من هنا وهناك

عدد اليوم كنعان: عادل سمارة، احمد حسين، سميح حمودة، محمود فنون وثريا عاصي

في هذا العدد:

 تعريفات 7: ألإنتفاضة و “الإنتفادا”، أحمد حسين

حين يصبح الإسلام وإيران غطاء، عادل سمارة

بنيامين نتنياهو  وأدولف هتلر، سميح حمّودة

لماذا تغلق السلطات المصرية معبر رفح، محمود فنون

كلُّن يعني كلُّن ؟؟! ثريا عاصي

 

● ● ●

تعريفات 7

ألإنتفاضة و “الإنتفادا”

أحمد حسين

________________

1- إنتفاضة

الإنتفاضة حراك أوهبة شعبية أو قِطاعية على خلفية تحررية أو تحريرية . وعندما تكون انتفاضة شعبية تحررية أو  تحريرية فعلية وموضوعية ،يمكن اعتبارها ثورة بكل المقاييس . لأن الإنتفاضة تكون في هذه الحالة انعكاسا لعفوية وعيوية واسعة سوف تطور ميدانيا   على كل مستويات الحاجة لتتحول بالتدريج التطوري المرتبط بوعي الهدف ، إلى سياق حركي سلمي أو تصادمي ، يراكم ميدانيا وتدريجيا  بنيته  المعرفية السياقية وهيكليته وآلياته التي تضمن استمراره حتى الوصول إلى الهدف المرحلي كليا أو جزئيا . والأهداف المتحققة رهن بالظروف الموضوعية الميدانية ، الإيجابية والسلبية منها ، لدى كل من الطرفين المتناحرين على خلفية وعيين متناقضين  . وفي حالة الإنفراط التنظيمي  للحراك  ، أمام واقع انعدام التوازن الهيكلي والميداني ، يجري تقييم نتيجة الحراك على أساس صمود الوعي الجماعي الذي أدى إليه ، أو انفراطه أيضا .  في الحالة الأولى يكون الوعي قد أدى واجبه السياقي المرحلى واستفاد من التجربة ، لمرحلة قادمة . أما في الحالة الثانية فإن ما حصل يؤكد على شحوب الوعي الجماعي وعدم تجانسه ، مما يؤدى إلى فشل الحراك وإحباط الحركات المحتملة اللاحقة .

إن تعدد الوعي الفصائلي واختلافه جوهريا في الرؤية ، سينتج فشلا محققا ووخيم العواقب من حيث تعميق الإنفصال  وتكريسه على المدى البعيد ، بسبب تأزم السجال الفئوي بين الفصائل حيث يحاول كل طرف شرح أسباب الفشل وتحميلها لغيره . وعندها يمكن القول أن الحراك كان من الأفضل وطنيا وشعبيا  لو لم يحصل ، وأن المسافة بين الهدف وتحقيقه قد أصبحت أبعد ، وأن الوعي الفصائلي والفئوية  هي التي انتصرت وازدادت تجذرا ، وانتصر معها النقيض ، الذي ربما يكون على الأغلب ، على صلة وثيقة ببعض هذه الفصائل سلفا ، وأن ما حصل منذ البداية لم يكن  انتفاضة بل ” إنتيفادا ” . والفرق بين الإنتفاضة والإنتيفادا هو أن الأولى مبادرة جماعية فرضتها الحاجة الموضوعية الإجتماعية أو الوطنية ، أما الإنتيفادا فالمبادرة إليها تأتي من الخصم  لأنه هو صاحب الحاجة إليها .

2- إنتيفادا

” الإنتيفادا ” هي عمل إجرائي مفصلي على مستوى مرحلي ، يخطط  له  كل نظام احتلالي يبني أمنه على الإحتفاظ بزمام المبادرة بيده على اتساع الساحة المحتلة في المكان والزمان . وتحقيق هذا الوضع من الهيمنة الميدانية ، واستمراره على نفس المنوال بين مرحلة احتلالية وأخرى ،  يقتضي تحديثا للخطة الأمنية كل فترة زمنية محددة سلفا ، تتراكم خلالها معطيات طبيعية ومتغيرات ظرفية في السياق ، وتشكل وضعا مفصليا للتحول بين مرحلتين . هذا الإجراء من جانب الإحتلال يهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين حولهما أهداف ثانوية طارئة . الهدف الأول هو استنزاف الرصيد البشري الشبابي الذى أنجبته المرحلة السالفة ، وتصفيته جسديا ومعنويا بحيث يتم تحييد تأثيره اللوجستي الإيجابي على الساحة المحتلة . والثاني هو تحديث هيكلية وأدوات الخطة الأمنية البديلة ، أيضا على ضوء المعطيات الطبيعية والظرفية الجديدة  ، وأهمها تعويض العملاء الذين سقطوا جسديا أو مهنيا ، وإعادة تدريبهم أحيانا أو توزيعهم أحيانا أخرى . هذين الهدفين الرئيسيين وتفاصيلهما ، تحددهما دراسات الخبراء المعنيين ولكن التنفيذ رهن بعمل ميداني خالص يتم استدعاؤه بالعمل الإجرائي المسمى إنتيفادا . وهو حشد كل الأدوات الأمنية العاملة على الساحة من عملاء المفرق والفصائل السياسية المتعاقدة مع الإحتلال ، والجهات القمعية الرسمية الجهات الإعلامية الموجهة ،  لتعمل على شحن الساحة المحتلة والجيل الجديد من الشباب خاصة  ، بوعي التصدي والمواجهة . وتقوم الإنتيفادا على هذه الخلفية من استثارة الغضب بالإستفزاز القمعي المفتعل ، والدس التحريضي من جانب المتعاقدين ، وارتكاب بعض الجرائم البشعة والمجانية ، التي تؤدي إلى الإنتفاض العفوي والمواجهة الصدامية التي سيكون الشعب ، وخاصة جيل الشباب الجديد هو ضحيتها الرئيسية كما هو مخطط . وتتوقف الأنتفاضة ( الإنتيفادا ) بعد تحقيق أهداف الجريمة الأمنية بسياق من التهدئات السياسية المحلية والخارجية ، ويتحول جيل الساحة الشبابي إلى جيل من  الشهداء والمعوقين والأسرى ، وينتشر الإحباط في القاعدة الشعبية ، وكل ذلك  على حساب المراحل الوطنية  القادمة . ولنجاح هذا الإجراء الدوري يحرص الإحتلال على إبقاء صنابير الإستعلام مفتوحة باستمرار غير متقطع لتحقيق، رصد الحركة اللحظية على الساحة ، بحيث تكون كل احتمالات الحركة على الساحة المحتلة   في إطار الرصد والإحتواء  الإستباقي والردع الجاهز بدون أي احتمال للمفاجأة .  ولكن يبقى الجانب الأهم في هذا الإنتباه الأمني وهو توفير الفرصة أمام أجهزة الأمن  للتدخل الإستباقي التخريبي ، على صعيد منع المراكمات اللوجستية المادية والوعيوية لأي حراك  محتمل على الساحة ، والمحافظة على ساحة ممزقة ومشتتة ومتناحرة اجتماعيا ، وزاخرة بكل مصادر التوتر في العلاقات البينية من خلال الشحن العائلي والفئوية والطائفي وحتى الفردي . ومن الصعب تحقيق هذا الهدف الفسيفسائي للرصد بدون وجود تعاقدات سياسية وأمنية مع تيارات مؤثرة على الساحة المحتلة .

