الأخبارالأرشيف

العقلانيّة واللاعقلانيّة: كيم جونغ أون في مواجهة ترامب – اسعد ابو خليل

تحتل العقلانيّة (واللاعقلانيّة) حيّزاً واسعاً في أدبيّات العلاقات الدوليّة. وهذا الحقل تطوّر في القرن العشرين، خصوصاً بعد الحرب العالميّة الثانيّة. ولأنه يدخل في ما أسماه إدوار سعيد في كتاب «الاستشراق» في نطاق «المعرفة السياسيّة» (لا «المعرفة المحضة») فإن الحكومة الأميركيّة أبدت اهتماماً كبيراً به إلى درجة أنها أنفقت في استثمار نظريّات في هذا الحقل مما أنتج الزواج بين الرياضيّات وبين العلاقات الدوليّة في مجال ما يُسمّى بـ«نظريّة اللعبة»، من أجل تطبيق النظريّات العلميّة على الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

يصعب تفسير العقلانيّة في نطاق العلاقات الدوليّة للتلاميذ المبتدئين (والمبتدئات) لأن المصطلح يحتمل معنى شعبيّاً يرتبط بالسلوك الخُلقي أو الأفضل. لكن العقلانيّة في دراسة السلوك الاقتصادي (وعلم السياسة استعار المفهوم من علم الاقتصاد أصلاً، ومن دراسات علم النفس) لا تعني السلوك أو الخيار الأفضل بقدر ما تعنى الخيار الأجدى نفعاً، والنفع هنا بالمعنى الاقتصادي للفرد. أي أن نظريّة السلوك العقلاني في الاقتصاد تهدف إلى دراسة دوافع ونتائج سلوك الفرد في انتهاج سلوك يريد المرء منه زيادة مصلحته الاقتصاديّة. لكن السلوك العقلاني هذا ينفصل عن مؤثّرات لا عقلانيّة. فالمرء لا ينتهج سلوكاً معيّناً أو خياراً معيّناً إلا بناءً على ما لديه من معلومات. تستطيع أن تقرّر أن تبتاع مشتريات المنزل من دّكان ما إذا ما سمعتَ أن أسعارَه أفضل من منافسيه. لكن هل تبتاع مشترياتك من دّكان بعيد حتى لو كانت أسعاره أرخص لكن نفقات النقليّات يمكن أن تقلِّل من قابليّة الخيار؟ إن المرء يُقرّر سلوكه الاقتصادي، السياسي، بناء على ما لديه من معلومات. وكلّما زادت معلومات المرء كلّما كان قراره أكثر فائدة له أو لها (بمعنى المصلحة الشخصيّة) – أو كلّما كان القرار أكثر عقلانيّاً (افتراضيّاً). وماذا لو أن المرء يقاطع البضائع الإسرائيليّة أو الأميركيّة، ويفضّل عليها مثلاً بضائع سويديّة ذات أسعار أعلى؟ إنه بذلك يُغلِّب الدوافع السياسيّة أو الهويّة (غير العقلانيّة) على الدوافع العقلانيّة (أي المصلحيّة المحضة).

