يوميات عدنان أبو عودة بين المحكي والمسكوت عنه – معين الطاهر

حظيت يوميات عدنان أبو عودة بمراجعات عدة، تراوحت بين تقريظها والثناء عليها ووصفها بأنّها أهم يوميات سياسية لسياسي عربي خلال الـ 20 عامًا الماضية[1]، أو التركيز على شخصية كاتبها ومحاكمة تاريخه السياسي -وليس يومياته المنشورة–[2] وفقًا لموقف سياسي سلبي منه، وهو أمر يخالف الأصول العلمية المتبعة. في حين غلب على أغلبها عرض لمحتوى اليوميات، مع تجنب الولوج إلى تفصيلاتها واستخلاص العبر منها. ذلك أنَّ هذه اليوميات لم تحظَ بعد بدراسة عميقة لباحثين مختصين يُعملون فيها نقدًا وتمحيصًا، ويستفيدون ممّا ورد فيها باتجاه فهم أعمق لتلك التحوّلات التي طرأت على الأردن والقضية الفلسطينية والعالم العربي.

خلال عملي في إعداد اليوميات للنشر، مرّ في خاطري أن أتجاوز ما تفرضه عليّ واجبات المحرّر والمُعدّ المهنية لأُعلّق وأفسّر وأوضّح وأحلل بعضًا ممّا دوّنه أبو عودة في يومياته الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهي خواطر تختلط فيها الدهشة والمفاجأة والتساؤلات والرغبة مع مزيد من الإيضاحات والكشف عن وقائع كانت تُعتبر أسرارًا. لكن احترامًا لحق صاحب اليوميات وسياسة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، اكتفيتُ بمقدمة منهجية توضح آليات عملنا في إعداد اليوميات للنشر، ونشرت باسم المركز.

وما لم أستطعه أنذاك، ها أنا ذا أعود إليه في نص المراجعة هذه.

أوضح تقديم اليوميات أنه حُذف منها االنصوص التي تتناول “حوادث شخصية أو مسلكية أو اتهامات وشكوكًا وحكايات تبتعد، في جوهرها، عن السياق السياسي”(ص10-11)، إذ إنَّ هدفنا من تدوين الوقائع “شرح الحالة السياسية السائدة حينها، أو إيضاح خيارات اُتبع منهج، فأدّى ذلك إلى تغييرات عميقة”(ص11).

ذلك أنَّ ثمّة فارقًا كبيرًا بين تدوين اليوميات وكتابة المذكرات، وثمّة اختلافًا في قيمتها العلمية من حيث كونها مصدرًا رئيسًا أو ثانويًا أمام الباحثين. المذكرات تُعني بكتابة الوقائع التاريخية بعد زمن من حدوثها حين يتفرّغ كاتبها لكتابتها، وعادة ما تكون لدى اعتزاله العمل العام أو انتهاء مرحلة ما من حياته، فهو يكتبها بأثر رجعي، وبناءً على العودة اللاحقة لها، “والتي غالبًا ما تختلط فيها الحقائق بالمشاعر، والمواقف المستجدة، تبعًا لمشكلات الذاكرة المعروفة”. أمّا اليوميات فتدوّن “تزامنًا مع الوقائع والحوادث، من موقع المشاركة والانخراط فيها”، ولذلك فهي تُعبّر عن رؤية عدنان أبو عودة في مرحلة كتابتها، وقد تتوافق أو لا تتوافق مع آرائه الحالية، إذ هي “وثيقة بنت مرحلتها التاريخية وسياقها، ومن هنا تأتي أهميتها”. ولذا، تعدّ اليوميات مصدرًا رئيسًا للباحثين.

ما دوّنه عدنان أبو عودة يدخل في إطار اليوميات، فهو ليس كتابًا للتاريخ يُحتم عليه الوقوف عند كل منعطف، فثمّة أعوام لم يدوّن فيها شيئًا، وثمّة أوراق قد فُقدت. وكما حدّثني أحد أبنائه، فإنّ خالًا له قد استعار بعض الدفاتر لقراءتها وفقدها ولم يُعدها. وخلال إعداد هذه المراجعة أحضر لنا الأستاذ أبو عوده دفاتر ملاحظات صغيرة وقصاصات ورق للأعوام 1982و1984 عثر عليها خلال أعمال صيانة لمنزله، وتضم خلاصات لاجتماع الملك حسين مع الرئيس ريغان في أعقاب مبادرته عام 1982 ولقاء جمعه مع صلاح خلف وفاروق القدومي بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان عام 1984 وبداية تشكل تحالف أردني فلسطيني جديد، ومحاضر متعددة للقاءات مع حسني مبارك وصدام حسين بين عامي 1982و1984. وعلى الأرجح أننا سنعثر لاحقا على أوراق جديدة ضمن مكتبته الكبيرة قد تساهم في مزيد من الإيضاح لبعض المراحل وتفسر بعض الفراغات الزمنية الموجودة في اليوميات، وفي ظنّي أنّ ذلك لا يُضعف اليوميات، بل يبرهن على دقتها، إذ إنَّ ما نُشر، هو فقط ما كُتب في حينه، دون أي إضافة لاحقة للتوضيح أو التفسير أو لتعبئة الفراغات، وهو ما قد يقوم به أبو عودة نفسه إذا أراد كتابة مذكراته يومًا ما. وإذا فعل، فإنّه حينها يقوم بقراءة مختلفة لحياته السياسية والمهنية السابقة بحسب رؤيته الحالية التي قد لا تتفق بالضرورة مع رؤاه السابقة، إذ إنَّ المذكرات في أغلبها تحمل في طياتها اتجاهات تبريرية لما سبق فعله من منظور مختلف عن تاريخ وقوعه.