الساحة الفلسطينية : ” الإينتفادا ” الأولى

الساحة الفلسطينية ساحة تم احتلالها اجتماعيا وثقافيا وأمنيا بالكامل حتى  قبل حدوث التّماس الإحتلالي الميداني والأمني للمشروع الصهيوني الإمبريالي . كانت امتدادا لحيوية ملحمية لمشروع اقتلاعي إحلالي في فلسطين والشرق العربي ، لا علاقة له بأي معطى تاريخاجتماعي  واقعي أو منطقي ، سوى إسقاط الحلم الإستشراقي الأوروبي القديم حول السيطرة على شرق المتوسط  ،على الأسطورة الدينية لليهود الأوروبيين المسماة  ” الوعد الإلهي ” وتجسيدهما في مشروع إمبريالي واحد  يرمي إلى تأبيد السيطرة على المنطقة العربية . وحينما بدأت حركة الإستيطان الصهيونى اليهودية في فلسطين ، كانت فلسطين قد احتلت ديموغرافيا ، بحيث أن الفلسطينيين كانوا ينظرون إلى ما يجري بدون مبالاة أو اعتراض ، سوى تدارس نصوص رواية ظهور الدجال ، وعودة المسيح الذي يقتل الدجال ويبسط العدل والسلام على الأرض .  وكانت القاعدة الشعبية الأوسع للفلسطينيين لا تملك أية ثقافة عقلانية ، إلى جانب الثقافة الفقهية المحصنة  من أية مبادرات عقلية ، أو واقعية وعيوية محتملة .  وهكذا تحول الفلسسطينيون على المستوى الوجودي إلى محمية ديموغرافية استشراقية منعزلة ومعزولة عن أي واقع انثروبولوجي تطوري، أو عن أي واقع اجتماعي  مقاوم للتفتت أو الجمود أو التخلف .

وفي سنة 7-84   كانت الإعدادات الصهيونية والدولية للإنتيفادا الفلسطينية الأولى قد اكتملت . وتم تجميع بضع مئات من الفلسطينيين نصفهم من العملاء ، ونصفهم لم يكن لديه فكرة عن حقيقة ما يجري . وحققت ” الإينتفادا ”  أهدافها في التصفية والترحيل ومحو الوجود الفلسطيني في معظم المدن  ، وتم تهويد معظم المناطق الزراعية والساحل بالكامل وهدم آلاف القرى الفلسطينية بعد قتل وترحيل كل سكانها . وفي الحقيقة لم يكن هناك حاجة لأية حرب حقيقية أو مجهود احتلالي سوي ملء الفراغات التى كان يفترض أن تملأها مقاومة فلسطينية من نوع ما . لكن الولاء التعاقدي الذي أظهره الشيوعيون العرب للمشروع الصهيوني ، وتحالفهم مع العمالة السلالية للمواقع البرجوإقطاعية العائلية ، حال دون ذلك .

ظل الإحتلال الديموغرافي الصهيوني قائما في المناطق التي توزع فيها الفلسطينيون داخل فلسطين وخارجها  بعد ترحيلهم . لقدد انفصلت  الخارطة الديموغرافية للشعب الفلسطيني  عن جغرافيا الوطن، ولكن أجهزة العمالة الفردية المتوارثة ظلت امتدادا قائما في كل مواقع النزوح  ، إلى جانب التعاقدات الأمنية الفصائلية والحزبية التي امتدت إلى كل مناطق اللجوء كنسخة طبق الأصل عن التعاقدات القديمة ، واستمر الجميع  في تخريب العمل  والوعي والثقافة الوطنية الفلسطينية  ، ما عدا فصيلا وطنيا واحدا . وحققت اليد الصهيونية بهؤلاء ، استمرار الإحتلال الديموغرافي للوعي والثقافة والعمل الوطني الفلسطيني ، وأمسكت بكل خيوط حركته الداخليه . وكما كان الأمر قبل 48 استمر بعدها .  بقي الإمتداد السيادي والأمني والثقافي لأدوات العمالة للصهيونية قائما في كل مواقع النزوح الفلسطيني ، وظل وراء كل وقائع التهاوي الوطني الفلسطيني  التي بلغت حضيضها الخياني في اتفاق أوسلو الجنائزي .