ويُطبّق منهج دراسة السلوك العقلاني على عمليّة صنع قرار السياسة الخارجيّة والحروب والديبلوماسيّة بين الدول. ويسهُل تطبيق المنهج العقلاني في هذا الحقل لأن عمليّة صنع القرار محصورة بنخبة صغيرة (هذا يسري في السياسة الخارجيّة لا في السياسة الداخليّة حيث تكون القرارات عرضة لتجاذبات وصراعات كثيرة يدخل فيها الرأي العام). ويستطيع الحاكم أن يزيد من عقلانيّة قراره عبر تزويد نفسه بالكثير من المعلومات كي تكون نتيجة القرار موافقة مع دوافعه، وكي تستقيم عمليّة «الكلفة مقابل المنفعة» – وهي أساسيّة في انتهاج القرار العقلاني للحاكم. وصنع القرار بعقلانيّة في الأزمات أصعب بكثير من صنعه في الأيام العاديّة لأن القرار في الأزمات يخضع لضوابط وضغوط شديدة. يتحكّم عامل الوقت، مثلاً، باتخاذ القرار ويؤثّر في النتيجة. إذ لا يتمتّع صانع القرار بالوقت اللازم لتجميع كل المعلومات ولتقليب كل جوانب الخيارات المتاحة: النظر بعناية في معادلة «الكلفة مقابل المنفعة» تصعب في الأزمات. والاجتماعات في وقت الأزمات تتسم بالحدّة لما يُصاب به المجتمعون من إنهاك وتوتّر ذهني يؤدّي غالباً إلى تشنجّ في العلاقة بين الأطراف المجتمعة، وهي تشوّشُ ذهن الحاكم: والبعض يعتمد على الحبوب المُنشّطة في الأزمات (عانى اسحق رابين من أزمات نفسيّة حادة في الأسابيع التي سبقت عدوان ١٩٦٧). لقد كان رئيس هيئة أركان القوّات الأميركيّة المسلّحة في أيّام «أزمة الصواريخ الكوبيّة» يدفع باتجاه الحرب الشاملة مع الاتحاد السوفياتي ممّا دفع جون كنيدي في لحظة ما بتذكيره بمنصب القائد الأعلى للقوّات المسلّحة.

و«أزمة الصواريخ الكوبيّة» هي الحالة الكلاسيكيّة لعلماء سياسة العلاقات الدوليّة ليس لأن الأزمة كانت الأخطر في التاريخ البشري إذ إن العالم لم يقترب – كما اقترب يومها – من خطر تفجير مُدمّر للكوكب برمّته. كما أن تسجيلات ووثائق المرحلة أمدّت الخبراء بالمصادر الأوليّة لدراسة عمليّة صنع القرار. وهناك خطر «تفكير المجموعة» الذي يسود في حالات كهذه، ممّا يُضعِف من عقلانيّة القرار لأن المجموعة يمكن أن تصاب بلا عقلانيّة يسبّبها الجموح الوطني أو التعصّب الديني أو القومي أو الخلاف الشخصي والطموح السياسي. ولقد وضع غراهام أليسن كتاباً كلاسيكيّاً في حالة «أزمة الصواريخ الكوبيّة» بعنوان «جوهر القرار: شرح أزمة الصواريخ الكوبيّة». والكتاب رسم معالم حقل دراسة صنع قرارات السياسة الخارجيّة، وهو لا يزال يهدي كتب العلاقات الدوليّة في الجامعات الأميركيّة.

أضافَ أليسن تشكيكاً إلى صوابيّة «نموذج صانع القرار العقلاني»، لأن الحكومات تلجأ أحياناً إلى «نماذج» صنع قرار غير الخيار العقلاني. (ويعطي أمثلة عن أخطاء شابت سلوك الاتحاد السوفياتي ويدعو إلى عدم التقليل من عنصر اللجوء إلى خيار تعليمات وإرشادات دوائر الإدارات الحكوميّة المتعاقبة. ولا يقلّل أليسن من عامل «المماحكات السياسيّة» حتى في أيّام صنع القرار في الأزمات الكبيرة).

ولو طبّقنا نظريّة «الخيار العقلاني» على صنع القرار في كوريا الشمالية وفي أميركا حاليّاً للاحظنا حدود صوابيّة الخيار العقلاني المحض. الحاكم الأميركي يفتقر إلى كم المعلومات الضروري الذي يتيح للحاكم اتخاذ قرارات عقلانيّة. فهو، أي ترامب في هذه الحالة، يفتقر إلى المعرفة والعلم والخبرة في العلاقات الدوليّة وهذا يضعف من قدرته على عقلنة قراره، ولو أراد. كما أنه لا ينفق الكثير من الوقت في اتخاذ القرار لأنه ملول في جلسات البحث في السياسة الدوليّة، ولا يقرأ التقارير التي تعدّها له أجهزة الاستخبارات الأميركيّة. كما أن هذا الرئيس لا يحيط نفسه، كما حالة رؤساء مثل نيكسون أو كارتر أو أوباما، بمستشارين من آراء ومواقف مختلفة مما يزيد من اتساع مروحة الآراء التي تتيح للحاكم اتخاذ قرار عقلاني في شأنها.
أما عمليّة صنع القرار في كوريا الشمالية فنحن لا نعلم عنها الكثير إلا أن ضيق دائرة القرار تقلّص من إمكانيّة اتخاذ قرار عقلاني فيها. ومن المشكوك فيه أن يكون كيم يحيط نفسه بمروحة واسعة من المستشارين المتنوّعي الآراء، أو أنه يرحّب بالمناقشة الحرّة حول طاولة اتخاذ القرار. وليس هناك من دلائل على معرفة عميقة له بالعالم، مما يحدّ عقلانيّة اتخاذ القرار. وتجربة كيم في الحكم حديثة والخبرة تمدّ الحاكم بقدرة أكبر على انتهاج العقلانيّة في القرار.

