الأرشيفوقفة عز

أبو لطف يونس ومحمد “خير” يونس .. الأب والإبن استشهدا في بيروت..

نضال حمد:

المرحوم عبداللطيف محمود يونس – أبو لطف – مواليد الصفصاف سنة 1924. كان عمره يوم النكبة أكبر من عمر دولة الاحتلال الصهيوني ب 24 سنة. عند سقوط الصفصاف وارتكاب المجزرة فيها كان له من العمر 24 عاماً.. هو ابن المرحوم أبو خالد يونس والمرحومة فطوم سليم خلايلي من بلدة الجش… كانت امرأة جميلة يضرب آل يونس المثل بجمالها.
أبو لطف عند حصول النكبة كان مثل معظم أهالي الصفصاف يعمل في الزراعة. كما كان متزوجا ولديه نجله البكر لطف. لم يمهله العدوان كي يودع البيت والحقل والجرمق فغادر مع أهله الصفصاف كما كل سكانها الى بنت جبيل في الجنوب اللبناني، هذا قبل أن يتابعوا طريقهم الى صور وصيدا وبيروت وطرابلس. فتوزع أهل الصفصاف على تلك المدن ومخيماتها فيما بعد.
المرحوم أبو لطف وصل مع عائلته الى صيدا ومخيم عين الحلوة حيث سكن هناك فترة ثم انتقل الى بلدة عدلون الساحلية على طريق صيدا – صور. عمل لفترة من الزمن في الزراعة لدى عائلة الشماع في صيدا. ثم عمل في مطبخ جميعة المقاصد الخيرية الاسلامية لفترة من الزمن كي يعين أهله وعائلته.
الراحل شهيدنا أبو لطف يونس كما أسلفت هو إبن المرحوم محمود يونس – أبو خالد يونس – الذي كتبت عنه قبل أيام قليلة، والذي كان تمنى الموت في فلسطين.. وبالفعل مات فيها يوم كان يقوم بزيارة ابنته “بكرية” المتزوجة منذ ما قبل النكبة من شخص من آل خلايلي في دير حنا.
شقيقه المرحوم أبو فؤاد يونس كان مديراً في وكالة الانروا وشخصية صفصافية معروفة رحمه الله. كذلك شقيقه الآخر المرحوم أبو علي يونس الذي عاش آخر سنوات حياته في الامارات العربية المتحدة وتوفي فيها.
بعد سنوات الحياة في الجنوب اللبناني انتقل أبو لطف مع عائلته الى مخيم شاتيلا حيث كان أيضاً يسكن ويعيش شقيقه أبو علي يونس. كما عاشت وسكنت هناك عائلات عديدة من الصفصاف، مثل المرحوم علي حمد “أبو حسين” والد الفنان محمد علي حمد المقيم في ايطاليا… والمرحوم “جميل الزين” أبو اسماعيل حمد “سفير الصفصاف في بيروت” والمرحومة زهيا الطالب حمد “أم أيوب” والمرحوم طالب زيدان ودار “درويش” والمرحوم عطا زغموت “أبو محمد” الذي عاش آخر سنوات حياته في اسكندنافيا…
هناك في مخيم شاتيلا بالعاصمة اللبنانية عاش وعمل أبو لطف ثم فيما بعد أستأجر شقة سكنية في بناية بالفاكهاني على شارع الخرطوم غير بعيد عن المدينة الرياضية. كانت شقة العم أبو لطف يونس على الطابق السادس في البناية المذكورة. كما كان هناك بنفس الوقت المقر المركزي لقيادة جبهة التحرير الفلسطينية بزعامة الأمين العام الراحل طلعت يعقوب ليل 12-8-1978 وكان شهر رمضان، حصل إنفجار هائل في العمارة نتيجة عملية تفجير نفذها عملاء للعدو، أسفر الانفجار عن استشهاد وجرح عشرات المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين الى جانب عدد من قادة وكوادر وأعضاء الجبهة.