بعد أوسلو ، صار على أجهزة الأمن الإسرائيلية ، أن تقوم برعاية ” التطرف الفلسطيني الوطني ”  لتحافظ على كفاءتها في إنتاج الإنتيفادات ، ومواصلة مشروعها التصفوي الشامل للوجود الفلسطيني في فضاء مستباح  بالإجماع الفصائلي وقطاعات البرجوإقطاعية المنتنة على الساحة  .  لقد استطاع الإحتلال إنتاج واقع نوعي جديد على صعيد الإلتزام والوعي الوطني يستطيع من خلاله  تفعيل الجريمة  “المبررة  ” على خلفية التفاوض على “سلام الشجعان” الذي كان الفلسطينيون “يعرقلون ” مسيرته المباركة . لقد نقل عرفات الحسيني حربه مع العملاء الهاشميين ، اعدائه العائليين ، إلى ساحة التنافس معهم على  ” العقل والقلب الإسرائيلي ” صاحب السيادة والقرار والكلمة الأخيرة  على صورة ” الحل القادم “. هل سيكون على شكل دولة فلسطينية مستقلة برئاسة عرفات الحسيني ، أم سيكون حلا أردنيا يتحول فيه الهاشميون إلى إمبراطورية حرس حدود بالوكالة ؟ بمثل هذه الإستراتيجية الوطنية للعقل فوق العادي ، بدأ عرفات ، ربيب أمير المغارة الكويتي عصر الإنفتاح الفلسطيني على مبدا التفاوض ، كحل حسيني وطني سماه  ” سلام الشجعان ” .  وفي الحقيقة أن مستوى الخيانة  في صفقة أوسلو يتجاوز  حالة الشجاعة  إلى  حالة انتهاك المحارم ، ويبين ابعاد دور الإنتكاب الذاتي الفلسطيني في تشكيل النكبة التي حلت بالفلسطينيين . فقد  كان ” سلام الشجعان ” ، كما توهم  عرفات ، صفقة حسينية مع الإحتلال  يتم من خلالها التفاوض على جزء من فلسطين يقيم فيه الفلسطينيون دولة  حسينية قابلة للعيش إلى جانب إسرائيل ، وتقطع الطريق على الحل الأردني بين الإحتلال والهاشميين . وكما كان متوقعا ، فإن هذا الإبداع العرفاتي ، قطع الطريق على القضية الفلسطينية سياقها الوطني المأمول رسميا ، وحولها إلى مجرد إشكال تنافسي وظيفي بينه وبين الملك حسين على خدمة السيد الصهيوني  . فإسرائيل لم تفكر يوما بإقامة دولة لغيرها على أية أرض فلسطينية أو حتى على أحد الكواكب المجهولة . ولم تفكر في الهاشميين إلا كوكلاء مؤقتين على الضفة الشرقية لفلسطين إلى حينٍ مرحلي يقومون خلاله بتصفية الجزئية الفلسطينية الحالية ، والتقدم نحو جزئية تصفوية جديدة .  وقد كونت الخطوة الأوسلوية تحولا نوعيا  على المصطلح الفلسطيني ، نقله إلى وضع جديد من المعالجة الإشكالية المطلبية ، بررت الإحتلال  وأفقدته مصداقيته  الوطنية  ليصبح طرفا في علاقة بينية مؤهلة للتفاوض البيني مع الإحتلال ، وليس مقاومته بالعنف الذي لا يبرره سوى مطلب التحرير الوطني . وتدريجيا قادت المفاوضات المشروعة إلى  توحيد العمالة والوطنية في مشروع  فلسطيني  واحد موثق فلسطينيا ودوليا  . فبعد أن أصبحت الوطنية الفلسطينية بدون ميثاق وطني ، أي بدون عصمة شرعية ، أقامت مكتبا وطنيا لزواج المتعة في رام الله ، برئاسة عرفات ، وإدارة للعلاقات العامة بإشراف ياسر عبد ربه ، وبشبه إجماع فصائلي . واستمرت الإنتفاضات بوتيرة أعلى ، ولكنها كانت ما تلبث أن تتحول إلى انتيفادات تتم خلالها تصفية النخبة الشبابية الرافضة ، ثم تُستأنف المفاوضات بوساطة دولية وإقليمية ومحلية ، بين السوبر- وومان الإسرائيلية وكحيل العينين الفلسطيني ، كحلقة دموية جديدة أكثر تقدما في التسلسل التأسيسي  لدولة اليهود الكبرى ، في حدودها الإقليمية الشرق أوسطية ، وامتداداتها الإمبريالية القارية  ، على أنقاض الشعب الفلسطيني   والشعوب العربية التي ستتحول بنعومة فائقة الى مجرد موائد اقتصادية ، ومناجم عبيد  للإقتصاد الصهيومريكي العالمي  .

لم يفكر الشعب الفلسطيني اثناء سني الشتات الطويلة حتى  أن يبلور من التجارب المريرة الي أنهكته ، وعيا بديلا عن حالة اللاوعي الطبيعية التي  ظل يعيشها . وظلت كل خيوط الشحن والتفريغ والتحريك في  يد المشروع الإحتوائي الصهيوغربي بنسبة مئة في المئة  .  وظلت المذبحة الممتدة على حالها وبوتائر متصاعدة شكلا ومضمونا ، وظل الفلسطينيون يشاركون العالم في التفرج على دمهم المستباح ، دون أن يسمح  لهم ” وعيهم المكتسب ” المتقدم ، بالتعجب مما يجري . لم يكونوا طرفا في المذبحة رغم أنهم هم الذين كانوا  يُذبحون ، وكأنهم كانوا يقتلون بدون علمهم . الذين كانوا يفهمون اللعبة هم الشهداء والعملاء فقط . الشهداء يخرجون وهم يعون أنهم سيكونون أول من يقتل ولا يتراجعون . ويعرفون أن كل حجر وكل شجرة هي الوطن . ولكن عملاء المفرق والفصائل الوطنية  المتعاقدة ، كانوا يلعبون دور أصحاب “العزومة ” وقادتها باسم الشهداء  .  وكانوا يتكلمون كلاما غامضا عن الوطن  وكلاما واضح نسبيا عن الإستيطان ، و عن حل الدولتين  ،  وعن  دولة واحدة للشعبين ،وعن تنفيذ  قرارات الأمم المتحدة  التي تخلص منها الفلسطينيون بأوسلو ، ثم عن دولة قابلة للعيش , ويكتبون في فتح على إضباراتهم الموجهة للإحتلال عاشت فلسطين . صحيح أن رئيس الغرفة المحاصرة في  المقاطعة  كان يتهم الإسرائيليين أنهم لم ينفذوا ما اتفقوا عليه معه في أوسلو ،  ولكن لا أحد يعرف شيئا عما وافق عليه الإسرائيليون  سوى إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني  وفتح باب المفاوضات .

هذا هو الواقع الذي عاشه ويعيشه الفلسطينيون ، منذ أعيد إنتاجهم هجريا على يد تحالف إمبريالي الصهيونية  وإمبريالي الإستشراق ومشروع الفقه الإسلاموي   .  وهجريا ، الفلسطينيون اليوم في ذروة وجودهم التهريجي . والمشروع الصهيوني الدولي في ذروة فعاليته الإلغائية  يواجه زمن الإنفلات بهمجية كل الأزمنة .

ولكن يبدو أن الحفلات الدولية العلنية على دم الفلسطينيين ، واستهتار السلطة الوطنية الفلسطينية بكل مفاهيم الوطنية ، وإعلان بعض الفصائل الخلع النهائي لملابسها الوطنية ، قد استطاع أخيرا أن يثير انتباه الفلسطينين وتساؤلاتهم .  ولم تعد الأجيال الفلسطينية الجديدة قادرة على استدخال هذا الزخم ” الوطني ” الشجاع من العلاقات البينية مع الإحتلال ، وتلك النتائج العكسية الخالصة وعلى طول الخط ،  لمفاوضات سلام الشجعان العرفاتي . لقد احسوا ، ربما، أن عملية سحب البساط من تحتهم وهم نيام ، قد أصبحت من العلنية والعنف أشبه بالإغتصاب  المتفق عليه .ولكن الأوان كان قد فات . لقد ترسخ غموض الجلبة الغامضة  الصادرة عن المفاوضات  في رؤوس الكثيرين ، على شكل عقار مهديء للقلق الوطني .   كان هؤلاء الكثيرين يتناولون عقاراتهم المهدئة على شكل أقراص كلامية تقول : لا بد أن شيئا ما يحدث بدليل هذا الصخب المرتفع . لا طحن بدون جعجعة . ومع أن المفاوضات لا يمكن ، بالحكم على نتائجها ، أن تتحول إلى فضيلة وطنية ، إلا أن عدم التفاوض سيعني التسليم بالأمر الواقع . هذا هو ما توصل إليه عبد ربه  وعيا عن إميل حبيبي ، وأبلغهم به .