ونظريّة القرار العقلاني تفترض أن الحاكم في أي بلد هو عقلانيّ، ومن فرضيّات القرار العقلاني افتراض عقلانيّة خصمك، لأنك لو لم تفعل فإنك تستبعد من حسبان اتخاذ القرار إمكانيّة لردّ أو مبادرة أو هجمة فعّالة ومجدية (له أو لها) من خصمك. وكلّما افترضت عقلانيّة قرار خصمك كلّما كنتَ متحضّراً له (أو لها). وتنزع الإدارات الأميركيّة المتعاقبة، كما حكومة العدوّ، إلى وصف كل خصومها حول العالم بـ«المجانين»، وكان وصف المجنون قد أطلقه الطرفان ضد عبد الناصر والحاج أمين الحسيني وأحمد الشقيري وياسر عرفات والقذّافي وصدّام حسين وأحمد ياسين والخميني وأحمدي نجاد. أي أنه – في عرف أميركا وإسرائيل – لا يمكن إلّا لمجنون أن يعارض المشيئة الإسرائيليّة والأميركيّة. لكن افتراض جنون خصمك جائز لو أنكَ أدخلته في الحسبان لكن قريناً مع افتراض عقلانيّة الخصم. أي يمكن أن تحتسب في اتخاذ القرار إمكانيّة أن يلجأ الخصم إلى تصرّف معاد لمصالحه، مع احتساب امكانيّة لجوئه لتصرّف في مصلحته. لكن كثرة الخيارات المتاحة ومناقشاتها تستغرق وقتاً طويلاً، وهو غير متاح في مراحل الأزمات في السياسة الخارجيّة. ويمكن لكَ كحاكم – كما يفعل ترامب على تويتر – أن تظهر بمظهر اللاعقلاني كي تخيف خصمك فيما أنتَ تفعل ذلك لأسباب عقلانيّة (غير مجنونة كما تبدو في الظاهر).

والحكم على سلوك ما أنه عقلاني أو لا عقلاني (مجنون) لا صلة له بشكل أو أداء التصرّف أو شكل العمل. هل أن اجتياح صدّام للكويت هو عقلاني أو لا عقلاني؟ هل أن الغزو الأميركي للعراق هو عقلاني أو لا عقلاني؟ إن الحكم على عقلانيّة عمل ما أو سياسة ما بالنسبة إلى عقلانيّتها تتعلّق بنتيجة العمل لا بشكله. لو أن صدّام مثلاً انسحب من الكويت قبل الإنذار الذي أُعطيَ له واحتفظ بجيشه كما هو، لكان قد استفادَ من عمله وجنّب نظامه (وبلده) ضربات وعقوبات مدمّرة. لكن صدّام لم يفعلْ، وبقي في الكويت وجرّ على نفسه والمنطقة ويلات لم تشفَ منها بعد. لكن كيف اتخذ صدّام قراره الذي لم يشرك فيه إلا ولديْه وصهره وطارق عزيز؟ وهل أن مستشاري صدّام يجرؤون على طرح بدائل عقلانيّة عمّا يميل إلى انتهاجه؟

