الأخبارالأرشيف

التهدئة والثوابت – عبداللطيف مهنا

توقفت شأني شأن الكثيرين أمام تصريحات أول أيام العيد في غزة المحاصرة. بدت وكأنما هي تزفّ للغزيين الرازحين تحت كارثية حصار طال بقرب محتوم لانفراجة. بدا هذا بخلاف كافة التسريبات السابقة، وكذا ما تناهى من تصريحات الفصائل المشاركة في حوار القاهرة التهدوي قبل العيد وعشية تعليقة إلى ما بعده. كلها لم تذهب في تفاؤلها إلى هذا الحد. والتعليق تأجيلاً بحد ذاته أوحى حكماً بأن الرعاة ومن يحاورونهم قد أعطوا أنفسهم فسحةً لتذليل عقبات حالت دون استيلاد التهدئة المنشودة. وهذه أبدت الأسابيع الأخيرة ما يوحي وكأنما كافة أطراف عالم من يهمه أمرها، دولياً، وإقليمياً، وعربياً، مُنكبّ على إخراجها وحريص على الإدلاء بدلوه في صخبها التهدوي، وكلٍ من موقعه ودوره ومصلحته، مع مراعاة كافة سيناريوهاتها بلا استثناء، والتي هي قيد المساومة، أمرين حاكمين: التخفيف من كارثية الحصار إنسانياً بالقدر الذي يرد خطر انفجار مرجل غزة في وجه الجميع، وإيماءة موافقة من نتنياهو.

تصريحات العيد بدت كشبه عيدية للمحاصرين، أو بمثابة اعلان مسبق عن انتصار…كيف؟!

كان ملَّخصها يقول: نحن في سبيلنا للوصول إلى تهدئة وحل للضائقة الإنسانية الرهيبة في غزة لا ندفع مقابلها ثمناً سياسياً، ولا تستدعي منا تنازلاً ماساً بثوابتنا ومسلماتنا الوطنية ومقاومتنا للاحتلال…وهذا إن كان حقاً، فيعني في هذه الحالة واحدةً من اثنتين لا ثالث لهما:

الأولى: هزيمة تكتيكية واستراتيجية ذات مردود ردعي ومعنوي للمحتلين، وتسليم منهم بها، وإقرار منهم بفشل حصارهم، وبالتالي عجزهم عن ترويض غزة وإسقاط بندقية المقاومة من يدها، وأقله أن غزة قد انتزعت منهم هذه التهدئة وفق رؤيتها هي للتهدئة وليس رؤيتهم، أو ما لا يخفى من أن مساعى الوسطاء ضغطا وتمويلاً، كانت في البداية منصبَّة لإنجازها.

والثانية: أنها لا تعدو تهدئةً ميدانية مؤقتة اضطر الاحتلال، أو أكره لا فرق، لقبولها لأسبابه وحساباته الظرفية، بمعنى أنها مثلها مثل سابقاتها اللائي تلين حروبه الأربعة الأخيرة على غزة، بمعنى يخرقها وقتما يناسبه لاحقاً، ولا تلبث اشتراطاتها والتزاماته حيالها أن تذهب ادراج رياح عدوانيته، مع فارق واحد في هذه المرة، وهو اقتناعه هو والغرب وعرب التهدئة بأن الحصار قد فشل بعد أن أوصل غزة إلى واقع كارثي، لم يدفعها للاستسلام، ولكن إلى مسيرات العودة، كما وينبىء بقرب انفجار لن يسلموا جميعهم من عواقبه، وبالتالي، وجوب تخفيف وطأة كارثيته لا أكثر.

..وحتى لو ذهبنا بعيداً إلى حيث احتمالات رفعه والتي لا نرجحها، فذلك يكون مقيداً باشتراطات يمكنه تسويقها أمام جمهوره المغالي في تطرُّفه وعدوانيته.

إن كانت التهدئة الموعودة هذه هي بمضمون الأولى، ولا تسهم في فصل القطاع عن الضفة والذي هو من استهدافات مخططات تصفية القضية، فلا نعتقد أن فلسطيني أو عربي أو إنسان حر، وهو يعلم مدى عذابات مليوني فلسطيني في معتقل غزة الكبير، لا يستبشر بها خيراً، أو هو ضد تهدئة فرضت على المحتل وفق الاشتراطات، أو المبادئ، وبلغة أخرى الثوابت، التي صمدت غزة اثنى عشر عاماً رهيبة للمحافظة عليها، وفي مقدّمتها افشال استهداف اسقاط بندقيتها المقاومة.

…لا أحد ضدها إلا الأوسلويون، الذين يرون في مطلق تهدئة بدون توقيعهم مع تمكينهم في غزة “من الباب للمحراب، وفوق الأرض وتحت الأرض”، بمعنى سحب “التنسيق الأمني” في الضفة عليها، بما فيه ما “تحت الأرض” أي المقاومة وأنفاق المقاومة، تفريطاً بالقضية، أما إذا كان وفقه، فنضال وطني كسائر نضالاتهم التي اسفرت عن ما وصلوا وأوصلوا القضية لهاويته!

إن كانت هذه أو تلك، لابد من التذكير بالآتي: عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة كان فدائيوها يستشهدون من أجل تحرير كامل فلسطين التاريخية، وليس المساومة على 21% من ما تيسر من المحتل بعد النكبة الثانية بالتنازل عن 78% من المحتل بعد النكبة الأولى. كما أن حق العودة يعني المواجهة التناحرية، ليس مع قانون “القومية اليهودية”، وإنما مع وجود الكيان الاستعماري الغاصب برمته فيها…ومسيرات العودة وال180 شهيداً وأكثر من ثلاثة آلاف جريح ومقعد في غزة، هذه التي افرغت بتوازيها مع معادلة “نار مقابل نار”، المستعمرات المحيطة بالقطاع المحاصر، لم تنطلق وتتواصل من أجل التهدئة، أو رغيف ممزوج بالذل، أو اطلاق ماراتون الوساطات، والسمسرات، فالتنازلات، وتمكين “التنسيق الأمني” في الضفة المستباحة من عنق غزة المقاومة.

وتذكَّروا أيضاً، إن الحروب العدوانية الأربعة على غزة كلها أُختتمت بتهدئة ذهب زبدها جفاءً فور إبرامها، وإن الثمانين في المئة من أهلنا في غزة هم لاجئون ويريدون العودة إلى ديارهم التي شردوا منها، وليس السماح لألاف قليلة منهم بالعمل في بناء مستعمرات عدوهم على أرضهم السليبة، أو نوادل يخدمون في مطاعمه.

…مشكلة الأمة المقهورة تكمن في أن من أنظمتها من لا يتورع عن أن يتحوّلَ إلى ضاغط أو مموّل لتمرير مخططات نتنياهو، ومشكلة شعبنا المناضل كانت دائما في قياداته التي لم ترتقِ يوماً إلى مستوى فدائيته واسطورية صموده.