ومع ذلك ، لقد تغير شيء ما  في بعض العقول . فقد كان ما يجري على الخشبة يجبر  بعض العقل المتواضع على بعض الإشتباه .  ولكن هذه ليست قضية  للعقل المدرك . إنها بحاجة إلى عقل العقل للتعامل معها .  ما هي العلاقة الممكنة  بين المفاوضات والدم  الفلسطيني ، والمفاوضات وتوسيع احتلال الأرض ، والمفاوضات والتهويد ، والمفاوضات وتقديس إسطبلات سليمان بن عبد الملك ؟ في الحقيقة أن هذا السؤال يجب توجيهه إلى الفلسطينيين وليس للإحتلال . فالإسرائيليون ليسوا طرفا في المفاوضات . الذين يفاوضون هم الفلسطينيون وحدهم . إسرائيل لا تفاوض على شيء تريده . تأخذ وتترك الفلسطينيون وحدهم يفاوضون ويتحملون نتيجة فشل المفاوضات .  وبالتدريج أصبحت المفاوضات زفة فلسطينية خالصة كانت تتحول دائما إلى جنازة .

وبناء على الخصوصية النوعية  للمرحلة غير المسبوقة في عالم العلاقات الدولية ، وانشغال البشر في صراعات المصير ، فإنه ليس على الفلسطينيين أن  يحرروا فلسطين . يكفي فقط أن لا يتنازلوا عنها بمفاوضات التجزئة .  فلسطين وكل أرض عربية محتلة ستحرر قوميا أو لن تحرر أبدا . فالورطة الهجرية ليست ظرفا أو حالة تخلف . إنها عقيدة تخلف . حالة مَسخ إثنولوجي ومثيولوجي ومعرفي وثقافي وسيكيولوجي . إنها صنعة فقهية أخرجت الهجري من مأمنه القومي الإجتماعي وجعلته عالة معرفية على أعدائه لا يعرف من هو وماذا يريد ، ويؤمن أنه هامش وجودي لغيره ، بل لآخره ، لأنه لم يمارس ذاته أبدا . ويعرف أيضا أن آخره الهجري ونقيضه الوجودي ، هو العربي . وسوف يبقى كذلك يتواطأ حتى على دمه ، إلى أن يخرج على وعيه الهجري بوعيه العربي  أو يموت ، لأنه ليس له أو لغيره من البشر وعي وجودي حقيقي آخر يحاوله.

 المراحل لا تنتظر أحدا . ومن سبقته المراحل عليه أن يسبقها مرغما وإلا فليبق مكانه . لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لشعب من الشعوب هو أن يمشي خلف المراحل أو معها . لا يوجد شيء في الحياة إسمه الحاضر سوى التخلف . فالمراحل دروب  نحو المستقبل . ومن لا يعرف ما يريد لن يتقدم ولن يصل . إذ لا يمكن تداول المراحل اللاحقة  بوعي المراحل السابقة .

والمرحلة الحالية مرحلة تمحور ثنائي عالمي ، حول فالق مصيري بين النهائية الإمبريالية للنظام العالمي ، وبين حرية البشر المتأنسنين ، أي شعوب العالم التي تعمل الصهيومريكية على تحويلهم إلى عبيد  نظاميين  .  وكل مشاكل الحرية والتحرر أصبحت جزءا من وعي عالمي منقسم مبدئيا تناحريا . والأمور غيرالمبدئية يمكن أن تحلها التوازنات توافقيا ، ولكن الأمور المبدئية لا يمكن حلها إلا بحراكات شعبية تترك السياسة خلفها أو على هوامشها .

من حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم الإحتلال بالطريقة التي يفرضها عليه وعيه لحقه الوطني . وليس التي  يفرضها الإرتجال وروتين اللعبة الخسيسة . الشهداء ، حينما يستشهدون ، يسلمون أمانة وعيهم للشعب ، ولكن العملاء والمتعاقدين ما يزالون هم الذي يؤبنون الشهداء  في الميادين ، ويتقبلون بهم العزاء على الأرض الفلسطينية  . والواقعة تقول أن الوضع الفلسطيني  يزداد سواءا ساعة بعد ساعة . وأنه لم يحدث حتى الآن أن خطا الفلسطينيون خطوة واحدة إلى الأمام  رغم  ما قدموه من تضحيات يعجز عنها  مألوف التضحية . حتى الآن فلسطين لم تصبح قضية شعب . لقد كانت كل الوقت نكبة شعب  بيد مرتزقة السياسة من المتعاقدين والعملاء، وما تزال . ما العمل إذن للخروج من هذا الوضع العبثي ؟

كانت فلسطين بكل ملابساتها ملحمة العصر الكبرى . كانت ، وليس بالصدفة ، نموذجا افتتاحيا لعالم شهد تحولا نوعيا فصل بين البشر وبين وعيهم  بالقوة .  وضعت الإمبريالية العالمية ممثلة في الصهيومريكية ، فالقا نوعيا جديدا للعلاقات بين نوعين من البشر داخل نظام  كوني واحد . البشر غير المرئيين الذين يملكون العالم ، والبشر الذين يعيشون فيه فقط ولكنهم لا يملكون حتى عبوديتهم .  ولكن نقطة ضعف الإمبريالية هي بالذات قوتها المفرطة التي أصابتها بالعمى والهلوسة وتحدي التاريخ والإنسان . وتقف الآن على جانبي ذلك الفالق الوهمي  بين البشر ، إيديوجيا الإستعباد والنخبة من ناحية ، وإيديولوجيا الإنسان ، أي الشعب من ناحية أخرى . والشعب مصطلح اجتماعي تاريخي يتحرك حول مصطلح الهوية والروابط القومية في جميع الأحوال .  لا تحرر ولا تحرير غير قومي في صراعات الظلم . ولا بناء ولا تنمية إنسانية  ولا حضارة إلا في ثقافة المكان والزمان القومي . هذا هو قانون التاريخ الإجتماعي الأزلي . إن القومية هي دينامية الحضارة والحرية والعدالة والتنافس البناء والإلتزام مبدئيا بالدفاع عن حقوق الآخر المشروعة ، والإلتزام مبدئيا برفض الإعتداء بكل صوره . أما الإنحرافات القومية التي اعتاد عليها الغرب مبدءا له فهي انحرافات همجية لأمم تمدنت قبل أن تتحضر ، وملكت القوة قبل أن تملك الوعي الإنساني ، فحسبت أن المعرفة والقوة هي مكتسب قومي يبيح لها دم الآخر ووطنه وثرواته ومستقبله . والشعب الفلسطيني مستهدف مثل الشعب العربي من كل أباطرة الجريمة في العالم الغربي ، الذي يريد أن يصنع لكل بلد وشعب عربي نكبته الوطنية والقومية بالنتيجة ، على الغرار الفلسطيني . فهل يظن الفلسطيني والعربي أينما كان أنه يمكنه ، خاصة في هذه المرحلة من الجنون القومي الإمبريالي الغربي والصهيوني ، أن يتجاوز قوانين الحقيقة والتجربة ، ويحرر ويتحرر ، بثقافته الهجريه التي تعادي قوميته وتذبح القوميين مجانا من أجل عيون أعدائهم ؟ هل يريد الفلسطيني والعربي الهجري حقا أن يتحرر من عبوديته للغرب الصهيوني ؟ من قال هذا ؟  هل  حدث أن حارب الهجريون أحدا في الكون كله غير القوميين . ومن تحارب حماس وعباس في فلسطين  ؟ إلا يحاربون سوريا  ، المعقل العربي الأخير التي تمسك بالقضية الفلسطينية بأسنانها ودمها يسيل . هل سمعتم عباس وهو يناشد الغرب حماية الفلسطينيين كما حموا العراقيين من صدام ، وكما حموا الليبيين من القذافي ، وكما حموا المصريين من  شبح عبد الناصر ؟ إن الفلسطينيين بحاجة إلى من يحميهم من أوباما ومنك ومن حماس ومن أنفسهم .