أما في حالة كيم، أو حالة أي حاكم آخر، فيجب تحديد الهدف من سياسة ما للحكم على نتائجها المتوقّعة. هل أن كيم قرّر من جملة خيارات (بناء على معيار «الخيار العقلاني») أن أفضل نتيجة للوصول إلى هدفه (وما هو هدفه؟) هو في التنازل نحو واشنطن؟ في عمليّة سياسة الخيار العقلاني يُحدّد صانع القرار جملة من الأهداف ويضعها في تراتبيّة. لا نعرف أهداف كيم ولا نعرف تراتبيّتها لكن يمكن التكهّن حولها. هو إما يريد الحفاظ على شخصه (تسرّب في الإعلام أنه يطلب ضمانات شخصيّة لأمنه) أو على نظامه أو على وحدة الكوريّتيْن، أو أنه يريد تخفيف الخطر الأميركي عنه. لو أن الهدف هو الحفاظ على وحدة الكوريّتيْن (وهو ليس بالضرورة خياراً عقلانياً لأنه يتعلّق بالهويّة القوميّة) فيمكن أن تكون سياسته لا عقلانيّة (مثل أن عبد الناصر قبل بالوحدة مع البعث في عام ١٩٥٨ مع علمه أن البعث يتآمر ضدّه دوماً).

يمكن أن يكون كيم يريد تخفيف وطأة العقوبات الاقتصاديّة على بلاده (وهي أصبحت خانقة بعد مشاركة الصين فيها في الحزمة الأخيرة)، أو أنه يريد احتراماً ديبلوماسيّاً عالميّاً، أو استثمارات كوريّة جنوبيّة في بلاده، وانفتاحاً على العالم. لكن أي من هذه الأهداف يتطلّب أو يعتمد على ثقة بالمفاوض الأميركي. لقد قرّر كيم أن الوعود الأميركيّة، حتى لو كانت مقرونة باتفاقيّات مُوقّعة، تشكّل ضمانة أكيدة له، وهذا ذروة في اللاعقلانيّة. إن كيم أهمل دراسة الاتفاقيّة التي عقدها والده مع الحكومة الأميركيّة في عام ١٩٩٤ في عهد بيل كلينتون. ليس ترامب هو الوحيد الذي لا يجد غضاضة في نقض اتفاقيّات كانت قد وقّعتها الحكومة الأميركيّة. كان الاتفاق يتضمّن تجميداً للبرنامج النووي وتطبيعاً للعلاقات بين البلديْن. لكن أميركا لم تلتزم بوعودها في تلك الاتفاقيّة: هي لم تبنِ مفاعلات نوويّة تعتمد على الماء الخفيف. فقد عارض الكونغرس بناء تلك المفاعلات بسبب الكلفة وأسباب أخرى، وتأخّر إمداد كوريا الشماليّة بـ«الوقود الثقيل». واعترف مسؤول أميركي بذلك أمام الكونغرس بأن أميركا لم تفِ بوعدها في هذا الشأن. وحذّر المسؤول، روبرت غالوتشي، في حينه من أن التأخير في إمداد الوقود سيقضي على الاتفاقية، لكن الكونغرس لم يأبه لذلك التحذير. ولم تُزلْ أميركا كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى عام ٢٠٠٨، على رغم تلبية كوريا الشروط الأميركيّة. ولم تُخفّف الحكومة الأميركيّة العقوبات (في عدد محدود منها فقط) إلا في عام ٢٠٠٠، بعد ست سنوات من الوعد. ولم تفِ أميركا بوعدها بإنهاء الحرب الكوريّة رسميّاً، كما كانت قد وعدت، وبتوقيع معاهدة سلام مع حكومة كوريا الشماليّة. وتأخر التعهّد الأميركي بعدم الاعتداء على كوريا الشمالية ست سنوات كاملة. لهذه الأسباب – وليس بسبب جنون الحاكم الكوري الشمالي – قرّرت الحكومة الكورية الانسحاب من الاتفاقيّة التي كانت أميركا قد تملّصت منها (وزاد تملّصها في عهد بوش الذي شملت استراتيجيّة إدارته إمكان استعمال السلاح النووي ضدّها). هل أن هذا النكوث الأميركي كان في مصلحة الأمن القومي الأميركي (أي هل كان عقلانيّاً؟)؟ هذا يتوقّف على نتيجة الصراع بين الدولتيْن.

