الأرشيفالجاليات والشتات

الكاتب والرّوائي ّالفلسطيني سعيد الشيخ في حوار مع أحلام عيد

الكاتب والرّوائي ّالفلسطيني سعيد الشيخ: على الأديب الفلسطيني أنْ يظلّ دائم الاشتباك مع الفكر والرواية المضادة/ تقديم وحوار: أحلام عيد

لا شك أنّ الطفل الفلسطيني شديد الاختلاف عن نظرائه من أطفال العالم، أشدّ نضجاً ووعياً وإدراكاً، فمنذ عام الهجرة والتشرّد اغتيلت الطفولة الفلسطينية بمجزرةٍ تلو الأخرى، فطفلٌ شهد بأم عينه خناجر وسكاكين الغدر تقتلع أحشاء أحبائه، ليخرج تائهاً وسط شلالاتٍ من الدم النّافر من الأجساد المنحورة، وطفلٌ آخر نام مطمئناً واستيقظ ليجد نفسه وسط أطنان من الحجارة تمزق أجزاءه، ألوان متعدّدة من بشاعة الجريمة ورغبةٌ جامحةٌ بالانتقام للأرض والعرض، وحنينٌ جارف إلى الوطن هو ما شكّل كينونة الطفل الفلسطيني الذي وُلد يحمل همّ اللّجوء والثورة.
خلال اطّلاعي على أرشيف مجلة الهدف التي أسّسها الكاتب الشّهيد غسان كنفاني، وجدّت في العدد 290 الذي نشر بتاريخ 15 شباط 1975، أي قبل ما يقارب نصف قرنٍ من الزمان، قصةً لطفل صغير لم تتجاوز سنوات عمره الثلاثة عشر كتب فيها عن فلسطين وعن الفداء والثورة ما لم يكتبه أديب مخضرم، بلاغةٌ وفصاحةُ هائلة وقدرة عالية على الوصف والتصوير، تميّز بها هذا الفتى الصّغير الذي لم تلمس قدماه قط تراب فلسطين، إنّه الطفل سعيد صالح الشيخ محمود، ابن مخيم عين الحلوة، الذي ترعرع على صوت طلقات الرّصاص وعلى أدب غسان كنفاني ورسومات ناجي العلي، دفعني فضولي لأن أبحث عن هذا الطفل المعجزة، ولم أتفاجأ حين وجدته قد بات كاتباً عبقريّاً معروفاً تفيض كلماته بصور حيّة، لا تصنع حروفه كلمات بل مخلوقات تستطيع أن تراها تسمعها وتحس بها، ولا أبالغ إن قلت بأنّ رواياته تمثل آلة للتنقل عبر الزمن، تتنقل بالقارئ من حقبة زمنيّة إلى حقبة أخرى، تشعرك بالبرد أحياناً، وتذيقك طعم الدموع الملتهبة شوقاً للوطن، وستشعرك بتعب، تعب اللّاجئ المتنقّل بين المخيمات وتعب المهاجر إلى بلدان لا دفء فيها ولا انتماء.
بعد مرور 47 عاماً على نشر مجلة الهدف القصة الأولى للطفل سعيد الشيخ، تُحاور الهدف اليوم الطفل الذي أصبح كاتباً عظيماً، إليكم النّص الكامل للحوار:
*لقد ترعرعت ونشأت في مخيم للّاجئين، حدثنا عن الحياة في المخيم، وكيف أسهمت في بناء شخصيتك وتشكيل الوعي لديك؟
**اسمحي لي أن اقتبس في بداية جوابي مما ورد في روايتي “عين الحلوة” التي ما زلت أعمل عليها:
“أنجبتني أمي على حجر، انفلق الحجر وخرج منه قماش مخدتي. صفعتني الداية أم محمود على مؤخرتي وقالت: اسم الله.. ولد.
انفرجت أسارير أمي وكفّت عن الأنين.
