الأرشيفعربي وعالمي

جبل العرب وأيلول الأسود! – سعيد نفاع

وقفات على المفارق مع… جبل العرب وأيلول الأسود!

(الجزء الأول) 

الوقفة الأولى… جبل العرب هو جبل العرب لأنّه لكل العرب!

هذه الوقفة أقفها مع منشور “فيسبوكّي” أطلقته أيامًا قليلة بعد اعتداء أواخر أيلول 2020 على أراضي القْريّة في الجبل، وقد أثار المنشور نقاشًا ومن طرفيّ المتراس، ولا شكّ أنّ النقاش حول فحواه كان وراء وقفاتي هذه. أقف فيها متوخيّا من طيّبي النوايا بطروحاتهم أن يستفيدوا من المعلومات في بلورة المواقف، بدل أن تكون عاطفيّة ارتجاليّة. ولقد تقوّى موقفي في إعادة الوقوف مع المنشور على ضوء ما قرأته من موادّ بعد المنشور. وكان جاء في المنشور:

“لم أشأ أن أدلو بدلوي حول الاعتداء الأخير الذي شنّه فيلق “أحمد العُوده” على بلدة “القْرَيّة” مسقط رأس سلطان الأطرش وموقع نصب شهداء الثورة العربيّة السوريّة الكبرى عام 1925م. لم أشأ ذلك لأنّي ما رأيت في الأمر أكثر أو أقلّ من أيّ اعتداء يجري على الأراضي السوريّة ضدّ مواطنين سوريّين بغض النظر عن انتماءاتهم الثانويّة، بدءًا بالمعتدي الأكبر إسرائيل وأدواتها ومنها “العودِه”، وانطلاقًا من أنّ دم الجندي السوري ابن الجبل المسفوك في دير الزور لا يختلف عن دم الجندي من دير الزور المسفوك في السويداء.

ولكن على ضوء المنشورات “الدرزيّة الإسرائيليّة” الفاقعة مرارات ودِرَر أصحابها على دروز الجبل ومتناسين من الذي سلّح العُودِه، لا بدّ من بعض قول:

أوّلا: أخطر ما تعرّض له الجبل ومنذ أن اندلعت الأحداث وثمّ الحرب في سوريا ليس جبهة النصرة ربيبة (إسرائيل) في الجنوب السوري على حدود الجبل، وإنّما محاولات ضرب وحدة أبناء الجبل ودقّ الأسافين بينه وبين الدولة.

ثانيًا والأخطر: إنّ غالبيّة أصحاب المنشورات “الدرزيّة الإسرائيليّة” استُعمِلوا أدوات من حيث يدرون أو لا يدرون، للوصول إلى الهدف المزدوج أعلاه؛ ضرب الوحدة ودقّ الأسافين، وقد نجحت نسبيّا الأيادي الخفيّة التي شغّلتهم، إذ خلقت بواسطتهم وبالدولارات قوى انفصاليّة كادت أن تحرق الجبل، لولا الحكمة التي تمّ التعامل معها رغم كثرة استفزازاتها.

ثالثًا: ما جرى بالأمس هو من تبعات وبقايا هذا ليس إلّا، وبغض النظر عن السبب المباشر الظاهر!

أخيرًا: بالمناسبة، الغالبيّة العظمى من الشهداء ليسوا منتمين لهذه القوى الانفصاليّة عالية الضجيج كثيفة صفحات الفيس بوك والبيانات.”

عندما استعمل مصطلح: “الصوت الدرزي (الإسرائيلي)” أنا أفرّق بين نقاش الفعاليّات الدرزيّة غير الرسميّة أفراد أو جماعات وبين الرسميّة، فبالنسبة للرسميّة والمرتبطة بالمؤسّسة فحدّث ولا حرج وليست ابنة نقاش هي ابنة إدانة في كلّ ما فعلته في الجبل. فللفعاليّات غير الرسميّة (إسرائيليّة) التوجّه طائفيّة المنطلق، التي تقوم قيامتها على “النظام” إن بدأت الدولة بحملة تجميع للمتخلّفين، ولا تلبث أن تقوم على “النظام” إن تخلّف عن مد يد العون للمليشيات الجبليّة والتي أساس قيامها هو الطلب من الدولة أن تعفي المتخلّفين لصفوفها أو في حالات ليست قليلة الوقوف العنيف في وجه الدولة “حماية” للمتخلّفين واحتوائهم تحت موقف أو حجّة أن يقوموا هم بواجب الحماية والدفاع عن الجبل، وهذا بغضّ النظر عن مصادر التمويل، فلغير الرسميّة وعلى ضوء ذلك وبمقولتنا المحليّة لا يجوز: “لا أرحمك ولا أخلّي غيري يرحمك، وإن طلع في يدي ما أخلّي رحمة ربنا تنزل عليك!”