أي أن انسحاب كوريا الشمالية من الاتفاقيّة كان عقلانيّاً، والبقاء فيها لم يكن عقلانيّاً بعد أن نكثت أميركا بكل وعود الاتفاقيّة. والخوف من أميركا والتحضّر لتحصين كوريا ضد عدوان أميركي محتمل هو الخيار العقلاني لكوريا الشماليّة. ليست ذكرى الحرب الكوريّة بعيدة من أذهان الكوريّين، حيث ألقت الطائرات الأميركيّة قنابل النابالم على المدن والقرى في كل أنحاء كوريا الشمالية. واعترف قائد قيادة الطيران الاستراتيجيّة في حينه، الجنرال كرتس لوماي (الذي أشرف على الإحراق المُمنهج لمدينة طوكيو في الحرب العالميّة الثانية، بما فيها ليلة ٩-١٠ آذار ١٩٤٥ في عمليّة «ميتنغ هاوس»، عندما تم إفناء ٤١ كلم مربّع من العاصمة اليابانيّة وتم قتل ١٠٠،٠٠٠ من المدنيّين وتشريد نحو مليون من سكّان طوكيو —وتعتبر هذه الغارة أكثر الغارات وحشيّة في التاريخ البشري) بـ«أننا قتلنا ٢٠ في المئة من السكّان في غضون ثلاث سنوات (من الحرب الكوريّة). ودين رسك (وزير خارجيّة في مرحلة الستينات) اعترف أن أميركا «قصفت كل شيء يتحرّك في كوريا الشمالية، وكل حجر على حجر». وبعد نفاذ الأهداف المدينيّة، دمّرت القاذفات الأميركيّة السدود المائيّة وسدود الريّ في المراحل الأخيرة من الحرب. ولا تزال وحشيّة الحرب الأميركيّة مجهولة لدى الأميركيّين، كما يقول الصحافي بلين هاردن الذي كتب عن الحرب الكوريّة.

يظنّ كيم أن اللقاء مع ترامب وتقديم التنازلات ستضمن له استقرار نظامه وستفتح الأبواب أمام استثمارات غربيّة من كل حدب وصوب. لكن التخلّي عن السلاح النووي سيكون بمثابة دعوة رسميّة للحكومة الأميركيّة لتنقضّ على الحكومة الكوريّة، ولتكمل ما لم تنجزه في الحرب الكوريّة. ليس المثال الليبي هو الوحيد: فقد تخلّى صدّام عن أسلحة الدمار الشامل ظنّاً منه أن ذلك سيبعد عنه شرّ الدول الغربيّة، كما أن النظام السوري سلّم سلاحه الكيميائي ظنّاً منه أن ذلك سيضمن امتناع النظام الأميركي عن قصف مواقعه. لا تحترم الحكومة الأميركيّة إلا منطق القوّة، وذلك في صلب تدريس النظريّة الواقعيّة في العلاقات الدوليّة في الجامعات الأميركيّة. وكيم سيدفع ثمن ثقته بإمكانيّة التزام أميركا باتفاقيّة سلام مع كوريا في الوقت نفسه الذي يجاهر الرئيس الأميركي بنيّته التخلّي عن التوقيع الأميركي على الاتفاقيّة النوويّة مع إيران. لقد وثق غورباتشوف، ووثق بعده راؤول كاسترو، إن إقامة علاقات سلميّة مع أميركا، أو حتى الانصياع التام للمشيئة الأميركيّة في حالة غورباتشوف، يمكن أن تدفع الحكومة الأميركيّة للتخلّي عن نياتها العدوانيّة وعملها على إقصاء نظام لا يماشي مصالحها.