ورغبة في تجسير هذه الهوّة ما بين اليوميات والمذكرات، وفي الإضاءة على بعض الجوانب التي لم تتضمنها اليوميات، لضرورة إلمام القارئ بها، فقد أجريتُ والزميل معن البياري حوارًا مع الأستاذ عدنان أبو عودة حاولنا فيه تسليط الضوء على بعض القضايا وضممناه إلى الكتاب. لكن، من الإنصاف القول إنَّ هذا الحوار قد أثار من الأسئلة أكثر ممّا تضمنه من إجابات.

تتضمن اليوميات الكثير من المحكي عنه، بعضه يقدّم معلومات جديدة لم تكن متاحة من قبل، وتوفر فهمًا أعمق لطبيعة النظام في الأردن وآليات اتخاذ القرار فيه، وللعلاقات الأردنية السورية الفلسطينية المتشابكة والمعقدة، ولعلاقات الأردن العربية، مرورًا بحرب تشرين والاختلاف في الموقفين السوري والمصري خلال الحرب، ودور الأردن فيها، والحرب العراقية الإيرانية.

وثمّة حديث طويل عن قرار الرباط الذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، وكيف نمت اتجاهات إقليمية في الأردن، يفسّرها عدنان أبو عودة ضمن منظومة اختلاف المصالح الشخصية والتنافس على الوظائف، ومواقف أركان النظام المتباينة حول كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية،  وجولات كيسنجر المكوكية، واعتباره الضفة الغربية أرضًا متنازعًا عليها بعد قرار الرباط، والاتفاق الأردني الفلسطيني بعد حرب عام 1982، وحتى إنهاء الاتفاق بقرار من الملك حسين الذي قرّر العودة إلى التحالف مع سورية عبر رسالة اعتذار علنية، والبحث عن بدائل فلسطينية، وصولًا إلى قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية. وهنا ينبغي ملاحظة موقف الملك حسين المتميّز عن باقي أجنحة النظام، والمختلف عنها في منعطفات عديدة. وترافق هذا كله مع نقد لاذع أحيانًا لبعض الحكومات في الأردن، وتنامي الشعور بالمرارة والغربة عن النظام من أحد أركانه الأساسيين، والتي بدأت في مرحلة مبكرة ببداية السبعينيات.

فتح الكتاب ملفات كثيرة، وتناول قضايا كانت غامضة لم يتطرق إليها سياسيون وباحثون من قبل. لكنّ الكثير من هذه الملفات تحتاج إلى تفسير وبحث لإجلاء ما خفي منها، فعدنان أبو عودة فتح نافذة لفهم مختلف عمّا كان شائعًا، لكن، وعبر هذه النافذة، ينبغي أن تُفتح أبواب كثيرة ما زالت موصدة. الكتاب يحكي لنا الكثير، إلّا أنَّ في ثناياه الكثير أيضًا من المسكوت عنه ممّا لامسته اليوميات وروت حكاياته، لكنّها تحتاج لمن يربط هذه الحكايات بعضها ببعض، أو يفك بعض أُحجياتها. ولعلّنا هنا نلقي الضوء على بعض تفصيلاتها في محاولة لحثّ الباحثين على المزيد من التعمق فيها.

أيلول/ سبتمبر 1970

لا يتطرّق عدنان أبو عودة إلى حوادث أيلول/ سبتمبر 1970 إلّا عبر التوجيهات التي أملاها عليه وصفي التل فور تولي الرائد عدنان أبو عودة وزارة الإعلام في الحكومة العسكرية، والتي يشرح فيها التل آليات التعامل الإعلامي مع الجيش الأردني والمدنيين والمقاومة الفلسطينية، بحيث تكشف هذه التوجيهات عن الدور المهم الذي كان يؤديه وصف التل في دائرة صنع القرار، وإن لم تكن له صفة رسمية في ذلك الوقت.

يروي عدنان أبو عودة في الحوار كيف حذّر الملك حسين، وهو ضابط في المخابرات العامة، بعد معركة الكرامة 21 آذار/ مارس 1968، من اهتزاز عرشه خلال عامين، حيث لاحظ المدّ الشعبي العارم الذي حظيت به المقاومة وضعف الأداء الحكومي، وتوقّع، على ما يبدو، حدوث نوع من ازدواجية السلطة في وقت مبكر. وعلى الرغم من انزعاج الملك الآني من هذه الملاحظة، إلّا أنّها كانت كلمة السرّ التي قرّبت عدنان أبو عودة من الملك، وساهمت في تأهيله وصعوده بسرعة من رتبة رائد إلى وزير.