لم يسمعني أحد أبكي كعادة المواليد، وعلى غير عادة وجدت نفسي مندهشاً من نفسي ومن الوجود، والوجود يحتويني تحت عماد في العراء. أتأمل في دهشتي، فأندهش أكثر؛ كيف لمولود كان قبل لحظات قليلة مجرد جنين في بطن أمه، كيف تنتابه دهشة المسافرين الذين يغادرون عالماً ويدخلون في عالم آخر فتصدمهم المكتشفات والرؤى”.
ما أود قوله شأني شأن كل الأطفال في المخيم نجد أنفسنا رجالاً قبل الأوان، حيث شظف الحياة والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية تجعلنا مخلوقات مبدعة تتسم بالشجاعة والتحدي من اجل الحياة والتغلب على كل المعوقات التي يمكن أنْ تحدّ من نشأتنا وفهم ما جرى لآبائنا واجدادنا من نكبة جردوا خلالها من الوطن وباتوا هنا لاجئين يعانون الشقاء، وأنّ علينا مسؤولية مستقبلية تجاه تغيير هذا الواقع.
*كيف كانت بدايتك مع الكتابة، متى تشكلت لديك هذه الموهبة، وما العوامل التي أسهمت في تكوينها؟
**كانت البداية في المدرسة، في الصف الثاني تكميلي حسبما أذكر، ربما في الثالثة عشرة من العمر، لفتّ انتباه مدرس اللغة العربية في مواضيع الانشاء حيث استدعاني مرة ليسألني أن كان أحد من الأهل في البيت يساعدني بكتابة المواضيع، أكدت له انها مواضيعي، فأصبح يستدعيني إلى الصفوف الأعلى لأقرأ على زملائي التلاميذ ما كتبته من مواضيع انشائية.
*حدثنا عن أول قصة لك شاركت فيها بمسابقة، وعن مشاعرك عند تلقي الجائزة، وما هو أثر هذه الجائزة على مسيرتك الأدبية لاحقاً؟
** كانت المسابقة من تنظيم مركز التخطيط الفلسطيني في بيروت بالاشتراك مع الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين وذلك في عام 1974، والهدف منها اكتشاف المواهب الأدبية بين صفوف مدارس الاونروا في لبنان. وحين جاء الإعلان عن المسابقة إلى إدارة مدرستي في مخيم عين الحلوة، طُلب من مدرّسي اللغة العربية ترشيح بعض الأسماء لكتابة قصة تهم الوضع الفلسطيني. وهكذا كتبت قصة “طريق الذكريات” عن لاجئ يعود إلى الوطن المحتل وهو فدائي، وفازت بالجائزة الأولى بامتياز. هذا الفوز هو الذي وجهني إلى طريق الكتابة وبتشجيع من كتاب فلسطينيين كبار التقيت بهم في حفل توزيع الجوائز الذي أقيم في مركز اتحاد الكتاب بالفاكهاني. كان أمراً مهما في نفسي أن التقي وجها لوجه مع طليعة شعراء وكتاب فلسطين في ذلك الوقت من نهوض الثورة الفلسطينية، وأنا كنت ما زلت مراهقا. شعرت أن المراهقة تذهب مني سريعا، وانني أتهيأ لاستلام مهمة تليق بالرجال، خاصة مع قراءاتي الكتب التي كانت جزءا من الجائزة وهي الآثار الكاملة للشهيد طيب الذكر غسان كنفاني وبعض روايات نجيب محفوظ وغيرها مجموعة كتب محورها القضية الفلسطينية. كذلك كان نشر القصة هنا في الهدف وفي جريدة السفير اللبنانية أمرا مفصليا وحاسما لي في الاستمرار بالكتابة وتجريب كل الأصناف الأدبية من شعر وقصة والمقالة السياسية والأدبية ومؤخرا الرواية.