الوقفة الثانية… تنّوع ونوعيّة المواقف ودوافعها.

المواقف المحليّة (عرب ال-48 بكلّ أطيافهم) من الأزمة السوريّة ومنذ أن اندلعت في آذار 2011 قلّما كانت موضوعيّة، غالبيّتها انطلقت طبقًا للآراء المسبقة والانتماءات الفكريّة والسياسيّة وحتّى الاجتماعيّة المختلفة وليس اعتمادًا على قراءة الحدث. في المعسكر، إذا صحّ التعبير، المؤيّد للدولة السوريّة بقيادتها ومؤسّساتها، يستطيع المرء المتابع أن يميّز اتجاهين:

الأول: المساند ل”النظام” (كما يطيب للبعض الاستعمال) بشكل مطلق وبغضّ النظر عن أدائه سوريّا وعربيّا قبل الأزمة وخلال الأزمة، وهذا لا يُبقِ ولا يذَر لكلّ من يطال النظام ولو ملامةً. والثاني: المؤيّد ل”النظام” ومحتكمًا إلى مواقف النظام من القضايا الأساس للأمّة وفي صلبها القضيّة الفلسطينيّة دون أن يتجاهل أداءه لا محليّا سوريّا ولا إقليميّا عربيّا لا قبل الأزمة ولا خلال الأزمة، يعبّر عن ذلك وفي كلّ مناسبة شفهيّا وخطيّا، ويميّز بين أعداء النظام وخصوم النظام. هؤلاء وأولئك، الاتّجاهان، أصحابهم بالأساس وطنيّون فلسطينيّا قوميّون عروبيّون عربيّا أو يساريّون تقدّميّين.

أمّا المعسكر الآخر ففيه اتجاهات كثيرة، ولكن القاسم المشترك بين هذه الاتّجاهات، مع كلّ الغرابة في الأمر لبعد المسافة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة بين مركّباته، هو معاداة “النظام” بقاموسهم، وطبعًا يعلّلون الغرابة تلك ويفسّرونها باختلاف المنطلقات، ويستطيع المرء أن يشير إلى ثلاثة اتجاهات أساسيّة في هذا المعسكر، وكالآتي:

الاتّجاه الأوّل: “المُتأسرِل”، وهو من شقيّن: الشقّ الأول المنطلق ذاتيّاً ممّا تمليه عليه (إسرائيليّته) قناعة، ولا فرق إن كانت مصلحيّة أو غير ذلك. والشقّ الثاني وهو كالأول ولكنه المنطلِق ممّا تمليه عليه المؤسّسة (الإسرائيليّة) خدمة لأهدافها من ناحيته ويقبل الإملاء قناعة (بإسرائيليّته) هو الآخر.

الاتّجاه الثاني: هو الطائفيّ السنّي وفي طليعته الإخوان المسلمون؛ الحركات الإسلاميّة، ويكفينا الإشارة أنّ بعض رموز هذا الاتّجاه وحين كان “النظام” يأوي “حماس- حركة المقاومة الإسلاميّة الفلسطينيّة”، كانوا يتوجهون إلى الرئيس السوريّ في المهرجانات الجولانيّة؛ ذكرى إضراب الجنسيّات وعيد الجلاء: “يا هذا الشبل من ذاك الأسد”، وإذ بالشبل وبعد الأزمة يصبح: “العلويّ الرافضي الباطنيّ الكافر”، وهذا الاتّجاه يلتقي في خلفيّة بعض أطروحاته ضدّ النظام مع الأطروحات الطائفيّة المحليّة الأخرى وعينيّا الدرزيّة.