في سوريا تدور حرب الإنسان العربي الأخيرة على الوجود . وما لم يدرك الشعب الفلسطيني  أن مصيره ومصير كل العرب النهائي سيتحدد هناك ، فسوف يحولون كل انتفاضاته وحراكاته إلى انتفادات ، كما يحاول أوباما أن يفعل الآن . وعلى الشعوب العربية أيضا أن تعي ذلك إذا استطاعت ، لتعرف أين تضع ثقلها  . لا حلول وسط  بين وجودها القومي وبين أي شكل آخر من أشكال وجودها الإنساني الشامل .

● ● ●

حين يصبح الإسلام وإيران غطاء

عادل سمارة

بقدر ما يشعر المرء بالأسى على الجهلة الذين يرون الملك ملكا والأمير أميرا والرئيس رئيسا…الخ، وبنفس القدر  يشعر المرء بخطورة هؤلاء على الوطن وانفسهم والتاريخ،. ولكن بقدر أكثر يكون خطر ذلك الجيش الطويل من الطابور السادس الثقافي الذي يدافع عن أنظمة تصطف  إلى جانب العدو ضد اوطانها. أشخاص فاقدي الحد الأدنى من كرامة الإنسان واحترام عقله قبل عدم احترام عقل الآخرين.

هؤلاء هم المثقفون العضويون للعمالة. والعمالة ليست طبقة ولكنها مزيجا من نخب تخدم الأنظمة الحاكمة والغرب بأجمعه ضد كل الوطن  الوطن العربي مما يعطيها وزن وعدد طبقة غير صغيرة.

في السنوات الأخيرة ركز هؤلاء تحريضهم ضد إيران بزعم انها تستخدم فلسطين لتعبر إلى المشرق العربي. وتنشر المذهب الشيعي.

 والتركيز على المسألة المذهبية والدينية وقراءة اي مكان في العالم على هذه الأرضية يعيد للذهن بأن هذا ما اسست له الإمبريالية بدءا من بريطانيا وفرنسا بهدف ضرب التيارات القومية والطبقية.

ولكن، إذا كانت إيران تبذل كل هذا الجهد في سبيل توسيع نطاقها المذهبي، فهي على الأقل مخلصة لمذهبها ومن ثم للدين نفسه.

وهنا يتم توجيه السؤال للبسطاء والجهلة وليس لمحترفي الثرثرة على الفضائيات بمعنى:

هل حكام السعودية مخلصون للمذهب وللدين بينما، فقط في اليومين الماضيين راينا منهم ما يُحرج العرق العربي لقرون:

“أمير” سعودي يهرب 2 طن مخدرات في طائرة، واليوم “أمير” آخر يتعهد بمحاربة الانتفاضة الفلسطينيية دفاعا عن “الأمة”اليهودية هو الوليد بن طلال الذي يمول عشرات محطات التخريب العقلي العربي ويتقدم المليارات من الدولارات للإعلامي اليهودي الصهيوني روبرت ميردوخ باسم الشراكة التجارية!

دعونا نقول أن المهرب، هو مدمن بالمعنيين الكحولي والمالي، أما رجل الأعمال، فيبدو أنه يجهل ما معنى كلمة أمة. ليس لأن الكيان الصهيوني لا يشكل أمة وحسب، بل لأن من يعرف ويعترف بأن هناك أمماً، عليه ان لا يخون أمته لصالح امة أخرى.

هؤلاء الحكام ومن يقدم لهم تحليلات وأطروحات وتنظيرات تؤهلهم للتقدم إلى حضن الغرب العدو، يتهربون دائما من الحديث عن إيران كأمة أو كقومية بل كمذهب. لأنهم إذا تحدثوا عن الأمة والقومية الفارسية، سوف يكونوا مطالبين بالالتزام  والدفاع عن الأمة العربية التي انتقلوا من التآمر عليها حينما كانت في نهوض، ومحاربنها اليوم إلى حد المذبحة.

من قبيل التكرار القول بأن هؤلاء يحكمون جزءا من الشعب العربي بأشد وحشية ممكنة إلى درجة أن لا أحد يتحرك او يتفوه بكلمة فتبدو ممالكهم مستقرة استفرار المقابر.ولكن مثقفي الطابور السادس الثقافي والإعلامي الذين يصرخون ضد إيران وسوريا والمقاومة يعرفون تماما بأنهم يكذبون.

  إن هذه الجاهزية للتغول في دم الأمة العربية لا تجد لها نظيرا في التاريخ. وعليه، فالمعركة كما يبدو مع هؤلاء قبل الحكام المعينين، قبل الصهيونية وقبل الإمبريالية.

● ● ●

بنيامين نتنياهو وأدولف هتلر

سميح حمّودة

جامعة بيرزيت

 

ثمة جملة من القضايا التي تثيرها تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مسؤولية الحاج أمين الحسيني، ومن ثمَّ الشعب الفلسطيني، عن جرائم الزعيم النازي أدولف هتلر ضد اليهود الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية، إذ لا يقتصر الأمر أولاً على الكذب الصريح في أنَّ المفتي رحمه الله غيَّر نوايا الزعيم النازي من ترحيل اليهود خارج أوروبا إلى قتلهم وإبادتهم، فنازية هتلر لم تكن تحتاج للمفتي كي يشجعها على جريمة الإبادة الجماعية لليهود، بل كانت عقائدها تسمح وتشرعن إبادة أيَّة مجموعةٍ بشريةٍ لا ينسجم وجودها مع مصالح الرايخ الثالث، ومن هنا مورست الإبادة ليس ضدَّ اليهود وحدهم بل وضد الغجر والمتخلفين عقلياً وذوي الإعاقات الجسدية، والذين أسمتهم النازية بالآكلين غير النّافعين، فهم عبءٌ على الاقتصاد ومن الحسن التخلص منهم.  فأمر الإبادة إذاً يقع خارج نطاق العلاقة التي قامت بين هتلر والمفتي.  ونتنياهو يتغافل حين أطلق كذبته عن حقيقة أنَّ هتلر خطَّط لإبادة اليهود، الذين كرههم كرهاً شديداً منذ صباه، ومضى بها خطواتٍ متقدمة، قبل أن يلتقي بالمفتي بأكثر من سنة، إذ كان لقاؤهما الأول يوم الجمعة 21 تشرين الثاني 1941م، في حين كانت قد أبيدت أعدادٌ كبيرةٌ من اليهود قبل هذا التاريخ، فكيف يكون المفتي مسؤولاً عن طرح فكرة الإبادة على هتلر قبل أن يلتقيه؟

