الأخبارالأرشيف

مئة عام سايكسبيكوية – عبداللطيف مهنا

لم يك من الممكن لهم اخضاع أمة بحجم وعراقة الأمة العربية، أو الحؤول دون استقلالها ونهوضها، اثر انهيار الدولة السلطنة العثمانية بغير التوافق، أي التآمر ، المسبق لتجزئتها. هذا ما فعله ذات ليل البريطانيون والفرنسيون، أو الاستعماريون المنتصرون في الحرب العالمية الأولى، الساعون قبلها وبعيد انتصارهم فيها لأن يرثوا الرجل المريض وأن يتقاسموا أشلاء سلطنته الآفلة. لذا سبق انهيار هذه السلطنة وكاستعدادَ لتقاسم تركتها الإبرام السري لمعاهدة سايكس_بيكو ، والتي تمر علينا هذه الأيام ذكراها المئة…ذكرى لما جاز وصفها بأم الكوارث جميعاَ، هذه التي تناسلت وتلاحقت على الأمة العربية من حينها وحتى هذه الساعة. إذ يكفي أنها قد قطَّعت اوصال المشرق العربي، وهيأت مسبقاَ لاغتصاب فلسطين، بأن أُردفت بوعد بلفور لينجبا سفاحاَ الكيان الصهيوني على انقاضها، وليفصلوا بالتالي مشارق الأمة عن مغاربها. ولم تتوقف مصائب مثل هذه المكيدة عند هذا الحد، بل لعل تداعياتها المستمرة كانت الأشد وبالاَ على الأمة، وفي المقدمة منها اصطناعها لشائه القطريات العربية الجاثمة على صدر الوطن العربي وترسيخها وتمكين ثقافتها.

وعندما نقول ذكرى أم الكوارث جميعاَ، نستحضر الذكرى الثامنة والستين للنكبة العربية في فلسطين، واللتين تصادف مرور ذكراهما معاَ هذه الأيام، كما لاننسى أن ما لا يزد عن أسبوعين لا أكثر هو ما يفصلنا عن ذكرى النكسة، ثم اشهراَ قليلةَ عن وعد بلفور، وهكذا…تداعيات أم الكوارث بحجم خيبات ومرارات وانكسارات قرن بكامله، قرن يالكثرة مرور مناسبات ذكرياته العلقمية.

لكنما، وبالعودة إلى ما هو الأشد من وبيلها، ونعني القطرية، كمنتج لتلكم التجزئة الأولى ومن ثم التكريس المديد لها، أو هذه التي تحصد الأمة النازفة الآن الأدهى من نتاجاتها المسمومة في راهن عربي متفق على أنه الأسوأ والأخطر في تاريخها، والذي لامن مستفيد فيه ومنه سوى عدوها الصهيوني، ومختلقيه بالطبع وسائر جبهة اعدائها السايكسبيكويين داخلاَ وخارجاَ، لابد لنا من العودة إلى استهدافات سايكس بيكو الأصل التي بدءنا بها، والتي يمكن اختصارها في الاخضاع والاستتباع فبسط الهيمنة وتمكينها على كامل كتلة الأمة، وهى أمور لاتستقيم  بدون انتزاع التسليم بضياع فلسطين، فالقبول بالكيان الاستعماري الدخيل مركزا تدور من حوله أشلاء الأمة بل والمنطقة برمتها، بمعنى ضياع البوصلة، التي لطالما وحَّدت هذه الأمة وكانت الشاحذة لأسباب نهوضها والمحفِّز لبواعث انعتاقها وتحررها والمؤشر على ضرورة ومستوجب بل ومصيرية وحدتها…أو كل ما هو قد بات من نافل القول أنه ما كان ليتوفر لمستهدفي الأمة تحقيقه دون تكريس التجزئة وترسيخ بلاء القطرية العربية، أو هذه المزق من كياناتها البائسة التي تتصرف كل منها وكأنما هي أمة بحد ذاتها.

إن مئة عام وكوارثها كافية لأن تشهد امام التاريخ على جملة من الحقائق يأتي في المقدمة منها سقوط القطرية، التي باتت الآن على شفا حفرة من التشرذم والتفتت، أو برسم تجزئة المجزء. وإن الهيمنة والتبعية والاستبداد ومعهما التخلُّف هم دائماَ وأبداَ في جبهة واحدة. كما لايمكن بحال فصل التبعية والدونية والانهزامية عن الشرذمة والتمذهب والتطييف والدعشنة، إذ كلها مصائب تتخادم ويشد بعضها بعضاَ، بحيث ساءت الأمور في دنيا العرب لدرجة أن يخوض بعضنا حروب اعدائنا في بلادنا، وأن تهزل لدرجة أن يتباكى المتباكون منا حتى على سايكس بيكو التي أوصلت حالنا ومآلنا إلى ماهما عليه. بل وحتى بتنا وجها لوجه مع ما يمكن وصفه بالصهيونية العربية، التي لم يكفها تواطؤها لتصفية قضية قضايا الأمة في فلسطين فحسب، وإنما لم تعد ترى في الكيان الصهيوني عدواَ، و بالتالي لم يعد مستغرباَ منها أن تعده حليفاَ، وحتى بات من الممكن تخيُّل سماعنا لمن يدعو من هؤلاء لضمه إلى الجامعة العربية، وربما هذا في واقع كل هذا الانحدار أمر قد لايحول دونه إلا رفض هذا الكيان له تمسكاَ منه بيهوديتة!

…إذن مئة عام من سايكس بيكو، وحتى لانعفي انفسنا من المسؤولية، فإنه، وقد تهتك ستر التبعية، وكان للهشاشة القطرية انيابها التي يشحذ شراستها ازدياد احساسها بهشاشتها وخوفها المتأتي من لاشرعيتها، فإننا قد ابتلينا اضافةَ لهذا بنخب مستلبة وذات وعي اشوه وحول ناجم عن تغييب متعمد للوازع القومي، وازورار مرضي عن التمسُّك بالهوية الجامعة العاصمة، وكله، دون أن نغفل أن السلبية هي أخت الدونية وهما إلى جانب استسهال جلد الذات، بحق أو من دونه، وفيما هو الأشبه هذه الأيام الحالكة بالذات بالمندبة، لهو اشد فتكاَ من تآمر المتآمرين وقمع القامعين.

…نعم مئة عام سايكسبيكوية، لكنها فشلت في تأبيد القطرية المتهالكة، وعجزت عن إخضاع الأمة التي تظل الحيَّة، واخفقت في كبت توقها العارم للانعتاق والنهوض، ولم تتمكن ولن تتمكن من شطب قضينها المركزية في فلسطينها…لماذا؟

لأن دروسها المريرة اليوم من شأنها أنها تعيد الاعتبار للعروبة وابجديات الخلاص  وركائز النهوض ومسلمات قيامة الأمة، ألا وهى الوحدة كنقبض أوحد لرزايا التجزئة ، والحرية والعدالة والمواطنة المتساوية والديموقراطية كبديل للنبعية والاستبداد…ومئة عام تقول لنا صباح مساء، إنه لايفل فقه الفتن والتطييف وثقافة الهزيمة والتبعية والدونية الضاربة جذوراَ في راهننا إلا اللجوء إلى فقه العروبة والاحتكام فحسب لثقافة المقاومة.

اترك تعليقاً