والاتجاه الثالث: هو مجموع أكاديميّين يصنّفون أنفسهم يساريّين و\أو لبراليّين والبعض يساريّين و\ أو قوميّين ودعاة الحريّة وحقوق الإنسان والديموقراطيّة الأثينيّة. تجد بينهم فئة في نظرها “النظام” السوريّ هو المسؤول عن كلّ الموبقات في الأمّة وحتّى وإن “لم تنبت الخبيزة بعد الشتاء” فالمسؤوليّة عليه، وغطاؤهم أنّ النظام فاشيّ و.. و.. وزد ما شئت. وفئة أخرى نرجسيّة محبطة لا “يعجبها العجب ولا الصيام في رجب” في وعند هذه الأمّة من محيطها إلى خليجها بمجتمعاتها ودولها، فكلّ ما فيها مقرف متخلّف ومنها طبعًا النظام السوريّ، اللهم إلّا هم فهم من كلّ ذلك براء. هاتان الفئتان المشترك بينهما هو التنظير وإطلاق الأحكام ليس إلّا ولن تجدهم في أيّ ساحة نضاليّة ميدانيّة إلّا إذا ضمنوا فيها السلامة أوّلا والميكرفون ثانيا والعكس صحيح. وهنالك أخرى ثالثة وهي أكثر خطورة وهي المندسّة بخطابها انتهازيّا أو مهامّاتيّا طبقًا لمهامّ منوطة بها ممن يقف وراءها.

يميّز خطاب هذه الفئات الثلاث المزايدة من ناحية والعنف الكلاميّ من الأخرى وتوجيه الاتهامات وتقليد ال”نياشين”؛ التخلّفية في أحسن الحالات لكلّ من يرى غير ما يرون وليس فقط في الشأن السوريّ موضوعنا، وعلى الغالب يقلّدون هذه “النياشين” دون تمحيص وفي كثير من الحالات بقصد تشويه الآخرين وتغطية أقفيتهم هم.

في هذا الاتّجاه الثالث فئة رابعة عقلانيّة حتّى لو لم تتفّق معها ولا تتّفق معك وهاوية تفصل بين وجهة نظرك ووجهة نظرها، لكنْ يظل نقاشها في خانة النقاش الموضوعيّ، لا المتساوق مع أطروحات أعداء الأمّة وحلفائهم من الأمّة، حتّى وإن التقى النقاش شكليّا مع تلك الأطروحات، ولا يتمحور نقاشها حول الشعاراتيّ المزايد المُتّهم أصحاب الرأي الآخر عشوائيّا بما هبّ ودبّ، وهذه الفئة الرابعة عادة تخوض نضالاتها ميدانيّا دافعة الثمن مواقعًا ولقمة عيش.

الوقفة الثالثة… الجبل المشهد العينيّ والعام.  

في الجبل وحول الجبل يوجد من كلّ تلك الاتّجاهات (الفلسطينيّة – الثمان وأربعينيّة) مع اختلاف المرجعيّات لدى بعضها، اللّهم إلّا أنّ الأكثريّة في الجبل هي مع قيادة بلدها موقفًا وممارسة حقيقةّ وإن كان البعض عندنا يعتبر ذلك خوفًا ولكنها تبقى حقيقة، وهو حرّ!

لكلّ هؤلاء عندنا وفي الجبل ومهما اختلفت اجتهاداتهم ومواقفهم، لعلّ في الآتي (الإسرائيلي) ما يضيء ولو ومضة أمامهم، وما أشبه اليوم بالأمس، ففي مقال كنت كتبته في حزيران 2015 تحت عنوان: “لن يضيع الجبل بين العمائم والياقات”، كتبت فيه:

التحركات التي يقوم بها الجيش السوريّ أو إعادة التموضع وبغض النظر عن دواعيه وأسبابه، وإن كان وبحق يقلق البعض، لم يثر مثل هذه العاصفة الهوجاء التي ثارت عندما قارب هذا التحرّك أو التموضع أكناف جبل العرب. فلماذا؟ وهل سيضيع جبل العرب بين العمائم والياقات؟!