من ضمن الشهداء كان العم أبو لطف يونس رحمه الله. لحسن الحظ أن عائلته نجت من الموت المحتم لأنها كانت في تلك الليلة تشارك في فرح عائلي خارج المنطقة. لكن الفرح انقلب الى مأتم ويوم حزن وحداد على أثر الانفجار ووفاة أبو لطف، الذي شيعه أهالي الصفصاف ومخيمي شاتيلا وعين الحلوة الى مثواه الأخير في مقبر الشهداء في بيروت.
لم تنته أحزان عائلة أبو لطف يونس عند هذا الحد فبعد أربع سنوات من استشهاد الوالد استشهد نجله محمد عبد يونس وكان يعرف بلقب “خير” في ثاني أيام مجزرة صبرا وشاتيلا 17 أيلول – سبتمبر 1982. هو بالمناسبة نفس اليوم الذي أصبت فيه أنا بجراح خطيرة جداً… انتبهوا إلى ما سأقوله الآن: لقد أصبت أنا بشظايا قذيفة من دبابة ميركفاه “اسرائيلية” استهدفتني مع رفيقي اللبناني الشهيد محمد علي أبو الفداء، حيث كنا تقريباً عند مدخل البناية التي أقيمت مكان العمارة التي تم تفجيرها في آب 1978، التي استشهد فيها العم أبو لطف يونس. فعلاً هذه صدفة عجيبة أن يسيل دمه ودمي في نفس المكان وأن أصاب أنا ويستشهد نجله محمد “خير” في نفس الزمان.
كان الشهيد خير بسن 26 عاماً يوم استشهاده، عرف بإسم “خير” وكان شاباً هادئاً ومتعلماً ورساماً معمارياً تخرج من مدرسة معروفة في بيروت تقع قرب جامعة بيروت العربية والملعب البلدي، غير بعيد عن “فلافل أبو علي” الذي كان كشكاً شعبياً شهيراً جداً في تلك الأيام والسنوات وقبل حصار بيروت سنة 1982.
أحب الشهيد “خير” ركوب الخيل، كما كان يعمل مسؤولاً عن بناية سكنية في منطقة بئر حسن قرب مخيمي صبرا وشاتيلا. في أثناء حصار بيروت 1982 وحين شحت مياه الشرب في العاصمة، فتح بئره الارتوازي للناس، وأخذ يستخرج منه المياه ويوزعها على المحتاجين من أهل المنطقة. في ذلك الوقت كان الاقتراب من مواسير وعيون المياه يكلف الانسان حياته، فالطائرات والقناصة والرصاص الصهيوني بالمرصاد، يحصدون ويقتلون كل من يقترب من سبيل “عين” أو ماسورة مياه فجرتها القذائف وكانت المياه تتدفق منها بينما الناس لا يجدون مياهاً للشرب.
يوم الجمعة 17-9-1982 كان خير في البيت مع زوجته وأطفاله وزوجة شقيقه رأفت وابنتهما الصغيرة، يجهزون لطبخة ملوخية فلسطينية، حين اقتحمت البيت مجموعة من المسلحين القواتيين الانعزاليين الفاشييين من عملاء شارون والعدو. اقتادوه الى خارج البناية بحجة اجراء تحقيق معه لكنهم أعدموه على ما يبدو بكواتم الصوت. عُثر عليه مع القتلى الضحايا في مستشفى الجامعة الأمريكية. في ذلك الوقت العصيب على شعبنا ومخيماتنا أصرت والدته على دفنه في مقبرة الشهداء مع والده الشهيد وتم دفنه هناك.

شكرا للأخوين رأفت عبد اللطيف يونس و”أبو براء” محمد عبد اللطيف يونس على الصور والمعلومات التي أمدوني بها.

نضال حمد – موقع الصفصاف – وقفة عز

7-11-2022