لا تتطرّق اليوميات أو الحوار إلى تفسير أسباب الاصطدام بين الجيش الأردني والمقاومة، ولا يرتفع الحوار عن سقف الكليشيهات التي تتحدث عن تجاوزات العمل الفدائي وازدواجية السلطة، أو عن الشعارات التي رفعتها التنظيمات اليسارية، مثل شعار “كل السلطة للمقاومة”، بل من اللافت عدم وجود أي يوميات عن مرحلة أيلول/ سبتمبر، أو عن عمله السابق في جهاز المخابرات، وربما يمكن تفسير ذلك بأنّ اهتمامه بالكتابة بدأ في مرحلة متأخرة، حين انتقل من العمل الوظيفي الأمني إلى العمل السياسي.

حوادث أيلول/ سبتمبر مرحلة مسكوت عنها لدي الطرفين؛[3] النظام الأردني ومنظمة التحرير. لا أحد يريد التحدّث عنها، وإذا كان في ذلك جانب إيجابي يتعلّق بدرء تمزّق النسيج المجتمعي، عبر إثارة حوادث مضت، إلّا أنّ إدراك الظروف السياسية التي أدّت إلى الاشتباك بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني، وسمحت به، أمر مهم، لما كان له من تأثير بالغ في بنية النظام الأردني، كما هو على مستقبل الثورة الفلسطينية.

منذ حرب حزيران/ يونيو 1967، ربط النظام الأردني مصيره بالنظام المصري، ولم يخرج إطلاقًا عن دائرة التنسيق المستمر مع عبد الناصر. وتولى تأليف الحكومات الأردنية شخصيات قريبة من مصر، مثل بهجت التلهوني وعبد المنعم الرفاعي. كان العامل المصري مؤثرًا في السياسة الداخلية في الأردن، وكانت مصر بحاجة للعمل الفدائي الذي أيّدته ودعمته، وقامت بدور مهم في تطويق الإشكالات التي حدثت بين عامي 1968 و1970. لكنّ المقاومة تمادت في استخدام حقها في رفض مشروع روجرز الذي وافقت عليه مصر والأردن ورفضته سورية ومنظمة التحرير، في آب/ أغسطس 1970، وهاجمت جمال عبد الناصر بطريقة غير لائقة. ردّ عبد الناصر بإغلاق إذاعة الثورة في القاهرة، وتوترت العلاقة مع مصر. كان هذا المدماك الأول في قرار أيلول/ سبتمبر.

 أمّا المدماك الثاني، فكان في الموقف العراقي الذي تنصّل من تعهداته السابقة بدعم المقاومة، خوفًا من امتداد النفوذ السوري في الساحة الأردنية، بعد محاولة اغتيال الملك حسين التي اُتهمت سورية بتدبيرها. هنا، تغلّب الخلاف الحزبي بين جناحيّ البعث، والمصالح الإقليمية، على الأهداف القومية. هذان العاملان جعلا النظام متيقنًا من قراره، مستغلًا تجاوزات المقاومة، والشعارات الطفولية اليسارية، وفقدان الثقة بين الجيش والفدائيين، ومن دون ذلك ما كان للنظام أن يتخذ هذا القرار الذي تمادت بعض أجنحته فيه إلى النهايات المعروفة، وتجاوزت الغطاء المسموح.

وصفي التل

يُبدي عدنان أبو عودة إعجابه الشديد بوصفي التل، ويبرئه، والملك حسين، من مسؤولية حوادث جرش وعجلون عام 1971، على الرغم من رفضه الحديث عن صاحب القرار فيها. ويقول بأنَّ وصفي التل كان يعتقد أنَّ مصر لديها قناة السويس تضغط بها من أجل تحقيق انسحاب إسرائيلي، وسورية غير مهتمة بالجولان، أمّا الأردن فإنَّ عليه واجب استرداد القدس، وإنَّ سلاحه الوحيد في ذلك هو العمل الفدائي الذي يجب أن يعمل بالتنسيق مع الجيش الأردني، وإنَّ الهدف من تشكيل الحكومة العسكرية هو إشعار المقاومة بجدية النظام في ضبط الأوضاع.

يعزز أكرم زعيتر في يومياته التي يعكف عليها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذا الرأي، ويزيد عليه الكثير، ويروي قصة وردت أيضًا في كتاب المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني[4]،  أنَّ صحيفة الصنداي تلجراف نشرت تقريرًا لمراسلها في عمّان، بتاريخ 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1968، يفيد بأنَّ الملك حسين ينوي تحويل الأردن إلى بلد للغوريلا “حرب العصابات”، وأنّه طلب من وصفي التل تأليف الحكومة، إلّا أنَّ الأخير اشترط عليه فتح الأردن أمام العمل الفدائي.