أما في حالة ترامب، فنظريّة الخيار العقلاني يمكن أن تنطبق على بعض وجوه سياساته. إن تغريداته «المجنونة» وتهديده بـ«النار والغضب (الإلهي)» قد يكون قد أثبت فعله، وإلا كيف نفسّر التغيّر الجذري في الموقف الكوري الشمالي؟ لكن ماذا لو أن ترامب لم يكن يعني تهديداته؟ عندما يكون ترامب – لو أنه كان عالماً بذلك – قد أوقع كيم في فخّه من دون أن يكون متأكداً أن تهديداته ستدفع بخصمه نحو السلم والمهادنة لا يكون خياره عقلانيّاً: بل يكون صنع القرار هنا بمثابة لعبة النرد. لكن لو أنه كانت هناك إمكانيّة للحرب، فإن تهديدات ترامب عندها لم تكن عقلانيّة. إن تعامل ترامب بخفّة مع ملفّات السياسة الدوليّة يقلِّل من احتمال اعتماده على الخيار العقلاني. وما هو هدف ترامب؟ إن الخيار اللاعقلاني عند الحاكم يعني أن الحاكم لم يضع لنفسه أهدافاً بعينها. أحياناً، قد تكون الأهداف شخصيّة: المجد أو العظمة أو الإبهار. ظنّ صدّام حسين أن غزوه لإيران في عام ١٩٨٠ كان سيؤدّي إلى ظفر سريع، وأن ذلك سيزيد من سطوته في المنطقة. وترامب يهتم بصورته في الإعلام (الأميركي قبل العالمي) وهو يعلم أن القسوة والفظاظة ضد الأعداء التاريخيّين لأميركا (ولإسرائيل – إذ إن الحكومة الكورية الشمالية بقيت محافظة على خطابها التقليدي عن شعب فلسطين فيما تخلّى عن ذلك الخطاب معظم، إن لم يكن كل، الدول العربيّة) ستعود عليه بالثناء والتقدير في أوساط الرأي العام الأميركي. وقصفه مرتيْن لأهداف في سوريا كان من المرّات الوحيدة التي أجمع فيها سياسيّو وصحافيّو الحزبيْن على الثناء عليه.

لكن لو أن ترامب يضع نصب عينيه تغيير النظام الكوري الشمالي كهدف أولي فإن التنازل السريع من قبل كيم يمكن ان يحقّق له ما يريد. قد تكون الحكومة الأميركيّة تخطّط لمرحلة العمل على قلب النظام بعد توقيع اتفاقيّة ما مع الحكومة الكوريّة الشماليّة. واختيار مدير الاستخبارات الأميركيّة كبمعوث خاص لترامب كان إشارة على اعتماده على جهاز قلب الأنظمة في تعامله مع الحكومة الكورية الشماليّة. لعلّ كيم – الذي يفتقر إلى كمّ من المعرفة يحتاجها تبنّي الخيار العقلاني – يجهل طبيعة الحكم في أميركا. إن احتضان غورباتشوف من قبل إدارة ريغان وبوش (من بعده) لم يكن تسليماً من قبل الإدارة الأميركيّة بحق الاتحاد السوفياتي في الوجود، بل كان مقدّمة لزعزعته من الداخل بعد فتح أبوابه الموصدة أمام عمل الحكومة الأميركيّة التخريبي والانقلابي. وكيم لم يعد يطالب بانسحاب القوّات الأميركيّة من كوريا الجنوبيّة. وهو يعوِّل على حسن نيّة كوريا الجنوبيّة نحو بلاده لكن ذلك يفترض استقلاليّة وسيادة تفتقر تلك الحكومة إليها. وحتى لو كان هدف كيم توحيد الكوريّتيْن فإن تلك الوحدة ستكون على حسابه، كما كانت وحدة مصر وسوريا على حساب حزب البعث. الأقوى يطغى على الأضعف في هذه الحالات.

إن الصراع بين خيار عقلاني وخيار لا عقلاني يرجّح فوز الخيار العقلاني. والصراع بين خيار لا عقلاني وخيار لا عقلاني آخر يؤدّي إلى تفاقم الصراع لكن صاحب القوّة الأكبر يفوز حكماً. وإذا ما تخلّت حكومة كوريا الشمالية عن سلاحها الرادع (خصوصاً أنها استثمرت به وحده) فإن جاذبيّة خيار تحطيم النظام من قبل أميركا تصبح صعبة المقاومة.

* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

ا