*هل وجدت جهات تصقل شخصيتك وكينونتك الأدبية، هل تأثرت بكتاب أو ادباء معينين، وما اللون الادبي الذي كان يستهويك ويلقى شغفك؟
**ليس بالمعنى الصحيح للكلمة، ولكن أنا ثابرت بالكتابة وكنت أرسل انتاجي إلى الصحافة الفلسطينية التي راحت تنتشر بشكل واسع في بيروت، وكانت كلها عبارة عن مجلات أسبوعية الا واحدة يومية تشرف عليها الفصائل، كانت “الهدف” هي أولى منصاتي ومنها انطلقت من بريد القرّاء الى الصفحات الثقافية. وكما ذكرت سابقا انّ قراءتي للأعمال الكاملة للشهيد غسان كنفاني في منتصف السبعينات هي التي فجّرت وعيي وإلهامي على عالم السياسة وفنون الكتابة. وأستطيع اليوم أن ابوح انه من ذلك الوقت إلى وقتنا الحاضر، أن فلسطين تسكنني وأنا أسكنها من دون أن ألمس ترابها. وأعني فلسطين الفكرة، فلسطين القضية.
*فلسطين حاضرة في أغلب رواياتك وكتاباتك الأدبية، والقارئ لأدبك يجد عاشقا للوطن هيّمه الحب من رأسه حتى أخمص قدميه، كيف يتكون كل هذا القدر من الحب إلى محبوبة لم تسكنها قط؟
** يتكون حين تكون المحبوبة هي الكينونة كلها، لا انفكاك ولا مناص منها، هي الهواء وهي الوجود، ولأننا حُرمنا منها، يكون الوله أكبر لها. فلسطين هي عالمي لذلك هي شغفي الدائم. والكتابة لها وعنها هي بلسم للروح برغم كل العذابات التي تحيط بحياة الشعب الفلسطيني أينما كان وحل. فلسطين هويتنا لذلك يجب على نصوصنا أن تحمل روح هذه الهوية لتبقى وتستمر في الوجود بعد أن أراد الاحتلال إزالتنا قتلا وتهجيرا.
*لم تقتصر أعمالك على كتابة الرواية والشعر، حيث كتبت عشرات المقالات السياسية، إلى أي مدى يصعب على الأديب الفلسطيني أن ينجو بنفسه بعيدا عن معارك السياسة ودهاليزها؟
** ما من مثقف ومنهم الأدباء يستطيع أن ينجو من رياح السياسة، ومنهم من لم يمارس الكتابة السياسية نجدهم يمررون مواقفهم السياسية في أعمالهم الإبداعية. وليس على الأديب الفلسطيني بالذات أن يبتعد عن السياسة لأنه صاحب قضية هي عرضة دائمة للهجمات والمؤامرات من العدو ومن أصدقاء العدو، ومن أولى من صاحب القضية أن يتصدى لكل هذه الهجمات والتحديات التي تمس حياة ومستقبل شعبه. وبهذا المعنى على الأديب الفلسطيني أن يظل دائم الاشتباك مع الفكر والرواية المضادة.
*لا شك أنّ هناك عمل من أعمالك الأدبية تجده الأحب إلى قلبك، ما هو هذا الإنتاج الأدبي الأحب إليك وما السبب في ذلك؟
** تظل رواية “تغريبة حارس المخيم” التي نشرت لأول مرة عام 2015 هي الأقرب إلى نفسي، هل لأنني ذرفت الدموع أثناء كتابتها؟ لا أدري. مع أنها رواية متخيلة ولكن كل كلمة وجملة فيها تستند على واقع وأحداث وتاريخ فلسطيني حقيقي، منذ تاريخ النكبة مرورا بنشوء المخيم الى مجزرة صبرا وشاتيلا إبان اجتياح لبنان عام 1982، إلى التشتت في عواصم العالم، وحتى العودة إلى الوطن والديار حيث الحلم والتخيل متلاصقين مع واقع ما زال يعيشه الفلسطيني. إنها الرواية الأولى لي والتي وضعت فيها شيئاً من نفسي وأفرغت فيها مكنونات ما للشعر ولا للقصة على سعتها.
