وليد بيك جنبلاط… وذكرياتي مع معركة الجبل
وليد بيك جنبلاط… وذكرياتي مع معركة الجبل وفرن ابو فيصل ، من أوراق ذاكرتي !!!
بقلم حسام الدلكي
شاهدت حلقات وليد بيك جنبلاط في برنامج «شاهد على العصر»، وأستطيع القول، بكل أمانة، إنها من أكثر حلقات البرنامج متعةً وثراءً. فأنا من متابعي هذا البرنامج بشغف منذ سنوات، قبل توقفه ثم عودته، ربما لأنني مولع بقراءة السير الذاتية والمذكرات السياسية.عدا عن أنني احترم هذا الرجل كما اجل والده المناضل القومي العروبي كمال بيك جنبلاط وأحب جدا تلقائيته وجرئته بالكلام الى جانب ثقافته الواسعة .
وكانت قد صدرت قبل أيام مذكرات وليد بيك باللغة الفرنسية في باريس ، وأنا بانتظار صدورها بالعربية لأقتنيها.
وفي سياق استعادته لتلك المرحلة المفصلية، انتقل الحديث إلى محطات أكثر حساسية في تاريخ لبنان الحديث. في الحلقتين التاسعة والعاشرة، تطرق إلى معارك الجبل وسوق الغرب وإسقاط اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، وكان اتفاقًا خيانيًا من ترتيب الارهابي شارون وحكومة بيغن مع الانعزالية اللبنانية والمفارقة أن حكومة جوزيف عون ونواف سلام فرضت على لبنان، قبل أسبوع، اتفاقًا أراه نسخةً أسوأ من اتفاق السابع عشر من أيار 1983.
ومن هنا، وبين السرد السياسي والتحليل، برزت لدي ملاحظات شخصية مرتبطة بتلك المرحلة تتعلق بذاكرتي الشخصية ؟ . لقد لاحظت أن وليد بيك لم يأتِ على ذكر القوات الفلسطينية التي قاتلت وساهمت في إسقاط ذلك الاتفاق. وما زلت أذكر، حتى اليوم، ضراوة تلك المعارك، وتدخل قوات المارينز الأمريكية في قصف بيروت من البحر. وشاء القدر أن أكون شاهدًا على بعض الأسماء التي سقطت في تلك المعارك، كما شهدت أصدقاء مقربين تركوا مقاعد الدراسة الجامعية والتحقوا بالقتال متطوعين وهم أصدقاء مقربون هم الآن في السبعينيات من العمر .
ولكي أضع هذه الذكريات في سياقها الزمني، أعود إلى تلك المرحلة من حياتي. كنت آنذاك شابًا في السادسة عشرة من عمري. وفي مطلع كل شهر كنت أذهب لاستلام راتب والدي التقاعدي من مؤسسة أسر الشهداء والأسرى في جبل الحسين بالعاصمة الأردنية عمّان. كنت أستمتع بتلك الرحلة من إربد إلى عمّان على متن حافلات حجازي للنقل، ليس فقط لأنها رحلة مختلفة، بل لأنها كانت تمنحني إذنًا رسميًا للتغيب عن المدرسة، وهو إذن كنت أعتز به لأنني كنت ابن شهيد.
وفي أحد الأيام، وبين تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو عادية، حدث ما ربطني مباشرة بتلك المعارك البعيدة. سألني أحد المسؤولين في المؤسسة إن كنت أعرف شارع حكما في إربد، فأجبته: نعم، فقد ولدت بالقرب منه.
ناولني ورقة كتب عليها عنوان محل لبيع السمك، لا أذكر اسمه الآن، وربما كان يسمى “مسمكة فلسطين”. وكانت معظم المحلات في ذلك الزمن تحمل أسماء مدن فلسطين التاريخية، مثل طبريا واللد والرملة وحيفا وغيرها.
ثم وقعت عيناي على اسم لن أنساه ما حييت: رشيد محمد رشيد.
اقترب مني الرجل وهمس في أذني قائلاً: “رشيد استشهد في معارك الجبل في لبنان… أرجوك، بلغ والده وأهله.”