وبقية القصة أنَّ الملك حسين إرسل رسالة إلى الصحيفة ذاتها، نشرتها في عددها الصادر بتاريخ 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1968، ينفي فيها ذلك كله، بما فيه تكليفه للتل أو علمه بشروطه. واختتم الرسالة بتلاعبه بالألفاظ بأنّه لا يعتزم جعل الأردن ملعبًا لا للغوريلا ولا للشمبانزي. وتكمن أهمية الخبر في وصف الانطباع السائد في حينه عن وصفي التل. وثمّة روايات أخرى يرويها زعيتر عن انتقادات حادة كان التل قد وجهها إلى الحكومة إثر اتخاذها لقرارات تحدّ من حرية العمل الفدائي، ويعتقد أكرم زعيتر أنَّ بهجت التلهوني والنفوذ الناصري هما من حرّضا المقاومة على وصفي بعد اشتباكات حزيران/ يونيو 1969. ولعلّ هذه كانت نقطة الانعطاف النهائية للتل قبل حوادث أيلول/ سبتمبر 1970 التي كان فيها وصفي التل في موقع المشارك في القرار، ولازم الملك حسين خلالها في قصر الحُمّر.

إنَّ قصة وصفي التل الذي كان قائدًا لكتيبة ضمن جيش الإنقاذ، رابطت في الجليل وجنوب لبنان خلال حرب عام 1948، وكان الفريق -الملازم في حينها- عبد الرزاق اليحيى، القائد اللاحق لجيش التحرير الفلسطيني، أحد قادة سراياه[5]. تبقى قضية إشكالية تندرج ضمن المسكوت عنه، ليس في اليوميات فحسب، وإنّما في التاريخ السياسي الأردني والفلسطيني، حيث ترسم اتجاهات متنوعة صورة وصفي التل على هواها؛ يشيطنه البعض في حين يجعله البعض الآخر، لاحقًا وبعد زمن طويل على وفاته، رمزًا لاتجاهات إقليمية متخيّلة، لا ينبئ تاريخه السياسي أنّه كان على علاقة بها. بل لعلّه من الثابت أنّ حكومتيّ وصفي اتل وأحمد اللوزي قد اجتهدتا في رأب الصدع المجتمعي، وأنّ الاتجاهات الإقليمية ضمن منظومة الإدارة الحكومية لم تظهر بشكل جلي إلّا بعد عام 1973، وتنامت بسرعة بعد مقررات قمة الرباط عام 1974، وهو ما توضحه اليوميات بجلاء.

 إنّ هذا يحتاج إلى بحث وتدقيق يوضح الصورة الملتبسة، ويضع الرجل في مكانه الصحيح، حتى لا يصح عليه قول أبو عودة إنّه قتل أكثر من مرة.

حرب تشرين/ أكتوبر عام 1973

في العاشر من أيلول/ سبتمبر 1973، التقى الملك حسين الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد في القاهرة، وكان عدنان ضمن الوفد المرافق للملك. لمّح الرئيسان إلى احتمال استئناف الاشتباكات، تمهيدًا للوصول إلى وضع تفاوضي أفضل، وطالبا الملك حسين بإيجاد صيغة مقبولة للأردن وترضي المقاومة الفلسطينية، وتعيد شكلًا من أشكال وجودها على الساحة الأردنية، لكنّ الملك أجاب بأنّ عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.

لاحقًا، اُتهم الملك حسين بأنّه، وبناءً على هذا الاجتماع، قد سرّب موعد الحرب إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير، وهو ما ينفيه تمامًا أبو عودة، الشاهد على اللقاء، حيث لم يُعلِم الرئيسان الملك بموعد نشوب الحرب، وهو ما يبدو مطابقًا للواقع. إذ يقدم لنا أبو عوده ذاته شاهدا آخر على عدم ابلاغ الملك بموعد الحرب وذلك في محضر الاجتماع المشار اليه بين صلاح خلف والملك عام 1984[6]، أذ يروي صلاح خلف على لسان السادات أنه أبلغ القيادة الفلسطينية لدى اجتماعه بها في برج العرب قبل الحرب بنية شن حربا وطلب منهم إخفاء بعض التفاصيل عن الرئيس الأسد وقال أنه لم يبلغ الملك حسين بها لأنه لا يريده أن يشترك بها حتي لا يستفيد من نتائجها.

المسكوت عنه هو ما ورد في مصادر أجنبية أخرى أنَّ الملك قد علم بموعد الحرب عبر اختراق للاستخبارات الأردنية لرئاسة الأركان السورية. في سورية لم يكن يعلم بالموعد سوى الرئيس الأسد وعدد محدود من كبار القادة لا يتجاوز عددهم اليد الواحدة، إذا صدقت المصادر الأجنبية. فمن يكون هذا اللواء؟[7]

وفي جميع الأحوال، فإنّ المصادر ذاتها تقول إنّ غولدا مئير لم تصدق هذا الخبر ولم تلتفت إليه، لكنّ دفاع أبو عودة عن الملك حسين في لقاء مع التلفزيون البريطاني BBC، ونفيه لتلك الواقعة أمام محللين غربيين أكّدوا وقوعها، أعادت أبو عودة مرة أخرى إلى المشهد السياسي في الأردن عبر تعيينه في مجلس الأعيان.

في المحكي عن الحرب الكثير من المفاجآت حول عدم التنسيق بين القيادتين السورية والمصرية، بل وفي داخل القيادة السورية ذاتها، ففي حين يطلب السادات من الملك عدم دخول المعركة إلّا بعد أن يُحرّر السوريون الجولان، وبعد إحراز تقدّم ملموس على الجبهة المصرية، فإنّ الرئيس الأسد يلحّ على فتح الجبهة الأردنية فورًا. أمّا العماد مصطفى طلاس، رئيس الأركان، فيطلب إرسال فرقة عسكرية للجبهة السورية دون أن يعلم عن طلب رئيسه فتح الجبهة الأردنية، وسط انزعاج واضح من الملك حسين لعدم إعلامه بموعد الحرب أو التنسيق المسبق معه حولها.

