتية لتكون أخطر هذه المعاهدات وأكثرها اعترافا وتنازلا عن الحقوق للعدو المغتصب لأنها جاءت من قيادة معترف بها لسكان الأرض المغتصبة نفسهم.. لتضفي غطاء شرعيا للاغتصاب!

.

وبدون شك، فإن توصيات لجنة كامبل.بانرمان العليا مهدت الطريق لليهود في فلسطين. وأعطت الموافقة البريطانية للحركة الصهيونية لفصل فلسطين عن الأراضي العربية لإنشاء كيان امبريالي يضمن النفوذ الأجنبي في المنطقة. والمشروع الإمبريالي اليهودي تبع ذلك بخطوات متسارعة.

وكما هو معروف: فإن من أهم صفات القوى الاستعمارية، انتهاز الفرض.. والتصرف في الأوضاع المناشبة.. وهذا ما فعلته الحركة الصهيونية..

تعهدت الحركة الصهيونية للدول الاستعمارية أن تؤدي دور الدولة المزروعة لحماية مصالح تلك الدول، لكن بمجرد ما بدأت عصابات اليهود الصهيونية تتجسد على الأرض، وبمجرد رؤيتها الأنظمة العربية مستعد للتعاون معها فوق الطاولة وتحت الطاولة، ورؤية الكمبرادور العرب يركعون للحصول على وكالات الشركات الأجنبية، ومشاهدة البنوك الدولية تتحكم باقتصاد الدويلات الفقيرة والغنية من دويلات المنطقة، أعلنت هذه الحركة قيام دولة يهودية.. وهو ما يحويه إعلان استقلالها عام 1948.. دولة يهودية.. منذ ذلك التاريخ.. ولم يتكلم أحد من المناقيص الرسميين العرب بالحقيقة حتى لا يغضب عليهم فقراؤهم.. بل ساهموا خلال مائة عام كاملة، بالضغط لإخراس فقرائهم، وإلهائهم بالصراعات الدينية والطائفية والإقليمية وكل أنواع التفتيت، لنيان اقتطاع فلسطين.. (عدا عبد الناصر وبومدين وبعض الآخرين من العرب، وإيران وعبدالله أوجلان من غير العرب)!!!..

.

طبعا، أُذكِّركم هنا أنه، في حين أننا نبكي وندعو على اليهود، ونحزن، ونندب حظوظنا، تحتفل الدول الاستعمارية بعد مائة سنة بنجاحها.. وهو ما فعلته نيابة عنها ثيريزا ماي قبل يومين حين أعلنت بسخرية منا، أنها تفتخر بالاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور، الذي أصدرته حكومتها قبل قرن كامل..

للعلم، حتى هتلر المتهم بعدائه لليهود، شارك في تدريب شبابهم قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها، على الزراعة وأرسلهم إلى فلسطين..

وحتى السلطان عبد الحميد ساعدهم في البدايات على عكس ما يقال عنه..

وحتى أردوغان يتحالف مع المغتصبين..

.

كل ما ذكرْته، يبين بوضوح، أن إنشاء الكيان ليس عملية هجمة دينية على المنطقة، بل هي هجمة استعمارية لاستعمار المنطقة، وكان الدين توظيفا أنتهازيا لاحقا من الحركة الصهيونية.. تمارس يواسطته سيطرتها على المنطقة لتحقي أهداف الاستعمار بالإضافة إلى أهدافها بتجميع اليهود..

وما نراه في سورية والعراق وليبيا واليمن.. براهين على ذلك..

.

مائة عام ليست زمنا طويلا في تاريخ الشعوب.. منذ صدر وعد بلفور حتى اليوم..

.

وعند ذكر ذلك في كتب التاريخ، في المستقبل، سيكتب في أقل من صفحة، إلا عند المؤرخين الأكاديميين..

وقد بدأنا فعلا نرى اختصارا لئيما للتاريخ الذي نعيشه في الكتب التاريخية، في أكثر الدول العربية، حيث يُذكر تاريخ الحكام  الذين فشلوا في كل ما فعلوه، أكثر مما يذكر عن القدس أو عن الاستيطان، لولا نشرات الأخبار التلفازية..!

وحين يذكر، يُذكر وكأنه خاص بالفلسطيين وحدهم.. وأن الحكام الأبطال يتضامنون معهم..

.

سألحق المقال بمقال عنوانه” اليسار ووعد بلفور”