إنَّ مراجعةً دقيقةً لمباحث اللقاء بين هتلر والمفتي، كما أوردها المفتي في مذكراته (نشرتها دار الأهالي بدمشق سنة 1999م، وهي بين الصفحات 108-112) تبيِّن أنَّ هتلر هو من تحدَّث عن مشروعه ضد أسماه اليهودية العالمية ورغبته بحلّ المسألة اليهودية حلّاً جذرياً، فلم يكن المفتي هو من أثار الموضوع أو طرح حلَّ الإبادة، بل كان هو مستمعاً لآراء الزعيم النازي ليس إلاّ، وركَّز في نقاشه على الحصول على إعلان من قبل الزعيم الألماني يتعهد فيه باستقلال الدول العربية الخاضعة للاحتلال البريطاني بعد أن تنتصر ألمانيا في الحرب.  كما أنَّ نتنياهو يغفل أنَّ الحركة الصهيونية وبريطانيا لم تستطيعا تقديم المفتي لمحكمة نورمبرغ، التي حاكمت مجرمي الحرب، لعدم وجود أيِّ دليلٍ يثبت تورطه في جريمة الإبادة الجماعية لليهود، ومن هنا رفضت فرنسا، والتي كانت تعتقله في فيلا في إحدى ضواحي باريس، تسليمه لبريطانيا أو يوغوسلافيا، التي اتهمته بالمساهمة في قتل الصرب خلال الحرب.

ثانياً تثير تصريحات نتنياهو قضية مسؤولية الشعب الفلسطيني بأكمله عن التحالف السياسي بين المفتي والنازيين، فلو فرضنا جدلاً أنَّه كان للمفتي دورٌ في جريمة النازية ضد اليهود فهل يعطي هذا إسرائيل الحق في الانتقام من الشعب الفلسطيني؟  بالنسبة لنتنياهو فإنَّ طرح هذه القضية كان للحصول على مثل هذا الحقّ، وبالتالي تبرير سياسته الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني برمَّته، وهذه ليست المرَّة الأولى التي يستخدم فيها نتنياهو قضية العلاقة بين المفتي وهتلر، فقد ذكرها عدة مرّات في الماضي، إحداها أثناء هجومه على اتفاقية أوسلو وتبرير موقفه الرافض لها، فهو لا يريد السلام مع الشعب الذي باعتقاده كان مشاركاً في إبادة اليهود.  وموقف نتنياهو هذا يذكرنا بموقف الزعيم الصهيوني أوسشكين الذي رفض في بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين مصافحة المفتي محمد كامل الحسيني، الشقيق الأكبر للحاج أمين، أثناء حفلةٍ أقامتها الحكومة البريطانية في القدس، لأنَّ المفتي بزعمه من أبناء إسماعيل المسؤولين عن اغتصاب بنات اسحق، فالعداء للفلسطينيين وكرههم واحتقارهم والدعوة لإبادتهم سلوكٌ واعتقادٌ جوهريٌ في العقيدة الصهيونية، ويبحث زعماؤها عن أية مبررات لهذه الكره المتأصِّل.

لكنَّ نتنياهو في لجوئه لهذا التبرير مدعوٌ ليقول لنا ما هو موقفه من عشرات الزعماء الفلسطينيين الآخرين، مثل عوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم وأحمد حلمي عبد الباقي باشا وراغب النشاشيبي وسليمان طوقان وحسين فخري الخالدي، الذين أدانوا النّازية ووقفوا مع دول الحلفاء ضدًّها.  وما موقفه من آلاف الفلسطينيين الذين انضمّوا للجيش البريطاني لمحاربة النّازية والفاشية؟  لماذا يقرأ نتنياهو نصف النصّ ولا يقرأ النصف الآخر.

القضية الثالثة حول هذه التصريحات تتعلّق بالموقف الصهيوني من النازية، فنتنياهو مطالبٌ أيضاً بتحديد موقفه من الاتفاق النازي الصهيوني المعروف باتفاقية هعفراه، والتي أبرمت بين الوكالة اليهودية الصهيونية وألمانيا النازية بتاريخ 25 آب 1933م، وهدفت للمساعدة في تسهيل تهجير اليهود الشباب لفلسطين، بشرط أن يتنازل اليهود عن ممتلكاتهم لدولة ألمانيا.  وتمَّ فعلاً تهجير حوالي خمسين ألف يهودي في السنوات اللاحقة، وخصوصاً خلال الحرب العالمية الثانية وحتى العام 1942م، بناءً على هذه الاتفاقية، وتم شحن ممتلكاتهم إلى فلسطين كبضائع ألمانية مما ساعد الاقتصاد الألماني النازي والذي كان تحت الحصار، فكان اليهودي الذي توافق الوكالة اليهودية على هجرته إلى فلسطين، وقد سعت هذه الوكالة لتهجير القادرين على العمل وحمل السلاح وليس كل يهودي يريد أن ينجو من خطر الموت على أيدي النازيين، يودع أمواله في بنك في ألمانيا، ويشتري هذا البنك بها آلات زراعية وآلات عسكرية ومعدات ويرسلها إلى فلسطين، وهنا يأتي المهاجر اليهودي فيستعيد ثمنها من حساب للوكالة اليهودية في بنك في فلسطين، فالصهاينة تعاونوا مع النازية لفك الحصار الاقتصادي عنها حتى وهي تقوم بعمليات الإبادة الجماعية لليهود.  لماذا يحذف نتنياهو هذا الأمر من روايته الانتقائية والكاذبة لما جرى خلال الحرب العالمية الثانية؟

لقد كتب عديدون حول التعاون النازي الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، ورصد مؤرخون وباحثون الترحيب الصهيوني بالنازية منذ بدايات صعودها على المسرح السياسي الألماني والأوروبي، ومن هؤلاء الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في كتابه الوجه الآخر للتاريخ: العلاقات السريّة بين النّازية والصهيونية، والباحث فرانسيس نيكوسيا الذي نشر بالإنكليزية دراسته العميقة والمستندة للوثائق الألمانية حول العلاقة بين النازية والصهيونية في كتابه The Third Reich and the Palestine Question.  كما عرض نورمان فنكلستاين في كتابه صناعة المحرقة لسياسة إسرائيل والمنظمة الصهيونية في تحويل مأساة اليهود الأوروبيين خلال الحرب إلى وسيلة لابتزاز المال من ألمانيا ومن البنوك السويسرية، باستخدام قوة الشيطان الأكبر أمريكا وبتلفيق الأكاذيب وبالتهديد والوعيد، ويوضِّح فنكلشتابن كيف سرقت إسرائيل أموال الضحايا اليهود وحوّلتها لتمويل ميزانيتها، ولم تعطهم سوى القليل من حقوقهم.

