​​الطبقة العاملة بضمير المُؤَنّث – الطاهر المعز

“إن حقُّ الإقتراع، والمساواة في الحقوق المدنية، مطالبٌ ضرورية، ولكن الإنعتاق الحقيقي لا يتحقق في صناديق الاقتراع ولا في المحاكم، بل يُخبرنا التاريخ أنَّ أيّ طبقةٍ مضطهَدة لم تحصل على انعتاقها الحقيقي من أسيادها إلّا من خلال جهودها الذاتية، فمن الضروري أن تدرك النساء أنَّ درجة الحُرّية التي تنالها، تُوازي درجة القوّة التي تبلغها لتحقيق هذه الحرية… ”
“… إنَّ مطلب المساواة في الحقوق، في كلّ مجالٍ من مجالات الحياة، مطلبٌ عادلٌ ومنصف، ولكنَّ أكثر الحقوق حيويّةً هو أن يتَحَوَّلَ الإنعتاقُ الجزئي إلى انعتاق كاملٍ وحقيقي للمرأة، لكي لا تُصبح عبدةً وتابِعة، ولكيْ لا تتحول العلاقة بين الجنسَيْن إلى غالب ومغلوب… ”
إيما غولدمان 1869 – 1940
في الفقرة الموالية تذكير بنموذج من معاناة النساء العاملات، في قطاع النّسيج ب”بنغلادش”، فقد نشرت منظمة العفو الدّولية، في الذكرى السنوية الأولى لانهيار مبنى “رانا بلازا”، الذي يضم ثمانية طوابق، وخمسة مصانع للملابس، في ضواحي “دكا”، عاصمة بنغلاديش، والذي أسفر عن وفاة حوالي 1200 وإصابة أكثر من ألْفَيْن من عمال النسيج (معظمهم من النساء)، تعليقًا بعنوان “التحالف غير المُقدّس بين قطاع الأعمال والحكومة في بنغلادش، وفي شتّى أنحاء العالم”، وأشار بيان المنظمة إلى انتهاكات حقوق الإنسان من قِبَلِ الشركات متعدّدة الجنسيّة، وليس من عادة منظمة “العفو الدّولية” مهاجمة أو مُعارضة الرأسمالية أو الرأسماليين، لكن هذه الحادثة (يوم 24 نيسان/ابريل 2013) أظْهَرت الجوانب الأكثر فظاعة للإستغلال الذي تُمارسُهُ الشركات العابرة للقارات، ولتحقيق أقْصَى حدّ من الأرباح، على حساب صحة وحياة البشر، خاصة إذا كان العاملون والعاملات من مواطني البلدان الفقيرة…
طالب أهالي الضحايا والمُصابين بإنصافهم وتقديم تعويضات لكن الحكومة وجهاز القضاء المحلّي، ومعظم الشركات الكبرى للعلامات التجارية العالمية رفضت تسديد التعويضات (وهي مبالغ صغيرة، مقارنة بالأرباح)، وبعد سبع سنوات، لا يزال الباقون على قيد الحياة يعانون من أجل العلاج والعيش بالحد الأدنى…
يروي النقابيون والعمال أن ظروف السلامة والتّهْوِئة لم تكن متوفرة في المصنع، وقبل يوم واحد من الحادثة، لَفَتَ العُمّال نَظَر المشرفين على المصنع إلى وجود شقوق في الجدران، وتم إغلاق المبنى لنصف يوم، لكن أصحاب المصنع، أمروا العمال بدخول المبنى، بتواطؤ من السلطة السياسية، ويرتبط المصنع (مثل جميع مصانع بنغلادش وفيتنام وكمبوديا وإندونيسيا وغيرها) بشبكات التوريد العالمية، وبالشركات الضخمة للأزياء المشهورة، والملابس الرخيصة في الدول الرأسمالية المتطورة، وهي شركات ذات سطوة كبيرة، ولها علاقات متينة بحكومات دول “المَرْكز”، كما دول “الأطْراف”.
للتذكير، تسبب تَسرُّب أربعين طنّا من الغاز القاتل من مصنع “يونيون كاربايد” لإنتاج المواد الكيماوية في بوبال، بالهند، يوم الثالث من كانون الأول/ديسمبر 1984، في قتْل أكثر من عشرين ألف شخص، وبقي نحو نصف مليون شخص من الناجين يعانون من الإصابة والإعاقة الدّائمة، وفي سنة 2007، اشترت الشركة الأمريكية “داو للكيماويات”، شركة “يونيون كاربايد”، وتمكّنت من ممارسةِ ضغوط كبيرة على الحكومة الهندية، وعلى جهاز القضاء، مهدّدةً بسحب الإستثمارات وترويج دعايات سلبية في الأوساط الرأسمالية لسحب استثماراتها من الهند، فتدخلت الحكومة الهندية لوقف الإجراءات القانونية ضد الشركة.
