الأرشيفوقفة عز

الحاجة أم نبيل الكُرد أم القدس والشيخ جراح – نضال حمد

الحاجة أم نبيل الكرد كانت أماً لكل سكان حي الشيخ جراح في القدس المحتلة. فهي المرأة والحاجة الثابتة على الثوابت، بقيت متمسكة ببيتها ولم تسلمه للصهاينة بالرغم من الجحيم الذي أحاط بها لسنوات طويلة. استمرت في الصمود والصبر والكفاح حتى وافتها المنية عن 103 أعوام قبل أيام قليلة في قلب حيّ الشيخ جراح في القدس الفلسطينية العربية المحتلة. عشرات السنين من الصمود والمواجهة لم تهن فيها ارادة وعزيمة أم نبيل، بقيت الكخنجر مغروزة في جسد الاستطيان والمستوطنين الغزاة المستعمرين. فكانت مثالاً يحتذى به في القدس وفي كل فلسطين.

لطالما رددت وقالت وصرحت أم نبيل لوسائل الاعلام العديدة والكثيرة التي التقتها عن حياتها في الجحيم وتحملها كل الآلام من أجل الحفاظ على منزلها ورفض تسليمه للصوص الصهاينة المستعمرين. أم نبيل سردت التالي على مسامع الصحفيين: “كُنا من أوائل السُكان الذين سكنوا حي الشيخ جراح عام 1956،  فقد بُني المنزل بين العامين 1954 و1955، وتم بناءُه مِن قِبَل الوكالة والإنشاء والتعمير الأُردُني،  ولم تكُن حينَها المنطقة مأهولة بالسُكان، بل كانت منطقة أشجار وأحراش. وفي بداية السبعينات بدأ الاستعماريون اليهود بِزِيارة المنطقة وبدأوا يستوطنون فيها شيئاً فشيئاً.”.

يقع منزل عائلة الكُرد في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، منذ سنوات طويلة البيت مهدد بالمصادرة والسرقة والابتلاع والاستيلاء عليه من قبل الغول الاستيطاني اليهودي الصهيوني، هذا الوحش الذي أصبح أكثر توحشاً منذ وقعت قيادة م ت ف اتفاقيات “السلام” الاستسلامية مع الكيان الصهيوني. وهو ليس البيت الوحيد في الحي الذي يهدده المستعمرون والمستوطنون المتوحشون، فهم يهددون كل حي الشيخ جراح وخططهم جاهزة وطويلة المدى ويتم تنفيذها بلا تعجل وعلى مهل، في زمن “سلام الشجعان” الفلسطيني وزمن التطبيع والانحطاط العربي. ففي زمن شجعان أوسلو قام الارهابيون الصهاينة بالاستيلاء على منازل في الحيّ تعود لعائلات فلسطينية عديدة منها، حنون، الشنطي، الكُرد والغاوي. مما يدل على أنهم ينوون الاستيلاء على الحيّ بأكمله كما هي نيتهم الاستيلاء على القدس بأكملها وتطهيرها عرقياً من الفلسطينيين، بغية تحويلها الى مدينة يهودية لليهود فقط.

الحاجه أُم نبيل الكُرد التي عاشت وماتت في بيتها بحي الشيخ جراح، البيت الذي تحيطه من جميع الجِهات قطعان المستوطنين اليهود الصهاينة، المقيمة في منازل العوائل الفلسطينية التي ذكرناها، حيث أنهم كانوا قد استولوا عليها بعد طرد سُكانها الأصليين.