وهنا، انتقل الحدث من مجرد خبر إلى تجربة إنسانية قاسية. في تلك اللحظة اجتاحني شعور لا يمكن وصفه؛ مزيج من الحزن والفخر والخوف. بأي قلب سأذهب لأبلغ أسرته؟ وأنا لم أتجاوز السادسة عشرة من عمري، ولم أعرف الموت بعد، ولم أختبر كيف يواجه الإنسان خبرًا كهذا، فكيف إذا كان الحديث عن شهيد في صفوف الثورة الفلسطينية؟
عدت إلى البيت، وكانت عادتي أن أشرب كوبًا من الشاي، وأتناول سندويشا في موقف باصات العبدلي الذاهبة الى اربدّ ، ثم أحضر لإخوتي ما أوصوني بشرائه؛ قطعة شوكولاتة “سنيكرز” أو “مارس”، أو كنافة “حلوان الراتب” في آخر الشهر، وهي عادة كانت تحرص عليها والدتي.
لكنني في ذلك اليوم لم أستطع أن آكل شيئًا. اكتفيت بكوب من الشاي، بينما كنت غارقًا في عالم آخر، بين الغيب والشهادة، وبين جبل لبنان والثورة الفلسطينية.
ومع تصاعد هذا الشعور، كان لا بد من مواجهة الواقع. وصلت إلى المنزل وانتظرت عودة والدتي من عملها. أعطيتها الورقة، وما إن قرأت الاسم حتى انفجرت بالبكاء، وكأن الشهيد ابنها أو شقيقها.
قالت لي: كيف سنخبر أهله؟
لا أذكر تفاصيل ما جرى بعد ذلك، لكنني أعتقد أننا اتفقنا على أن نطلب منهم مراجعة مؤسسة أسر الشهداء أولًا، حتى يكون هناك تمهيد للخبر قبل أن تقع عليهم الصدمة كاملة.
وبين هذه التجربة الشخصية، كنت أتابع في الوقت نفسه تطورات المشهد العسكري عبر الإعلام. في تلك الأيام، كنت أتابع باستمرار قصف البارجة الأمريكية “نيوجرسي” لمناطق جبل لبنان وسوق الغرب عبر نشرات الأخبار المحدودة التي كانت تبثها شاشات التلفزيون الأردني والسوري و تلفزيون العدو فلم يكن في ذلك الزمان اجهزة ستالايت .
وكنت أركز على صور المتاريس والمقاتلين والأسلحة أكثر من تركيزي على تفاصيل الأخبار نفسها.
وفي موازاة ذلك، كانت الحياة اليومية في إربد تستمر بإيقاعها الخاص، وكأنها تعكس وجهًا آخر للواقع. في تلك الفترة، كان لكل حي في إربد فرن خاص به، يصنع الخبز العربي الطازجالمشروح طوال اليوم. أما يوم الجمعة، فيتحول الفرن إلى ملتقى لأهل الحي فالتواصل الاجتماعي والعلاقات الإنسانية كانت تبنى في الفرن والبقالة الصغيرة قبل ان تاتي وحوش الراسمالية والمولات الضخمة المتوحشة لتحل محل البقلات والأفران والملاحم وتفكك العلاقات الاجتماعية .. فأصبح الانسان غريبا في مجتمعه حسب تعبير ماركس ؟
كان فرن “أبو فيصل”، القادم مع أبنائه من مخيم إربد، يعج بالناس منذ الصباح حتى المساء. نصطف نحن الأولاد في طابور طويل، يحمل كل واحد منا صينية “طبخة الجمعة”؛ بطاطا بالدجاج، أو كفتة، أو معكرونة، أو غيرها.وبتعامل معنا ابو فيصل بحزم شديد وكإنه وزير تموين ؟ لازلت اذكر انه يشبه الراحل أنور السادات إلى حد كبير !!!
كان أبو فيصل يدخل الصواني إلى الفرن، وعندما تنضج، يصرخ ابنه بصوت جهوري:
“صينية دار أبو فلان… صينية دار أبو فلان…”
وحين يحين دوري يقول:
“صينية دار أم حازم.”