يلاحَظ أنَّ العلاقات خلال أيام الحرب كانت جيدة مع السادات ومتوترة مع الأسد، أمّا بعد انتهاء الحرب فقد تغيّرت هذه الصورة تمامًا مع بدء مساعي السادات لفك الارتباط، والبحث في التسوية، وحاجة السادات إلى غطاء للمرحلة المقبلة، وجده لدي منظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن ابتزها باحتمال عودة الضفة للأردن. من هنا، أصبح الموقف الأردني أقرب إلى الموقف السوري، وبدأت فترة من العلاقات الذهبية تُوّجت بمباحثات الوحدة بينهما عام 1977

فصل القوات على الجبهة الأردنية؛ نموذج مبكر عن اتفاق أوسلو

حاول الأردن جاهدًا تحقيق فصل للقوات على الجبهة الأردنية بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أسوة بما جرى على الجبهتين المصرية والسورية. في البداية، كان ثمّة موافقة أميركية وإسرائيلية، ولكن ضمن صيغة مختلفة عمّا جرى على الجبهات الأخرى، إذ اشترط الإسرائيليون، عبر هنري كيسنجر، خلال مباحثات أُجريت معه في واشنطن، في شهر آب/ أغسطس 1974 أن يجري الإبقاء “على خطوط وقف إطلاق النار كما هي، والانسحاب من بعض المناطق المأهولة في الداخل، ويُؤجل أي بحث حول القدس والمستوطنات إلى مرحلة لاحقة”. تُذكّرنا هذه الصيغة الإسرائيلية، بما اُتفق عليه لاحقًا في اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي وُقّع في واشنطن عام 1993، وعُرف باتفاق غزة-أريحا أولًا، ونصّ على إعادة انتشار، وليس انسحاب، الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق المأهولة، وتأجيل البتّ في القضايا الأخرى.

لكن سرعان ما اتفق هنري كيسنجر والرئيس السادات على أنّ الأردن لم يكن دولة محاربة، على الرغم من إرساله أكثر من فرقة إلى الجبهة السورية، بمعنى أنّ الجبهة الأردنية لم تُفتح، وردّ الرئيس السادات على شكوى الأردن من محاولات إسماعيل فهمي، وزير الخارجية المصري، إعاقة فك الارتباط على الجبهة الأردنية، بأنّ الأردن قد أضاع فرصة اعتباره دولة محاربة عندما رفض الطلب المصري بإدخال وحدات كوماندوز مصرية عبر أراضيه بعد 19 تشرين الأول/ أكتوبر للقيام بعمليات في العمق الإسرائيلي، بعد تمكّن الجيش الإسرائيلي من إحداث ثغرة على الجبهة المصرية، علمًا بأنّ السادات كان قد نصح الملك حسين مرارًا خلال الحرب بعدم فتح جبهة من الحدود الأردنية إلّا بعد تحرير الجولان واندفاع القوات السورية، وبعد تقدّم القوات المصرية في سيناء. ومن الواضح ارتباط الموقف المصري الجديد باستغلال الخلاف ما بين منظمة التحرير والأردن.

وفي جميع الأحوال، فقد توقفت المحاولات الأردنية بتحقيق فصل للقوات على الجبهة الأردنية، يحقق للأردن موطئ قدم في الضفة الغربية، باعتبارها دولة غير محاربة، على الرغم من اقتراح طريف من زيد الرفاعي بأن يُطلق بعض الطلقات، والرد الساخر عليه من هنري كيسنجر باعتبارها فكرة معقولة! كما جاء في اليوميات. لكنّ هذه الآمال تبخرت تمامًا بعد قرار مؤتمر القمة العربي في الرباط عام 1974، بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، حيث اعتبر كيسنجر حينها بأنّ الضفة الغربية أصبحت أرضًا متنازعًا عليها، ولم يعد للأردن صلة مباشرة بها.

وإذا كان قرار الرباط قد عزّز من الشخصية الفلسطينية، ومن وحدانية تمثيل المنظمة فيها، إلّا أنّه اُستخدم من جهة أخرى باتجاه إيجاد مبررات لتنصل إسرائيل من التزاماتها الدولية، تحت ذريعة أنّ هذه الأرض لم تعد أرضًا خاضعة للسيادة الأردنية، كما كان حالها عشية احتلالها في حرب حزيران/ يونيو 1967، ومن جهة أخرى اُستخدم باتجاه انتزاع تنازلات متتالية من منظمة التحرير، بذريعة تأهيلها لعملية التسوية السياسية.