القضية الرابعة التي ينبغي الانتباه إليها في أنَّ نتنياهو بحديثه عن علاقة المفتي بإبادة اليهود يكشف عن بنية أفكاره وحقيقة سياساته تجاه الفلسطينيين، ويقدِّم لنا تفسيراً لامتناع أجهزة دولته الأمنية عن القبض على المستوطنين اليهود المجرمين الذين حرقوا عائلة دوابشة في دوما ورقصوا بسعادة وسرور حول البشر الذين كانوا يحترقون ويصرخون من الألم، فهؤلاء في عرف نتنياهو لم يقوموا سوى بفعلٍ رمزيِّ لما يجب أن تقوم به إسرائيل من الانتقام من الشعب الذي تسبب بأعظم كارثة تعرَّض لها اليهود، فحرق الفلسطينيين أمرٌ جيد ولا يستوجب الملاحقة القانونية ولا العقوبة.  نتنياهو شخصٌ مريضٌ عقلياً ونفسياً يريد أن يقود المنطقة لحربٍ مدمِّرة لن يكون شعبه بنجاةٍ عن الاكتواء بنارها، إن لم يضع حدّاً لمستقبله السياسي.

● ● ●

لماذا تغلق السلطات المصرية معبر رفح – محمود فنون

“صحيفة”: حماس تدرس تسليم معبر رفح للرئاسة

مصر تغلق المعبر وتفتحه وفق التحديدات الإسرائيلية

الأصل أن معبر رفح بين مصر وقطاع غزة وبقية المعابر الستة الأخرى بين إسرائيل  والقطاع تظل كلها مفتوحة وفق نظام المعابر الذي وضعته إسرائيل وعملت به منذ إحتلالها وإنشاء هذه المعابر حتى عام 2007 م

ما الذي حصل وغيّر السلوك الصهيوني ؟

المستجد الأساسي هو الإنقسام وسيطرة حماس منفردة على القطاع وبدون صلة مع سلطة الضفة الغربية  وسيطرتها على المعابر من الداخل .

وماذا أكثر ؟

لقد قامت إسرائيل بحصار القطاع من كل المعابر وقوننت أو حددت فتح المعابر وفقا لسياسة جديدة تنسجم مع رغبتها في حصار غزة والتضييق عليها . وهذا انطبق على كل المعابر بما فيها معبر رفح .

ولكن معبر رفح من الجهة الأخرى تشرف عليه السلطات المصرية ، بخلاف كل المعابر الأخرى التي تشرف عليها السلطات الإسرائيلية . ومن الممكن للسذج أن يتصوروا إذن أن مصر ستبقي المعبر مفتوحا من جهتها !!! يا لهول التفكير .

إذا دخلنا في التفاصيل فإن مستجدا آخر قد وقع وزاد الطين بلة . ألا وهو : أن أمن حماس هو الذي سيطر على معبر رفح من جهة القطاع وأشرف على كل المعابر الأخرى . وهذا ترفضه إسرائيل .

إن هذا المستجد لا يروق لإسرائيل وقد استخدمته سببا إضافيا بل شماعة تبرر به استمرار حصارها للقطاع وإغلاق معبر رفح ولكن بواسطة السلطات المصرية .

هذا من جانب إسرائيل . وماذا من جانب السلطات الأمنية المصرية ؟

إن مصر تلتزم بالسياسة الإسرائيلية فيما يخص معبر رفح وتطبقها بحذافيرها منذ زمن مبارك وزمن مرسي الذي دام سنة كاملة وزمن السيسي بما في ذلك زمن المجلس العسكري الذي حكم بين فترة مبارك ومرسي والذي حكم بين فترة مرسي والسيسي .

وكثير من المباحثات بين إسرائيل وأطراف أخرى تمخضت عن ضرورة أن يقوم أمن سلطة الضفة بالسيطرة على المعابر كي تخفف إسرائيل من شدة الحصار . ولم تنفع قط كل المناشدات الفلسطينية للسلطات المصرية  والتي كانت تطالب وترجو وتستجدي من أجل إبقاء المعبر مفتوحا ، بل ان السلطات المصرية عمدت إلى إغلاق الأنفاق التي كانت تشكل متنفسا لأهالي القطاع للسفر إلى مصر وإدخال الكثير من البضائع المصرية إلى قطاع غزة .

وظلت سلطة حماس ترفض هذا التسليم وتصر على بقاء رجالاتها على المعبر .

إن تحكم السلطات الإسرائيلية بالمعابر وكما الحصار المشدد هي مظاهر استمرار خضوع قطاع غزة للإحتلال الإسرائيلي ولو انه احتلال من الخارج

( في السجون في فترات الرخاء ، قلما تتدخل سلطات السجون في القسم من الداخل سوى العدد وإجراءات التفتيش . وعدا ذلك هي تحاصر القسم بالأسلاك الشائكة وتراقبه من الخارج وهي تسمح وتمنع الدخول والخروج للسجناء والأشياء ) وهذا حال القطاع .

إسرائيل تريد نظاما لمعبر رفح على مقاسها وهي السلطة الحاكمة وكانت حماس ترفض . واليوم : بحسب المصادر، فإن مسؤولين من السلطة أكدوا لمسئولين من حماس أن الرئيس محمود عباس يُصر على تسليم المعبر بشكل كامل دون أي تواجد للحركة التي تسيطر على القطاع وهو ما ترفضه حماس التي قد تدرس جديا سحب عناصرها رغبةً منها في التخفيف عن الفلسطينيين وتضرر الآلاف من سكان غزة جراء إغلاق المعبر.”

وكانت حماس قد وافقت على حضور حرس الرئاسة على ان يبقى أمن حماس للمراقبة وهذا ما رفضته مصر والسلطة وإسرائيل .

وماذا يعني وجود حرس الرئاسة ؟ يعني عودة نظام التشغيل برقابة أوروبية وتحت إشراف السلطات الإسرائيلية ، يعني التأكيد أن قطاع غزة تحت الإحتلال وأن كل من السلطة الفلسطينية ومصر يتعاطيان مع المعبر فتحا وإغلاقا على هذا الأساس .أو ليظل مغلقا .