لا يقتصر نفوذ هذه الشركات الكبرى، على البلدان الفقيرة، فقد تدخّلت الحكومة البريطانية لدعم موقف شركتَيْ “شل” للمحروقات، و”ريو تينتو” للمناجم، بشأن قضيتين مُتعلّقَتَيْن بانتهاكات حقوق الإنسان بمحاكم الولايات المتحدة الأمريكية، ودافعت الحكومة البريطانية ( كما معظم حكومات العالم) عن مصالح الشركات، وعرقلتْ حق الضحايا في العدالة والإنصاف.
تتنزل قضية ضحايا انهيار مصنع “رانا بلازا” في بنغلاديش ضمن تأثير هذه الشركات العابرة للقارات التي تنتهك حقوق العاملين والعاملات، وترفض تنفيذ القوانين (وهي من أساسها لا تُنْصِفُ العاملين)، وترفض إنفاق قليل من المال، في التدابير الوقائية، وفي حماية العاملين من الحوادث، ثم ترفض جبر الضرر، بعد وقوع الحوادث…
تُعتبر بنغلادش ثاني أكبر منتج للملابس في العالم بعد الصين، وخلال سنة 2020، واجه نحو أربعة ملايين عامل في مجال تصنيع الملابس الجاهزة لشركات الأزياء العالمية، صعوبات كبيرة، مالِيًّا، بسبب انخفاض الرواتب، وصحِّيًّا، بسبب مواصلة العمل عشر ساعات يوميا، في عدد من المصانع المحلية، رغم تفشِّي وباء “كوفيد 19″، ورغم غياب أو عَطَب أنظمة مواجهة الحرائق، وغياب عوامل الأمان والسلامة في هذه المنشآت، فيما تتلقّى العديد من المصانع طلبات إلغاء من المشترين الدوليين، بسبب تفشي الوباء، وتعطيل حركة النقل، ما أدّى إلى فقدان ما لا يقل عن عشرة آلاف وظيفة، في مصانع العاصمة “دكّا” وضواحيها، ومعظم ضحيا البطالة من النساء…
أدّى نضال النّساء العاملات في قطاع النسيج، بِبنْغلادش، إلى الاعتراف بحقوق النقابات، وتعديل قانون العمل، وتحسين الرواتب، بعد نحو سبع سنوات من انهيار مَبْنَى “رانا بلازا”، كما أدّت النضلات إلى توقيع أكثر من مائتَيْ شركة أوروبية اتفاقا ملزما من الناحية القانونية، لضمان سلامة المباني ومواجهة الحرائق، والتزمت ثلاثون شركة أميركية كبرى، بضمان توفير شرط الأمن الصناعي وسلامة العمال، ما خَفّض من عدد الحوادث الكُبرى، لكن الاتحاد الوطني لعمال الملابس في بنغلاديش، يعتبر أن هذه الخطوات ليست كافية، ومن الضروري تحسين أوضاع العمل في المصانع التي تعمل لحساب الغير (الشركات المُتعاقِدَة من الباطن)…
بلغت قيمة صادرات بنغلادش من الملابس، سنة حادث “رانا بلازا” (سنة 2013) نحو 24 مليار دولارا، إذ يمثّل قطاع صناعة الملابس والمنسوجات نحو 80 بالمائة من إجمالي عائدات صادرات “بنغلادش”، وكانت التوقعات تُشير إلى ارتفاع حجم صادرات الملابس والمنسوجات والأحذية إلى نحو ثلاثين مليار دولارا، سنة 2020، لكن انتشار وباء الفيروس التاجي (كوفيد 19) أدْخل الإضطراب وغَيَّرَ المعطيات…
رغم التقدّم الذي حصل بفضل نضالات العمال، والعاملات بشكل خاص، عمدت بعض شركات صناعة الملابس، تسريح مئات العاملين والعاملات، بدون سابق إشعار، إثر عطلة العيد، وعدتهم إلى العمل يوم 18 آب/أغسطس 2019)، وأعلنت المنظمات النقابية أن معظم هؤلاء العاملين والعاملات حاولوا، منذ سنة 2018، تأسيس نقابات في هذه المصانع، ووقع تسريح أكثر من مائة عاملة وعامل، آنذاك،  كانوا يعملون مع شركات محلية متعاقدة مع شركات عالمية مثل (-Carrefour C&A – H&M – Benetton  )، ويبدو أن الشركات العابرة للقارات ترفض إنشاء نقابات في المصانع المُتعاقدة معها، ووجدث هذه الشركات الإحتكارية الفُرصة سانحة، عند انتشار وباء “كوفيد 19″، لتحث وُكلاءها على  الاستغناء عن أعداد كبيرة من العمال، واستخدام الوباء كذريعة، وكانت النساء الحوامل في مقدّمة العمال المَفْصُولين، وهي ممارسات أصبحت “عادية”، حيث أقدمت شركات عديدة، بعد فحص طبي داخلي، على فصل العاملات الحوامل، وبعد تدخّل النقابات، ومفاوضات دامت من حزيران/يونيو إلى أيلول/سبتمبر 2020، حصلت بعض العاملات الحوامل على تعويضات (ما يعادل 290 دولارا لكل منهن)، والعودة إلى العمل، بعد الولادة…

كنعان