*جاءت رواية “أرجوحة بلاء” بطابع مختلف، حيث طرحت خلالها العديد من قضايا المجتمعات العربية، العادات والتقاليد والسلطة البطريركية، بعد هذا التشخيص الدقيق لنسيج المجتمع العربي، هل ترى أنّ هناك ربط بين هذه البنية المجتمعية وخيباتنا الممتدة وكيف لنا أن ننجو؟
** هذه الرواية لا تقول الأشياء مباشرة، وقد طرحت عليها رداء رمزياً سميكاً، كذلك هي تنتمي إلى الأدب الوجودي حيث ينتفي منها الزمان والمكان، ولكنها واضحة بمعالمها الاجتماعية. وهي قصة حب من الطراز الأول وسط عالم يتسم بالقسوة والكراهية. بمجمل أحداثها هي تسليط للضوء على الخيبات والانكسارات التي ما زالت تعصف بالمجتمعات العربية، والأسباب لا تحصى وهي تتوالد تباعاً بتلقيح ذاتي بما يسمح للمؤامرات الخارجية أن تدخل إلى حياتنا وتستوطن بيننا لتصنع لنا “أرجوحة بلاء”، الكل يتأرجح، أما كيف ننجو من هذه الأرجوحة علينا أن نبحث عن العقل فينا ونجعله سيداً على مجمل حركتنا الاجتماعية والفكرية لنهضة تمحو سواد الانحطاط الذي وقعنا فيه، من السهل أنْ ننظّر لهذا الكلام، ولكن المهم كي نبدأ ونحن فرقاً مختلفة وقبائل متناحرة، وهذا هو تاريخنا منذ البداية وما زلنا عليه، وللأسف أنّ الأمجاد التي نتغنى بها اليوم هي مجرد هراء مهرجاني لا يمتّ للواقع بصلة.
*هل يلقى الأديب الفلسطيني حقه في التقدير والثناء، أم أنّ هناك قصور تجاهه، وما هو المطلوب وطنياً لدعم الكتاب والأدباء، وما هو المطلوب من أجل تهيئة الظروف لظهور طاقات إبداعية جديدة؟
** للأسف، الساحة الثقافية الفلسطينية خاضعة للمحسوبيات والشلليات على حساب جودة النصوص، المثقف الحقيقي والذي يحب الحرية والحقيقة هو مهمّش ويتعرض إلى التطفيش. إنّ الذين يسيطرون على المشهد الثقافي اليوم هم إما ناطقون أيديولوجيًا باسم الفصيل الذي ينتمون إليه وإما من كتاب البلاط الذين لا همّ لهم إلا تلميع صورة وخطابات أولياء الأمر. للأسف نحن في الساحة الفلسطينية وبعد اتفاقات أوسلو مع العدو فقدنا الكاتب الثوري المشتبك وقد تحوّل معظم الكتاب إلى البحث عن الامتيازات والمناصب في إدارة فاسدة وهم يرفعون شعارات مضللة مثل “ثقافة السلام” والعدو ما زال يقتل فينا وينهب أرضنا ويهدم بيوتنا. وسط هذه الصورة القاتمة من سيلتفت إلى كاتب ناشئ وإبراز طاقات إبداعية جديدة؟
*كلمة أخيرة توجهها لقراء الهدف وللأجيال الفلسطينية الشابة، وإجابة على السؤال السهل الممتنع “كيف لنا أنْ نستعيد الوطن”؟
**أعلم انني حين أخاطب قراء الهدف بأنني أخاطب نخبة مثقفة، ومنهم من تربى على فكر الحكيم وإبداع غسان كنفاني الذي أسس هذه المجلة إبّان المد الفلسطيني الثوري. في فكر الحكيم وإبداع غسان تكمن الأجوبة التي أحوج ما نكون بحاجة إلى استعادتها اليوم وهي الوافية بالجواب على سؤال: “كيف لنا أنْ نستعيد الوطن”؟ وهذه هي المسألة التي يجب أن تظل تلحّ على تفكيرنا وعملنا.


(hadfnews.ps)


الهدف – فلسطين العدد 40(1514 )آب / أغسطس