جبل العرب كان هدفا للحركة الصهيونيّة منذ أن حلّت في منطقتنا وفي سياقين؛ الأول: برنامجها الذي أسمته تحالف الأقليّات الدروز والعلويّين والموارنة واليهود وهذا معروف ومشهور، أما الثاني والأقل شهرة ومعرفة: ترحيل دروز فلسطين إلى الجبل والاستيلاء على قراهم وأملاكهم للمهاجرين اليهود مقابل دعمهم ماديّا في الاستيطان في الجبل وتعزيزا لمشروعها أعلاه. ويكفي للدلالة الاقتباس الآتي من تقرير لإلياهو أفشتاين المسؤول حينها في القسم السياسي في الوكالة اليهوديّة والمتخصص في شؤون سوريّة ولبنان – (أرشيف الهجناه تل- أبيب المصدر رقم 5أ-8ب): “إسكان الدروز في الأراضي المتروكة في الجبل يجلب الفائدة الاقتصاديّة ويمنع تسلط البدو عليها… سكان الجبل 70 ألفا منهم 57,764 من الدروز، 6 نسمات لكل كم مربع، يعني أخفض النسب في الاكتظاظ في أرض الانتداب الفرنسيّ وإضافة 10 آلاف درزي من أرض (إسرائيل) أمكانية سهلة… هذا يقوي الدروز في الجبل سياسيّا ويقوي مطالبهم في الاستقلال الذاتي…”.                

من نافل القول، أن نقرّر أن (إسرائيل) هي الرابح الوحيد في المنطقة من الأزمة العاصفة اليوم بالدول العربيّة، وهي التي تفرك اليوم أكفها بهناء ما بعده هناء، والمحاولات الحثيثة التي كانت وما زالت لشقّ أبناء الشعب العربيّ السوريّ عن بعضهم البعض وعن قيادتهم هي اليوم أكثر وأخطر، والخوف الأكبر اليوم هو استغلال الواقع الجديد وتهويله لا بل تأجيجه لعلّها تُسقط في شباكها أهل الجبل، وأدواتها ممن يلبسون من نسيجها باطنا وظاهرا “لبوس الغيرة” على أهل الجبل بحكم الانتماء المذهبيّ.

الوقفة الرابعة… الجبل في اللعبة الإقليميّة. 

وأضفت في المقال أعلاه: ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى، فقد انشغلت مراكز الأبحاث (الإسرائيليّة) في الأزمة السوريّة من بداياتها، وعكفت بشكل خاص على القيام بمحاولات تسليط الضوء على محتوى ومضمون الحدث السوريّ وتداعياته على الدولة العبريّة، وفي هذا السياق فقد نشر مركز (اورشليم للسياسة العامة)، ومقره القدس الغربيّة العديد من الاوراق البحثية التي حاولت بلورة رؤية محددة ازاء حركات الاحتجاج السياسي الشرق اوسطية، وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بالحدث السوري. فما هي مكانة الحدث السوري في الادراك السياسي والاستراتيجي (الاسرائيلي) وعلى وجه الخصوص الإدراك اليميني، الذي يمثله المركز المذكور؟

نشر المركز على موقعه الالكتروني، ورقة بحث، اعدّها البروفيسور الإسرائيلي أيال زيسر، حملت عنوان: “الانتفاضة السورية، التأثيرات على (إسرائيل)”، ….. وممّا جاء فيها:

وأما بالنسبة لسورية، فقد اوضح زيسر، الذي يُعتبر مرجعًا في الشؤون السوريّة بالدولة العبريّة، انّه في حالة صعود حركة الاخوان المسلمين السورية (النصرة)، فإنها سوف تدفع باتجاه ابعاد دمشق عن ايران وحزب الله اللبناني، اضافة الى انّ رموز هذه الحركة من خلال علاقاتهم مع النخب الاردنية والسعودية والنخب التركية، والامريكية والغربية الاوروبية، سوف يعملون باتجاه بناء افضل الروابط مع امريكا وبلدان اوروبا الغربية، وخلص البروفيسور زيسر الى القول انّه واذا اضفنا الى ذلك الحقيقة القائلة انّ دمشق البديلة سوف تكون هي دمشق الضعيفة، فانّ خيار صعود جماعة الاخوان المسلمين السورية هو الافضل بالنسبة (لإسرائيل)”. 

جدير بالذكر في هذا السياق الى انّه بالرغم من انّ الخبير (الاسرائيليّ) يُفضّل خيار استبدال سوريّة القويّة بسوريّة الضعيفة، فقد كان لافتا اعترافه بالحقيقة الاتية:

ما زالت فعاليات الحدث السوري الاحتجاجية مقتصرة حصرا على جزء صغير محدود من المجتمع الاسلاميّ السنيّ، وليس كله، بالإضافة الى ذلك، قال انّ المجتمع الدرزي ما زال بعيدًا عن المشاركة في الاحتجاجات، وبالنسبة للمسيحيين السوريين فقد حسموا الامر لجهة خيار دعم نظام البعث القوي، وفيما يتعلق بالأكراد، فعلى الرغم من خلافهم مع النظام الحاكم في سوريّة، فانّ السواد الاعظم منهم، أصبح حاليا، أكثر اهتماما بالوقوف بعيدا ومراقبة الامور عن كثب، وذلك عملا بالمبدأ القائل: دعنا ننتظر ونرى، على حد تعبيره. يُشار الى انّ الموقف الذي طرحه زيسر يتساوق مع موقف رئيس الموساد السابق، مئير دغان، الذي أكد مؤخرا على انّ سقوط نظام البعث في سوريّة، هو الافضل بالنسبة للدولة العبريّة”.

أبعد هذا الوضوح وضوح!!!

الوقفة الخامسة… خاتمة وفاتحة للجزء الثاني. 

الحرب العدوانيّة على سوريّة هي حرب وجود وحتى إن لم تكن كذلك في البداية أو حسبها البعض أنها لم تكن كذلك، فهي حرب وجود على سوريّة الدولة وعل سوريّة أطياف شعبها وخصوصًا المصنّفين كفّارًا، فلا هزيمة في حروب الوجود فإما النصر أو النصر. ومثل هكذا حروب هي طويلة، ولا حاجة أن يكون الإنسان خبيرا عسكريّا، ليقرّر أن في مثل هكذا حروب، المحارب بحاجة ل”راحة محارب” وبحاجة لترتيب وإعادة تموضع، والتموضع يتم عادة في الأماكن التي يأمن فيها ظهيره، والجبل لم يكن يوما إلا ظهيرا وطنيّا قوميّا أمينًا.

 

سعيد نفّاع

أوائل تشرين الأول 2020

…..\ يتبع

 

وقفات على المفارق مع… جبل العرب وأيلول الأسود!

(الجزء الثاني)

 

الوقفة السادسة… قليب وشيحان والشيخ والباروك والجرمق. 

قديما كان إن طرأ طارئ في الجبل أو وادي التيم أو الشوف أو الجليل واستدعى طلب الدعم، يكفي أن تشعل النيران على قمة جبل قليب أو شيحان في الجبل والشيخ في التيم والباروك في الشوف والجرمق في فلسطين، ليتقاطر المتطوعون خيّالة ومشاة إلى مصدر النار دون كثير تمحيص ودون تردد.

اليوم صارت التخنولوجيا تقوم مقام النار، ولكن في تلك الأيام كان القيّم على إشعال النيران معروفًا ومحدّدًا، أمّا اليوم فكلّ حامل جوّال، وكلّ صاحب حساب على الفيسبوك، وكل محطّة سفك دماء، وكلّ سياسيّ فيهم ومن خارجهم رهن نفسه للشيطان، يُشعلون النار على هواهم، فيتقاطر أصحاب عمائم ملأى بالسياسة والارتباطات إلى الاجتماعات والخطب الناريّة، وذوو ياقات منشاة في عواصم القرار إلى الشاشات، وكلّ يهد ويرعد حاسبًا أن زفير الخطب سيطفئ النار التي هبّت مؤخرا عالية على جبلي قليب وشيحان في الجبل.

يبزّ كل هؤلاء “قيادات” درزيّة (إسرائيليّة) رهنوا أنفسهم منذ أن حلّت (إسرائيل) وبعضهم قبل حلولها، للحركة الصهيونيّة، ليروحوا يدبلجون البيانات و-“ينخّون” بسطاء الناس أن هبّوا لنجدة “أخوتنا”، طبعًا ماديّا والله وحده يعلم إلى أين تذهب تلك الأموال التي يقتطعها البسطاء من قوت أبنائهم، مروّجين أن (إسرائيل) هي المنقذ وبعد أن تخلّى النظام عن أهلنا!!!

فمتى صار هؤلاء أخوتهم ومتى صارت سيدتهم (إسرائيل) “فاقعة الدرّة” على دروز الجبل وهي التي تمدّ مرتكبي المجازر في حقّهم، جبهة النصرة، بكل أسباب البقاء؟! وفقط بالأمس منعت حتى التواصل معهم، وحاكمت وحكمت بالسجن الفعليّ كل من عمل على هكذا تواصل؟!