لقاءات الملك حسين مع الإسرائيليين

في عام 1981 بث التلفزيون السوري تقريرًا عن لقاء جرى في عام 1977 بين الملك حسين وموشيه ديان. أبدى رئيس الوزراء الأردني مضر بدران انزعاجًا شديدًا من هذا الخبر، كونه لا يعلم به، وتفحّص “الجريدة الرسمية” للتأكد من مكان وجود الملك في ذلك التاريخ. وبمراجعة الأستاذ عدنان للملك أقرّ بحدوث هذا اللقاء وغيره، معتبرًا أنّ دافعه في ذلك هو محاولة إنقاذ القدس بأي وسيلة كانت، وفقًا لما اتفق عليه مع جمال عبد الناصر دون أن يذهب باتجاه صلح منفرد.

اللافت في هذا الموضوع أنّ عدنان أبو عودة، وعلى الرغم من التصاقه الوثيق بالملك حسين فإنّه، وعبر يومياته، لم يتحدث سوى عن لقاءين جمعا الملك ببعض المسؤولين الصهاينة، حضر أحدهما وهو مع يتسحاق شامير في منزل الملك في لندن عام1988، مع أنّ الملك ذاته، كما هي الحال في العديد من المصادر، يتحدث عن عشرات اللقاءات والمباحثات مع مسؤولين صهاينة، ويؤكد أنّ مجمل هذه اللقاءات لم تؤدِ إلى أي نتيجة، وأنّه لمس بوضوح عدم وجود أي نية للانسحاب من الضفة الغربية وتسليمها للأردن، بغض النظر عن سخاء عرض السلام المقدم لهم.

عدم ذكر عدنان لهذه اللقاءات، والاكتفاء بما أورده الملك، وانزعاج رئيس الوزراء الذي كان يشغل قبل توليه هذا المنصب وظيفة مدير المخابرات العامة من عدم علمه بلقاءات الملك وسعيه للتأكد منها، يثير مسألة الولاية العامة للحكومات في الأردن، وفي ما إذا كانت الوزارات المتعاقبة على صلة كاملة بمجريات الأمور وممسكة بها كما ينص الدستور، أم أنّ هذه القضايا تقع ضمن مهمات القصر الملكي حصريًا، ويعلم بها نخبة محدودة من الدولة العميقة. وهو ما يقود إلى البحث، وعبر صفحات الكتاب المختلفة، في ظروف تشكيل الحكومات وعملها وآليات اتخاذ القرار فيها، والتي يسهب أبو عودة في الحديث عنها ضمن نقده الشديد لحكومة زيد الرفاعي، أو لدي حديثه عن كيفية اتخاذ قرار وقف التعاون مع منظمة التحرير، والاعتذار من سورية، وفك الارتباط، وما إلى ذلك من قرارات تكشف بوضوح عن المنهج المتبع.

العلاقات الأردنية السورية الفلسطينية

يدوّن الأستاذ عدنان أبو عودة تفصيلات ومحاضر اجتماعات مع القيادتين السورية والفلسطينية، كل على حدة. كما يذكر أنباءً عن محاولات اغتيال لرئيس الوزراء أو لقيادات من “الإخوان المسلمين” في الأردن عام 1981، اُتهمت سورية بالوقوف ورائها، وفي أعوام أخرى يورد محاضر اجتماعات الوحدة الأردنية السورية(1977)، أمّا بعد رسالة الملك حسين الاعتذارية للرئيس الأسد، والذي رافق انهيار المباحثات الفلسطينية الأردنية عام 1986، يسجل محضرًا لاجتماع مع الرئيس حافظ الأسد جرى التطرق فيه إلى إيجاد قيادة بديلة لياسر عرفات، في حين أنّه في أعوام سابقة يدون في يومياته رسالة من الرئيس محمود عباس يقول فيها أن الرئيس الأسد طلب من الفصائل الفلسطينية القيام بتفجيرات في الأردن.

ثمّة حاجة لتحليل تلك العلاقات المتشابكة، وأكاد أزعم أنّه لم يمر يوم في تاريخها إلّا وكان ضلعان من هذا المثلث يقف ضدّ الضلع الثالث، مع مراعاة أنّ هذه المعادلة كانت دائمة التغيير. ويمكن ملاحظة أنّه ما قبل حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973 كان النظام الأردني يعيش في ما يشبه العزلة. لكن بعد حرب تشرين، ونتيجة التقارب المصري الفلسطيني، وجنوح مصر باتجاه التسوية المنفردة، ورغبتها في جذب منظمة التحرير إلى صفها، طرأ تحوّل على هذه العلاقة، وشهدت العلاقات الأردنية السورية تحسنًا لافتًا تُوّج بمباحثات الوحدة السورية الفلسطينية التي أسفرت عن تنقل مواطني البلدين بالهوية الشخصية، وشملت البحث في المناهج التعليمية، بل وفي مصير 800 ألف فلسطيني يقيمون في الأردن، بحسب السيد عبد السلام المجالي، ضمن دولة الوحدة المرتقبة.

ولعلّ الحرب الأهلية في لبنان، وتغيّر الموقف السوري من أطرافها، والرغبة في الاستفادة من علاقات النظام الأردني بالمعسكر اليميني في لبنان، شكّل عوامل إضافية لهذا التقارب. وهي الفترة ذاتها التي شهدت خلافًا سوريًا فلسطينيًا وصل إلى حدّ الاقتتال. وبطبيعة الحال، فإنّ علاقات منظمة التحرير مع النظام الأردني، ومنذ ما بعد حوادث أيلول/ سبتمبر 1970، ومشروع المملكة العربية المتحدة، وصولًا إلى قرار الرباط عام 1974، كانت متردية ويسودها الخوف من الآخر والاتهامات المتبادلة، والتنازع على من يحتل المقعد الفلسطيني في قطار التسوية.