فالوالد كان قد رحل مبكرًا، وأصبحت العائلة تُعرف باسم والدتي.
وفي خضم ضجيج الفرن وصراخ الأولاد، برزت مرة أخرى صلة غير مباشرة بما كان يجري في لبنان. همس رجل مسن من وجهاء الحارة بصوت خافت:
“بتعرفوا… الأمريكان ما قدروا يعملوا إشي بالجبل، رغم إن قذائف البارجة نيوجرسي كانت تعمل زلازل في جبل لبنان… السبب إن الفدائيين نزلوا يقاتلوا مع الدروز.”
عندها تذكرت الشهيد رشيد محمد رشيد، وأدركت أن استشهاده لم يكن عبثًا، بل كان جزءًا من معركة ساهمت في إسقاط الاتفاق الذي وقعه أمين الجميل مع الاحتلال الإسرائيلي.
ومن هذا الاستنتاج الشخصي، يمكن الانتقال إلى قراءة أوسع للمشهد السياسي آنذاك. لقد تحالفت سوريا مع الحركة الوطنية اللبنانية، ومع قوى اليسار الفلسطيني واللبناني، وتمكنت من إسقاط اتفاق كان يشبه اتفاقية كامب ديفيد.
واليوم، ومع تبدل الظروف وتغير اللاعبين، أشعر وكأن التاريخ يعيد نفسه.
فإيران، من موقع القوة، فرضت نفسها في المشهد، وربطت وقف إطلاق النار غير المشروط بانسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان. واضطرت الولايات المتحدة إلى القبول بربط الساحتين: إيران ومضيق هرمز من جهة، والجنوب اللبناني من جهة أخرى، بما انتهى إلى انسحاب الاحتلال دون شروط.
وفي المقابل، وعند مقارنة الماضي بالحاضر، يبرز سؤال حول أداء السلطة اللبنانية الحالية. ماذا فعل نواف سلام وجوزيف عون وأي خيانة يغرقون بها لبنان والعبث بنسيجه الإجتماعي بقبولهم باتفاق مع العدوّ يجعل من ارض لبنان ارض مستباحة للابد ( منطقة صفراء محرره ) ؟
لقد رفضا أي دور إيراني في المفاوضات بحجة أن الجنوب أرض لبنانية، وقررا التفاوض مع الإسرائيليين وخسروا مجانا ورقة ضغط مع عدو لا يفهم الا لغة القوة ! وايران تمتلك كل أدوات القوة والضغط ؟
أليس في ذلك مفارقة؟
لقد فاوض الفلسطينيون الإسرائيليين ستةً وثلاثين عامًا، وما زالت المفاوضات مستمرة، بينما يواصل الاحتلال توسعه كمرض السرطان الا يعي نواف وعون ذلك .
وتقوم حجة جوزيف عون وسلام على أن الجيش اللبناني هو صاحب السلاح وصاحب الأرض، وأنه سيتولى نزع سلاح حزب الله وينتشر بالجنوب ، وهو مطلب عجزت إسرائيل عن تحقيقه طوال سنوات.
فأي خدمة مجانية يمكن أن تقدمها حكومة جوزيف عون ونواف سلام لإسرائيل؟
وهل كان الجيش اللبناني، تاريخيًا، أمينًا على حماية أهل الجنوب؟ وهل أطلق رصاصة واحدة في مواجهة الاحتلال ولحماية شعب الجنوب أم انه وقف يتفرج والمقاومة تستبسل في الدفاع عن ارض لبنان ؟
وفي ضوء هذه المقارنة التاريخية والسياسية، أعتقد أن على الشرفاء في الشعب اللبناني وهم كثر بحمد الله أن يتعاملوا مع هذا الاتفاق الاستسلامي كما تعاملوا مع اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، وأن يترك الكلمة الفصل لإرادة اللبنانيين أنفسهم ؟ لن تعود المارونية السياسية والاقطاع السياسي مرة اخرى .. سيكون عون اخر رئيس ماروني ؟؟عاش لبنان المقاوم وعاش الجنوب والحنوبيون .
ألمانيا 04/07/2026

