الأرشيفثقافة وفن

شاي وتأوهات – قصّة صغيرة: رشاد أبوشاور

     

وضع عمي كمية من بودرة بيضاء في كيس أبيض، وتسلّق السُلّم حتى وصل حافة أحد خزاني الماء، ثم فتح الغطاء ودلق ما في الكيس، وسحب قطعة خشب طويلة وبدأ في تحريكها في الماء لتذويب (الدواء).

جاء عجوز نحيل  من الجامع عابرا الإسفلت، وعندما صار لصق الخزان غرس يديه في حزامه، وأحنى رأسه للوراء:

-أبوأحمد: ماذا تضع في الماء يا زلمه؟

-دوااا يا غشيم.

-دوا شو يا فصيح…

برم عمي جسده ونظر إلى تحت وأمأ برأسه:

-فهمه يا رشاد…

سررت لأن عمي لجأ لي لتفهيم الزلمه، فقلت:

-في الماء توجد ميكروبات، وهي تسبب الأمراض..في المعدة، وغيرها و…

ضحك الزلمه ورّد:

-فهيم مثل عمك الذي يدلق البودرة في الماء حتى ما نحبّل نسوّانا، لأنهم الكفّار بدهم يقطعوا نسل الفلسطينيين…

هبط عمي، ووقف في مواجهة العجوز:

-يعني لازم ننجب من لا يجدون خبزا، ولا ملابس تستر أبدانهم؟

هزّ الزلمه كتفيه:

-أنت مثل ابن عمك…

-وأنت جاهل وهبيله…

ضحك عمي، وأشار للزلمه أن يتبعه:

-تعال نشرب الشاي..جوا..في المكتب.

تبعت عمي، ولحق بنا الزلمه. أخرج عمي البريموس من تحت الطاولة، وبدأ في إشعاله.ملأ إبريق الشاي من الجرة، ووضعه على صينية البريموس، ودسّ يده في ( خريطة) السُكّر، وأخرج حفنة منها:

-سُكّر أبيض، وليس من سُكّر الوكالة الذي يوزعونه مع الإعاشة.. كرمال خاطرك.أنا لا أحب شرب الشاي بالسُكّر البني.

جلسنا على الكراسي، وليس سوى صوت البريموس. قال عمي:

-الدنيا شوب..السنة من أولها. نحن في شهر نيسان..والشمس مثل النار…

وضع ثلاث كاسات على الطاولة، ثم لقم الإبريق بالسُكر والشاي الذي كفته من علبة معدنية في راحة يده، ونظر إليه لتقدير كميته إن كانت كافية.

حكى لنفسه وهو ينظر إلى وجه العجوز بعدما أنزل الإبريق: 

-خلينا نتركه نتفة حتى يثقل ويروق.

-يا سيدي، شو ورانا…

-على رأيك: شو ورانا؟ كل أيامنا ملل..وبهدلة…

ربت عمي على كتفي:

-هذا رشاد…

-عرفته ..يشبه والده.

تساءل العجوز:

-أين هو في هالأيام؟

-في سورية. شرد حتى ما يرجعوه على الحبس. يكفيه حبوس…

صب عمي الشاي في كاسة حتى منتصفها، ثم رفعها، وتأمل لون الشاي، و..تذوقه:

-تماااام..عسل..وطعمه كويّس.

صب في كاسة ووضعها أمام الزلمه، ثم صب لي، وملأ كاسته، وفرك يديه ببعضهما وهو يبتسم برضى.

بدا الرجل حزينا. يميل رأسه وهو يشرب الشاي. قال عمي:

-عمّك أبوصقر كان صقرا في الحرب مع اليهود…

تنهد العجوز:

-لم أعد صقرا يا صاحبي. البلاد راحت، والمرة والولد والبنت راحوا..وأنا ظلّيت للعذاب …

-تزوّج يا زلمه. قديش عمرك؟ خمسين سنة؟ تزوج وجيب لك نتفة ولد أو بنت..والمرة ستونسك…

نهض العجوز، فألح عليه عمي أن يشرب المزيد من الشاي، ولكنه أدار ظهره ومضى.

وقف عمي وتابعه وهو يبتعد، ثُمّ عاد وجلس وملأ كأسه. 

-هذا الرجل كان بطلاً في الحرب. هو من بلد اسمها سلمة. هل سمعت بها؟ قاومت و..لكن ..احتلها اليهود رغم جدعنة أهلها، وهو يحمل الهم على أسرته التي راحت..وبلدته التي احتلها اليهود، ويرفض أن يتزوج.كلما قلت له أن يتزوج يقول: اتزوج ليش؟ حتى يقتلوهم مثل اللي قتلوهم في سلمة؟!

تناول عمي كيس ربابته، وأخرجها، وثبّت الوتر بقطعة الخشب المثلثة على جلد الربابة ، ومرّر وتر القوس ببطء، ثم أطلق ، كما هي عادته، تنهدات متواصلة وهو يرنّح رأسه كأنه يندب ميتا ممددا أمامه…

آآآآآآآآآآآآه…هااااااه

أحنيت رأسي على ذراعي، فشعرت أن شفتي تتبلل بماء مالح ..مالح..مالح.. وواصل عمي تنهداته..وتجنبنا أن تلتقي نظراتنا، وارتفع صوت الربابة الحزين مع الآهااااات …