لاحقًا تغيّرت المعادلة، وبدا أنّ ثمّة تنسيقًا فلسطينيًا أردنيًا بدأت ملامحه الأولى منذ عام 1979، لكنّه تبلور بعد اجتياح بيروت عام 1982، وكان دافعه الرئيس محاولة الطرفان تلبية الشروط الأميركية للدخول في مباحثات سلام عبر تقديم مظلة أردنية، وتأجيل البت في مصير الضفة الغربية من خلال الحديث عن اتحاد فدرالي أو كونفدرالي.

استمر ذلك العصر الذهبي في العلاقات الأردنية الفلسطينية حتى عام 1986، حين ترددت منظمة التحرير بالاعتراف بقرار مجلس الأمن 242، ووجد الملك حسين في ذلك فرصته للتنصل من الاتفاق الأردني الفلسطيني، واستبق ذلك برسالة اعتذارية للرئيس الأسد بُثّت من التلفزيون الأردني.

من الواضح أنّ المحرك في ذلك كله هو محاولة كل طرف الاستئثار بالنصيب الأكبر من عملية سلام متوهمة، إضافة إلى رغبة الرئيس حافظ الأسد للقيام بدور الأخ الأكبر في الإقليم. وتزخر اليوميات بعشرات القصص التي تؤيد هذا الاستنتاج، وتضع العلاقات الأردنية السورية الفلسطينية في مكانها الصحيح.

العلاقات الأردنية الفلسطينية من الهواجس الأمنية إلى العلاقات السياسية

لعل تطوّر علاقة عدنان أبو عودة بقيادة حركة “فتح” ومنظمة التحرير تمثّل نموذجًا لتطوّر العلاقة بين المنظمة والنظام الأردني، فمن الهواجس الأمنية ومحاولات الاغتيال المتعددة، إلى إبعاده عن الوفد الأردني، إلى مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974 بذريعة تكريس جهد الطاقم الأمني المرافق لحماية الملك. ويروي أبو عودة أنّ خالد الحسن قد رفض مصافحته في أحد المؤتمرات لأنّ يداه ملوثتان بالدم الفلسطيني.

من المعلوم أيضًا أنّ عدنان قد حذّر الملك بعد معركة الكرامة من احتمال اهتزاز عرشه، وأنّ الأردن شهد مرحلة من ازدواجية السلطة، ومن المعارك الدامية بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، انتهت بخروج المقاومة المسلحة نهائيًا من الأردن عام 1971، ممّا ولّد جوًا من العداء المستحكم في تلك المرحلة. وجاءت مقررات الرباط الخاصة بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني لتفرض مرحلة جديدة من التعاطي السياسي بين الطرفين.

من الواضح، وبحسب اليوميات، أنّ قبول النظام الأردني بهذه المسألة لم يكن أمرًا سهلًا، وأنّ الموقف في مواجهة ذلك لم يكن يسيرا، ويمكن تلخيص الاتجاهات السائدة منذ ذلك التاريخ بما يلي:

1-     نمو اتجاه إقليمي يرى في هذا القرار فرصته لاستلام الإدارات والمواقع الحكومية المختلفة.

2-     اتجاه يرى أنّ الدول العربية لن تلبث أن تتراجع عن هذا القرار وتعيد تسليم زمام الأمور إلى الملك، بعد أن تكتشف عجز منظمة التحرير، وهو ما عبّر عنه زيد الرفاعي في اجتماع مجلس الوزراء، وإن كنّا نعتقد أنّ مثل تلك التصريحات لم تكن أكثر من محاولة للتنفيس عن الإحباط السائد في حينه.

3-     اتجاه يرى أنّ التعامل مع المنظمة ينبغي أن يظل منطلقًا من المنظار الأمني فحسب، وقد ظل هذا الاتجاه سائدًا، حتى تساءل أبو عودة في حوار مع الملك عام 1979 إن لم يكن الوقت قد حان لتتجاوز العلاقة مع المنظمة المنظور الأمني إلى المنظور السياسي، فأجاب الملك بالإيجاب.

4-     اتجاه آخر يرى بأنّ قرار الرباط وانغماس المنظمة في التسوية السياسية شكّل فرصة للأردن ليبتعد عن تعقيدات القضية الفلسطينية، وأنّ واجب الأردن يجب ألّا يتعدّى واجب موريتانيا في تأييد القضية الفلسطينية في المحافل الدولية. بل وفي تعليق للشريف زيد بن شاكر ثمّة تحفّظ على إعادة الدور الأردني في القضية الفلسطينية صيانة للهاشمين من الوقوع في منزلقاتها أو التفاوض مع العدو.