أم نبيل الكُرد بقيت كالسيف وحدها في خاصرة الوحوش الصهيونية، في قلب بيتها الذي أصبح فجأة في قلب حي استطياني يهودي يعج بالمجرمين المسلحين وبالقتلة المتوحشين، وبالمتطرفين العنصريين الدينيين، الصهاينة الحاقدين. لم تجبن ولم تهن ولم تتراجع، ورفضت مغادرة منزلها، بالرغم من كل أنواع المضايقات التي قام بها المستوطنون بلا توقف على مدار كل تلك السنين. كانوا يرمون قذاراتهم وزبالتهم ونفاياتهم على بيتها. ويفتعلون الضجيج والازعاج على مدار الساعة. ويضيقون عليها في كل مناحي الحياة. يتعرون عندما يرونها أو يرون أحد أفراد عائلتها. بالرغم من تلك القذارة والخسة والمحاربة صمدت وبقيت كذلك حتى وفاتها.

كانت الحاجة أم نبيل الثابتة على الثوابت، السيدة الفاضلة التي قرأت المخطط الصهيوني وعرفته فعرفت كيف تقاومه، كانت تعرف أن ما يسعى اليه الصهاينة هو الاستيلاء على الحيّ بأكمله. وكانت الحاجة تعرف أن المستعمرون الصهاينة اليهود من أصحاب النفس الطويل وأنهم يعملون بكُل جد من أجل تحقيق هدفهم تدريجياً.

أدركت تلك المرأة الفلسطينية العظيمة أنها تخوض معركة العمر، معركة البقاء أو العدم، معركة تكون أو لا تكون. أدركت أيضاً أن معركتها طويلة وصعبة وتتطلب صبراً وصمود وقوة تحمل مضاعفة. وأدركت أن عليها هي وعائلتها تحمل كل ما سيقوم به اللصوص من المستوطنين، الذين يسكنون الآن في منازل جيرانها التي أفرغت منهم بعد طردهم واستطيانها من قبلهم.

قالت أم نبيل للاعلاميين الذين تحدثوا إليها: “في ساحة منزلي، يقومون باستفزازنا بأساليبهم المقززة. وكُلما رأونا يشتموننا بألفاظهم النابية، وأحياناً يتعرون أمامنا، فيخلعون ملابسهم في الساحة عند رؤيتنا، من أجل استفزازنا بمظاهرهُم المُقرفة وجرنا إلى مشاكل ودفعنا إلى مغادرة المنزل”..

مقابل منزل الحاجة أم نبيل كان منزل عائلة الغاوي ومنازل لعائلات أخرى سيطرت عليها عصابات المستعمرين اليهود. فعلى منزل عائلة الغاوي تم رفع ووضع شمعدان ضخم الحجم لا يبعد عن دار الحاجة سوى أمتار قليلة. تم طرد عائلة الغاوي من بيتها في سنة 2010. وبحسب خبر نشر سنة 2011 في موقع مركز أبحاث الأراضي في القدس فأنه خلف منزلها، يقع” ضريح -الصديق السعدي- والذي يُطلق عليه اليهود قبر الصديق شمعون، وذلك من أجل تزوير التاريخ ولينسبوا الموقع والضريح لهم.”. وجاء أيضاً في نفس المصدر:

“عند الدخول إلى المنزل، لا بُد من المرور من الساحة التي تفصل بين منزل أُم نبيل ومنزل سيطر عليه المستوطنون وطردوا سُكانه منه ورفعوا عليه الأعلام (الإسرائيلية) ونصبوا كاميرات المراقبة حوله، وأثناء المُرور بالساحة يشعر المارة بأنفاسٍ ونظرات خفية حاقِدة تُراقبهم من كل مكان وصوب، من خلف النوافذ ومن وراء الأبواب إلى حين الوصول لمنزل أُم نبيل.”.

رحلت أمنا العظيمة الحاجة أم نبيل الكُرد عن 103 أعوام وقبل أيام من عيد الأم، المصادف أول أيام فصل الربيع في الحادي والعشرون من شهر آذار- مارس الجاري. فلها المجد والخلود وعلينا الوفاء والنضال حتى تحرير كامل تراب فلسطين.

نضال حمد

21-3-2021

الحاجة أم نبيل الكُرد أم القدس والشيخ جراح – نضال حمد