ربّما يبدو كلامي أعلاه للبعض كما “النائح في الحفل”، ولكني على يقين غير متزحزح، وحتى لا يضيع أهل الجبل بين عمائم وياقات كتلك وبالذات (الإسرائيليّة)، وعمائم وياقات من عندهم المرتبطة بتلك، ما لهم إلا أنفسهم ووحدتهم وأبناء شعبهم السوريّ بكلّ أشرافه من كل شريحة، وقبل كلّ ذلك جيشهم العربيّ السوريّ وقيادته ودولتهم.

الوقفة السابعة… صِدام 29 أيلول 2020

في الوقفات الآتية والمرتبطة بالحدث الأخير و”أَبطاله” يمّمت شطر مصادر غربيّة إنجليزيّة وبالأساس صحيفة الغارديان، وحتّى المصادر المعارضة، وذلك كي لا يقول “المتجمّلون” و\أو “المتنوّرون” إنّ مصادري هي الموالية للنظام.

التفاصيل حول ما حدث في هذا اليوم، وأدّى حسب المرصد السوري المعارض إلى سقوط (15) ضحيّة من الجبل (قابل العدد إلى الازدياد) وعشرات الجرحى، وإلى 12 ضحيّة و63 جريحا من جماعة أحمد العودة- اللواء الثامن من الفيلق الخامس، كثيرة هي ولا حاجة للغوص فيها إذ يكمن الشيطان في التفاصيل. تعود جذور هذا الصدام العينيّ إلى آذار من العام 2020، ولكن جذور الصدام بشكل عام تعود إلى الحرب العدوانيّة على سوريّا واصطفاف كل من المنطقتين في معسكرين مختلفين، الجبل بالمجمل مع معسكر الدولة أو “النظام” مثلما يحلو للبعض الاستعمال كما قلت سابقًا، ودرعا بالغالبيّة في معسكر المعارضة المقاتلة لا بل منها انطلقت الشرارة. وقد كانت شهدت مناطق التّماس معارك شرسة بين الطرفين إبّان الحرب كما هو معروف، وعلى الغالب كان يحسمها الجيش والقوى الجبليّة الرديفة ولصالح الجبل، الدولة.

لا حاجة لطرح كلّ ما هو معروف ومن مصادر جبليّة “عليها العين” لا موالاة بمعنى الموالاة المتداول ولا معارضة، وليس من أصدقاء “فيس بوك” ولا معارف من نوعيّة “شهود ما شافوا حاجة” أو “قالوا له” أو حتّى “مرتبطة خارجيّا”، لأنه وبغضّ النظر لا طائل من طرح كلّ ما هو معروف ولن يفيد الرسالة المتوخاة من هذه المقالة في شيء، ولكن تكفي الإشارة إلى أنّ في الجبل- السويداء وفي السهل – درعا هنالك قوى كان وما زال لها ارتباطات خارجيّة مختلفة، ومنها مع (إسرائيل) بشكل مباشر أو غير مباشر مع أدوات ل(إسرائيل)، واليوم ما زالت على تلك العلاقات وإن كانت هذه القوى تأتمر بشكل مباشر بأوامر روسيا.

هذه القوى هي التي أشعلت الاشتباكات الأخيرة ولكنّ وقودها كان من بسطاء الناس وإن كان غطاء الأولى أنّها سيّرت دوريّات ردّا على عصابات اختطاف، أو كان غطاء الأخرى اعتداء على حدود أرض تابعة لبلدة القْريّة، هي في الواقع أراض كانت إبّان الحرب مواقع تماسٍّ عسكريّة شغلتها جماعة العودة وأخلتها بعد المصالحة تموز 2018، وظلّت غير مأهولة إلى فترة قصيرة قبل ال-29 من أيلول يوم الاصطدام.

يكتب رضوان الذيب في هذا السياق، في صحيفة الديار اللبنانيّة يوم 2 تشرين الأول 2020 الآتي:

“الاشتباكات بين ابناء جبل العرب واحمد العودة ليست بالجديدة وتعود لأكثر من سنة، حيث شن عودة هجومًا على بلدة القريّا بعد خطف مواطنين من إدلب في صلخد من قبل اعضاء عصابة معروفة، وقد دان مشايخ واهالي الجبل الخطف، وفيما كانت المفاوضات للإفراج عن الخاطفين جارية، شن عودة هجوما على القريّا بالقرب من السويداء وسقط اكثر من 23 شهيدا وعدد من الجرحى من ابناء السويداء ووقع مواطنون في الأسر وتمت تصفيتهم، وشن اهالي الجبل هجوما مضادا استردوا خلاله قسما من الاراضي، ودخل الجيش السوري وجرت محاولات لإجراء مصالحة لم يكتب لها النجاح بسبب تمسك عودة بدفع تعويضات للضحايا الذين سقطوا معه في الاشتباكات مقابل الانسحاب من اراضي القريّا، وبقيت المناوشات حتى انفجرت يوم امس الاول جراء استفزازات عودة والرد عليها من ابناء جبل العرب بهجوم وصلوا فيه لحدود بصرى وبعدها غادروا المنطقة بشكل عشوائي فتعرضوا خلال انسحابهم لقصف بصواريخ حرارية وكمائن وقناصة مما ادى الى سقوط العدد الكبير من الضحايا في صفوفهم وصل الى 20 قتيلا وعدد من الجرحى، وهذا يعود للأسلحة المتطورة التي يملكها عودة. وعلى الاثر تداعى مشايخ الجبل وفاعليات جبل العرب الى عقد سلسلة اجتماعات وناشدوا القيادة السورية التدخل حيث لم تحرك قواتها اثناء الاشتباكات لكنها تدخلت بقوة لوقف النار وتامين انسحاب شباب السويداء مما حال دون سقوط المزيد من الضحايا.

هذه الوقائع وفي المصدرين أعلاه تؤكّدها المصادر الجبليّة العقلانيّة وتضيف عليها، وبلا رتوش!

الوقفة الثامنة… من هو أحمد العودة؟!

الغارديان 13 تموز 2020 (The Guardian ) ترجمة:

“لا يوجد في سوريّا شبيهٌ لأحمد العودة تقريبًا، ثائر سابق وقائد حاليّ مدفوع الأجر من الروس حلفاء بشّار الأسد. في نظر البعض هو خائن كان قد عقد صفقة عندما سقطت محافظة درعا في يد النظام قبل سنتين. في نظر آخرين العودة ابن ال-38 يبقى ثائرا واعدًا لإعادة بناء المعارضة المتشظيّة.” وتضيف الجارديان:

“روسيا في المرحلة الحالية من الحرب هي القوة الفاعلة في المنطقة الجنوبيّة والآخذة على عاتقها الحفاظ على التوازن المخادع في هذه المنطقة وإبقاء المواطنين العزّل جانبًا، وهي أيضًا تلعب بين المصالح المتناقضة في الصراع، مصالح دمشق وطهران و(إسرائيل).” ويضيف التقرير:

“في حين أنّ أحمد العودة مكروه في السويداء، الكثيرون من أهالي درعا يضعون ثقتهم فيه لتأمين مستقبلهم. درعا استعيدت من قوّات الثوّار في تموز 2018. ومنذ ذلك الوقت كانت موضوع تجربة فريدة في سوريّا تعتمد التجربة الروسيّة في الشيشان… روسيا دفعت دمشق في اتّجاه صفقة مصالحة طبقًا لها يتمّ تجنيد ثوّار درعا في قوّة أمنيّة محليّة وبما يسمّى الفيلق الخامس.” (لمواجهة داعش والقاعدة، يضمّ كل القوى المعارضة المقاتلة في أنحاء سوريا التي لم تختر الانتقال إلى إدلب وفضّلت أن تبقى في مناطقها، وأحمد العودة قائد مجموعة شباب السنّة في الجيش الحرّ سابقًا، هو اليوم قائد اللواء الثامن من هذا الفيلق المتواجد في درعا – س. ن.).

ويتابع التقرير في الغارديان: “الفيلق الخامس مدفوع الرواتب من موسكو ومن المفروض أن يتّبع الأوامر الروسيّة.”

الوقفة التاسعة… أين “النظام” والصوت الدرزي (الإسرائيلي)؟!