5-     موقف الملك حسين كان خليطًا من هذا كله، ويتأثر بطبيعة الحال بالتطورات السياسية والاتجاهات الداخلية، ويتماشى معها أحيانًا، لكنّه في حقيقة الأمر، وحتى قرار فك الارتباط القانوني والإداري، لم يكن مرتاحًا للتخلي عن نصف مملكته، وكان يسعى بجهده كله للاحتفاظ بها، أكان ذلك في معاداة منظمة التحرير والاقتتال معها أم عبر الوصول إلى اتفاق أردني فلسطيني ينظم العلاقات بين الطرفين، ويضمن مشاركة الطرفان في أي تسوية محتملة، أو من خلال الاعتراف بتمثيل جزئي للمنظمة وتأجيل مصير الضفة الغربية إلى ما بعد استرجاعها، أو الانقلاب على الاتفاق مع المنظمة والتحالف مع سورية، أو بناء شبكة واسعة من مؤيديه في داخل الأرض المحتلة، ومحاولة الاتفاق مع شمعون بيرس على إيجاد هيئات تمثيلية في الضفة الغربية. كذلك عبر الاتصالات المتكررة مع القادة الصهاينة في محاولة لتحقيق انسحاب ما يتيح عودة السيطرة الأردنية.

بإيجاز يمكن القول بأنّ السياسة الأردنية، ومن خلال اليوميات، كانت خليطًا من جميع ما سبق، لكنّ عين الملك لم تغفل قط عن مشروعه الرئيس بعودة الضفة الغربية بصيغة أو بأخرى، أكان ذلك عبر مشروع مملكة عربية متحدة أم اتفاق أردني فلسطيني ضمن صيغة فدرالية أو كونفدرالية، واستمر ذلك حتى اندلاع الانتفاضة الأولى.

خلقت الانتفاضة واقعًا جديدًا لم يكن متوقعًا ضمن المعطيات السياسية القائمة، فقد أعادت الاعتبار إلى منظمة التحرير بعد خروجها من بيروت عام 1982، وبعد انهيار الاتفاق الأردني الفلسطيني عام 1986، وهو ما حمل الملك حسين على إعلان فك الارتباط، أي إعلان التخلي عن مسؤوليته المتعلقة بالضفة الغربية بعد أعوام من قرار قمة الرباط.

لماذا فك الارتباط؟ التفسير المعلن في اليوميات هو انزعاج الملك من بيان للقيادة الموحدة للانتفاضة يتعلق بمحاربة موظفي السلطة الأردنية العاملين في الضفة الغربية، لكنّ الحقيقة تتجاوز ذلك، فهذا الإعلان كان بمنزلة اعتراف بعاملين رئيسين، وهما: اقتناع الملك باستحالة الوصول إلى اتفاق مرضي له مع الإسرائيليين بعد أعوام من محاولته ذلك، والثاني الاعتراف بالمكانة الجديدة التي اكتسبتها المنظمة من خلال الانتفاضة.

وختامًا ينبغي الإشارة إلى أنّ أبو عودة الذي كان نقطة تركيز واضحة للإعلام الفلسطيني، بوصفه رمزًا معاديًا، قد تحوّل إلى صديق وجسر للحوار مع القيادة الفلسطينية في النصف الثاني من السبعينيات، وحتى اللحظات الأخيرة للاتفاق الأردني الفلسطيني، وتحفل اليوميات بعشرات الرسائل من السيد محمود عباس له تشرح بالتفصيل أوضاع منظمة التحرير و”فتح” والوضع الداخلي في سورية. كما أنّ الكثير من مفاصل هذه اليوميات قد لا تعكس موقف عدنان أبو عودة نفسه بقدر ما هي تسجيل لوقائع وحوادث جرت وشارك فيها، بل لعلّه يقوم بصوغ خطاب للملك لا يتفق مع بعض آرائه، فهو يفصل بين موقفه كسياسي يشارك في وضع السياسات، وموقعه كموظف في الخدمة العامة يقوم بتنفيذ التوجيهات. ثمّة لحظات وافرة في اليوميات تمثّل بوحًا لا مثيل له من أحد أعمدة النظام حين يتحدث بألم عن نمو اتجاهات إقليمية، ولعل هذا البوح الذي بدأ يخرج إلى خارج إطار تدوين اليوميات، وبعد أعوام الخدمة الطويلة، هو ما قاده للمثول أمام المدعي العام بتهمة إثارة النعرات الإقليمية، ليجد نفسه كما قال في وقت مبكر، كالمنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقي..

 



[1] أ.د علي محافظة ، كلمة مسجلة خلال حفل اشهار الكتاب. المركز الثقافي الملكي . عمان. الأردن . 10/10/2017

[2]  صقر أبو فخر ، عدنان أبو عوده ويومياته المضنية.. دبس قليل وخروب كثير. العربي الجديد . 7/2/2018

[3]  سيصدر قريبا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب سنوات الأزمة يوميات أكرم زعيتر ( 1967-1970) وهو من إعداد نافذ أبو حسنه ومعين الطاهر. ويتضمن تفصيلات كاملة عن تلك المرحلة.

[4] خليل الهندي. المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني. مركز الأبحاث الفلسطيني. بيروت لبنان 1971

 

[6] قدم لنا عدنان أبو عوده هذا المحضر بعد نشر اليوميات

[7] أنظر جاك أوكونيل، مستشار الملك، ترجمة عماد عبده، (عمّان: الدار الأهلية، 2015)، ص 125-127.