● ● ●

 

كلُّن يعني كلُّن ؟؟! – ثريا عاصي

الإثنين 26 تشرين أول 2015، تناقلت وسائل الإعلام أخباراً مفادها أنّ شاباً من آل سعود (لقبه أمير، 29 عاماً) أُوقف وعدد من معاونيه في مطار بيروت بتهمة محاولة تهريب 2000 كيلوغرام من أقراص الكابتاغون إلى بلاد نجد والحجاز، التي يحكمها آل سعود . يبدو أنّه استأجر لهذه الغاية طائرة خاصة.

صار من «المعروف عالمياً» أنّ الكابتاغون هو «مخدِّر الجهاديين»، فهو مركّب مادة تُسبِّب هياج وإثارة (أمفيتامين)، تُعطِّل الإحساس الذاتي بالألم، بالإضافة إلى عدم الإحساس بألم الآخر، إلى جانب التباهي بالنفس والشعور بالنشوة من خلال عدوانية تجعل المعتدي يتوهّم أنه يمتلك قدرة مادية ونفسانية لا تُقهر !

ليس بالضرورة، من الناحية النظرية، أن نفترض وجود علاقة تربط بين الشاب المهرِّب وبين نَسَبه إلى آل سعود. ولكن ما تُظهره، في الواقع، قضية هذا الشاب الأمير هو وجود علاقة فعليّة بينه من جهة، وبين نظام آل سعود السياسي، من جهةٍ ثانية. الذي يبدو أنّ خيوطه تتمدّد، ربما أن قوى خارجية تحاول إيصالها، إلى أنحاء كثيرة في المنطقة العربية. إنّ ما يبرّر لنا استخراج هذه الخلاصة هو كون المتّهم، بحسب وسائل الإعلام، يحمل جواز سفر دبلوماسي، فضلاً عن أنّ البضاعة المُهرّبة وُضِّبت في طرود ممهورة باسم «سموّ الأمير» .

بكلام واضح وصريح، يحق لنا أن نظن، حتى إثبات العكس، بأنّ محاولة تهريب الكابتاغون كانت تجري تحت غطاء دبلوماسي وعائلي، ورسمي سعودي. يؤكد ذلك، استناداً إلى المعلومات التي نُشرت في الصحافة، نشاط محموم قامت به ممثليّة آل سعود في بيروت، بالإضافة إلى البرقيات التي وردت إلى بيروت من وزراء آل سعود. اللافت للنظر، وما يبعث في آنٍ على الدهشة، هو أنّ وزراء لبنانيين، حاليّين وسابقين، ورؤساء وزراء سابقين، يبدو أنهم تجنّدوا بدورهم، أو جُنّدوا، جهاراً نهاراً، من أجل تخليص «سموّ الأمير الشاب» من الورطة التي وقع فيها. هذا يمثّل من وجهة نظري دليلاً إضافياً، بعد فضيحة التوقّف عن جمع النفايات، على أنّ الدولة في لبنان هي في أغلب الظن متوفاة منذ وقتٍ قد يصعب تحديده. بالتالي فمن المرجّح أنّ المعنيين يتكتّمون على الحقيقة. من هم المعنيّون؟ أكتفي بالقول إنّهم أمراء الحرب الذين استولوا على السلطة، أو بالأحرى اغتصبوها!

من المحتمل أن تكون ميلودراما مطار بيروت، التي كان بطلها أمس «سمو الأمير الشاب»، هي الفصل النهائي في حكايتنا نحن في لبنان . من البديهي أنّ هذا الفصل له مكانه في سيرة آل سعود أيضاً، ولكن هذا لا يعنيني في الواقع إلا من زاوية فيضان هذه السيرة على لبنان . بمعنى آخر، ما أودّ قوله في هذا المجال هو أنّ المنطق يُجبرنا على النظر في فرضيات، منها على سبيل المثال، فرضية تقول إنّ «سمو الأمير الشاب» ليس مهرِّباً، ولكنه مُكلّف بنقل أقراص المخدِّر، لا سيّما أنّ الكميات كبيرة، إلى جبهات القتال! أي بمعرفة الذين، وبالتالي بتغطية منهم، يدعمون «الجهاديين» على هذه الجبهات . وفي هذا السياق، لا يجوز أن نُسقط من حساباتنا فرضية أنّ آل سعود، الذين يتوكّل أمراؤهم، بنقل طنّين من الكابتاغون، يُقال إنّ ثمن هذه الكمية يتجاوز 100 مليون دولار، في طائرات خاصة، إنما يتصرفون جزافاً !

من البديهي أن يتساءل المراقب في ما يتعلّق بالموضوع الذي نحن بصدده في هذا البحث، عن المصدر الذي أنتج أقراص الكابتاغون لحساب «سموّ الأمير». من أين جاءت؟ وعن الجهة التي كانت تنتظر البضاعة أيضاً. إلى أين وإلى من؟؟. هل المملكة هي المحطة النهائية؟

يبقى في الواقع سؤال جوهري لا مفرّ من الإجابة عليه، إذا ثبت طبعاً أنّ وزراءَ ومسؤولين في لبنان، يحاولون إعفاء المُتّهم، «صاحب السموّ الملكي»، من المثول أمام القضاء المختص بقصد تبرئته من جهة، ورفع المعوقات التي تعترض إتمام الصفقة التي كان الأمير الشاب مولجاً بها، من جهةٍ ثانية. هذا السؤال هو ما الفرق، إذا استثنينا الحَسَب والنَسَب، بين الأمير المهرِّب من جهة، وبين الوزير الذي يبرّر فعلته من جهة ثانية؟

إنّ ذلك يتطلّب من جميع الأطراف الداخليين إعلان مواقفهم بصراحة وشفافية. إنّها قضية حقيقة يتمّ إخفاؤها، وقضية شركة وتعايش!

:::::

“الديار”، بيروت

http://www.addiyar.com/

______

تابعوا مجلة “كنعان” الفصلية على الرابط التالي:

http://kanaanonline.org/quarterly

 

تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على:

  • ·       “كنعان” بالعربية:

http://kanaanonline.org/ebulletin-ar

  • ·       “كنعان” بالانكليزية:

http://kanaanonline.org/ebulletin-en

  • ·       “فيس بوك” Facebook:

http://www.facebook.com/pages/Kanaan-Online/189869417733076?sk=wall

  • ·       “تويتر” Twitter:

http://twitter.com/#!/kanaanonline

 

  • ·       موقع “كنعان” من عام 2001 الى 2008:

http://www.kanaanonline.org/ebulletin.php

 

  • الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري “كنعان”.
  • ·         عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى “كنعان”.
  • ·         يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان “كنعان” الالكتروني: mail@kanaanonline.org

كنعان النشرة الإلكترونية

Kana’an – The e-Bulletin

السنة الخامسة عشر العدد 3973

29 تشرين الأول (اكتوبر) 2015

اترك تعليقاً