بعد انفجار الأزمة السوريّة بفترة قصيرة نسبيًّا بدأت ظاهرة التخلّف عن أداء الخدمة العسكريّة الإلزاميّة والاحتياطيّة، وقد طالت هذه الظاهرة مناطق مختلفة من سوريّا ومنها السويداء (علمّا أنّ عدد شهداء الجبل في الحرب يناهز ال-4,000 شهيد عسكري، حسب مصادر جبليّة وال-10,000 حسب مصادر صحافيّة يشمل العسكريّين والمدنيّين). الدولة السوريّة بدأت بحملة اعتقالات ضدّ المتخلّفين وفي العام 2013 تحديدًا وبناء على تدخّل مشيخة العقل، تمّ التوافق مع الدولة على أنّ المتخلّفين ينضمون إلى سرايا حماة الديار والتي يقودها نزيه جربوع نجل شيخ العقل السابق حسين جربوع، وإلى وحدات حماية للقرى المختلفة. هذا التوافق دأب من دأب على أن يفشل ووصل الأمر إلى العام 2015 حيث ظهرت حركة ما يسمّى “رجال الكرامة” التي تبنّت قسمًا من هؤلاء وشكّلت ميليشيا خاصّة ومن خلال توجيه أسهمها للدولة والنظام، وسلّمت الدولة مع هذا الواقع (إعفاء المتخلّفين أو غضّ النظر) شرط أن يقوم الجميع على حماية الجبل. وظلّ الجيش العربيّ السوريّ بناء ونتيجة لهذا الموضوع متواجدّا في أكناف الجبل ولكن بقوى محدودة، اللّهم إلا عند تعرّض الجبل لهجوم كبير كان يتدخّل.

الهجوم الأخير 29 أيلول 2020 جرى في هذا الوضع؛ اللواء الثامن بإمرة الروس، الجبل تحت حماية القوى أعلاه بناء على رغبته ونتيجة للأمر الواقع فيه كما وُصف أعلاه. ومع هذا تدخّل الجيش بناء على توجّه الفاعليّات الجبليّة كما جاء أعلاه، وبعد أن انسحب الفصيل الأساسي من المهاجمين (الكرامة) بأوامر (!) ودون أن يعلم شباب “الفزعة” بانسحابه فوقع شباب “الفزعة” فريسة للقناصين والصواريخ الحراريّة وبدأ يتساقط منهم الشهداء. وعلى الأثر وكما جاء أعلاه: “تداعى مشايخ الجبل وفاعليات جبل العرب الى عقد سلسلة اجتماعات وناشدوا القيادة السورية التدخل حيث لم تحرك قواتها اثناء الاشتباكات لكنها تدخلت بقوة لوقف النار وتامين انسحاب شباب السويداء مما حال دون سقوط المزيد من الضحايا“.

الوقفة العاشرة… الخلاصة. 

لا أجدّد إن قلت إنّي أقف في صفّ سوريّا بشعبها وجيشها وقيادتها، وأنا أعرف أنّ القيادة السوريّة و\أو ما يُسمّى النظام ليسوا منزّهين وقد ارتكبوا في حقّ السوريّين وهم منهم، الكثير من الأخطاء وحتى الخطايا قبل الحرب على سوريّة أو خلالها، ولنا موقف من ذلك لم نقله وحسب وإنّما كتبناه وفي أكثر من مناسبة أو سياق. ولكن هذا التصرّف والوقوف ضدّه وإدانته شيء، والوقوف ضدّ النظام وإدانته وهو يخوض معركة وجود لغالبيّة الشعب السوريّ (الواقع أقوى من كلّ اجتهاد) وفي وجه أعداء الأمّة وقضاياها خليجيّا وإسلامويّا وصهيونيّا وأوروبيّا، وما دمنا نحكي عن ال-48 فكذلك فلسطينيّا وإن حدّدنا منهم العرب الدروز فأهليّا، فهذا شيء آخر… وعلى هذا وأبعاده يدور النقاش.

ولا بأس من تكرار ما جاء في الوقفة الخامسة: الحرب العدوانيّة على سوريّة هي حرب وجود وحتى إن لم تكن كذلك في البداية أو حسبها البعض أنها لم تكن كذلك، فهي حرب وجود على سوريّة الدولة وعل سوريّة أطياف شعبها وخصوصًا المصنّفين كفّارًا، فلا هزيمة في حروب الوجود فإما النصر أو النصر. ومثل هكذا حروب هي طويلة، ولا حاجة أن يكون الإنسان خبيرا عسكريّا، ليقرّر أن في مثل هكذا حروب، المحارب بحاجة ل”راحة محارب” وبحاجة لترتيب وإعادة تموضع، والتموضع يتم عادة في الأماكن التي يأمن فيها ظهيره، والجبل لم يكن يوما إلا ظهيرا وطنيّا قوميّا أمينًا.

سعيد نفّاع

أوائل تشرين الأول 2020