الأرشيفوقفة عز

مقهى أبو دياب العلي الحلقة 14 – عن أبي رضا السيد (خميس) وأولاده

ذكريات وحكايات مخيم عين الحلوة – إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

يوم أمس تحدثنا في الحكاية الماضية عن أبي حسن السيد (اليمني) وأولاده وقبله في حلقة سابقة عن (أبي صلاح عبدالله تركي)، الذي للأسف توفي يوم أمس ودفن في مقبرة درب السيم قرب مخيم عين الحلوة. في حين أننا أنهينا الحكاية الثالثة عشر بالتطرق الى “أبي رضا السيد” وأولاده، حيث هم اليوم موضوع حلقتنا الرابعة عشر.

بعد مطالعته لبعض الحلقات كتب الأخ ماريو عساف معلقاً “أن رضا هو الإبن الأكبر للرجل المكافح أبو رضا السيد خميس، بائع الخضار، رحمه الله. أكد الأخ ماريوعساف بأن رضا نجل أبو رضا كان خياطاً. كما أضاف “كان له أخاً أصغر منه. فقد كان ذاك الأخ سائق سيارة وقتل على يد الجيش اللبناني هو وزوج أخته في حادثة مفتعلة من قبل الجيش. فأصبحت تعرف بحادثة الشرحبيل. يومها قام الجيش بإطلاق النار عليهم للإشتباه فقط وبعدها لفق تهمة لهم لتبرئة نفسه… وبحسب عساف “لازال لغاية الآن في دار السيد أربعة نساء أرامل بعدما فقدن رجالهن” فقد استشهدوا كلهم.
أما عن الراحل المناضل أبو رضا يمكننا التأكيد أنه فقد إحدى يديه في مدينة اللد على يدِ العصابات الصهيونية. لكن بالرغم من الإعاقة الجسدية وفقدانه لذراعه واصل الحياة وعمل في تجارة الخضروات في مدينة صيدا اللبنانية. تمكن من رعاية عائلته التي كانت تتكون من عشرة أبناء وبنات. لقد كان مكافحا من طرازٍ نادرٍ. فمن ذاق طعم الجراح يعلم بأنها تُعلم الجرحى كيف يواصلون بالرغم من الألم والمصاعب. كما أنها تُعلم أصحاب الإعاقة كيف يتفوقون ويبدعون.
في معرض تقديمه لما يعرفه عن المرحوم أبو رضا السيد خميس، قال الصديق أبو عمر – دياب العلي، الذي كان يعرف أبو رضا السيد خميس وأولاده من خلال ترددهم على مقهى والده أبو دياب العلي رحمه الله: ”كان لأبي رضا إبناً يدعى رياض وللعلم فقد أُسر رياض عام 1968 على الحدود الفلسطينية اللبنانية في عملية فدائية. لم يتمكن العدو من الاقتراب منه رغم إصابته بثماني رصاصات. كان قوياً وشرساً. لم يتمكنوا من اعتقاله وأسره إلا بعد أن خارت قواه”. يضيف دياب العلي بأن البطل “رياض أمضى في الأسر الصهيوني سنة كاملة. ثم خرج بعدها على إثر صفقة تبادل مقابل حارس صهيوني”.
بعد ذلك سافر رياض السيد خميس، الرجل الهيبة، والفدائي الجريح والأسير المحرر، الذي لم يلقَ اهتماماً به بعد تحرره، سافر الى برلين الغربية، حيث قدم طلب اللجوء في عاصمة الرايخ الألماني. بقي هناك حتى عاد في تابوت وكفن الى مخيم عين الحلوة. فقد توفي هناك قتلاً وإغتيالاً. بحسب دياب العلي “يُقال أن 15 شخصاً من عصابة محلية في برلين (منها فلسطينيين) قاموا بقتله، عبر طعنه 25 طعنة في جميع أنحاء جسده”. ففي ذلك اليوم الأسود على عائلة الراحل ابو رضا السيد خميس، تحقق المثل الذي يقول – تغلبت الكُثرة على الشجاعة-… بتلك الطريقة التراجيدية وضع حد لحياته القصيرة وسُجلت نهاية رجل شجاع من مخيم عين الحلوة، إسمه رياض السيد خميس.

من أبناء أبو رضا هناك أيضاً جمال وإبن آخر أصغر من جمال أطلق عليه والده اسم “بن بيلا” لحبه وإعجابه بالرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بيلا. كما ويقول الصديق صالح العلي أنه كان لأبي رضا إبنة أصغر من رياض. تزوجت شاب ميكانيكي ربما هما اليوم في الأردن. كما وله أبناء من زوجته الثانية وأحدهم إسمه رياض”. ربما صديقنا صالح يقصد أن رياض من الزوجة الثانية هو شقيق رياض الذي استشهد اغتيالاً في برلين.

لقد كان رياض الفدائي فاللاجئ، فالضحية إبناً لحارات المخيم وزواريبه وابناً للعم أبو رضا السيد خميس، الرجل اللداوي، المقاتل قبل النكبة وبعد النكبة. قلنا اللداوي لأنه يتأصل وينحدر من مدينة اللد. أتذكر أنا كاتب هذه السطور يوم وصل نعش رياض الى عين الحلوة من برلين ويوم جنازته في المخيم وكيف تسابقنا نحن الفتية والأطفال الصغار للمشاركة في الجنازة.
كان لرياض شقيقاً أكبر إسمه رضا وهو أكبر أبناء العم الراحل أبو رضا السيد خميس. عُرِفَ عن رضا أنه كانت لديه إعاقة في رجله. فقد كان يعرج منذ البداية، حيث أصيب بشلل الأطفال. بحسب دياب العلي “أصبح فيما بعد خياطاً . في تلك الحقبة الزمنية كانت تلك الظاهرة شائعة بين فلسطيني المخيم… ظاهرة الخياطين المُصابين بإعاقات مستديمة. صديقنا دياب العلي يعيد ذلك الى: “أُرسل رضا السيد خميس الى مصر في عام 1966 في بعثة تعليم وتطوير الخياطة والتطريز في مصانع المحله الكبرى الشهيرة. استمرت الدورة لمدة عام كامل”.
يتابع دياب العلي حديثه: “عندما عاد رضا الى المخيم ذهبنا كي نرحب به ونقدم التهاني. فتحدث معنا باللهجة المصرية، مما أثار إعجابنا بسرعة تعلمه اللهجة المصرية، خفيفة الدم، فهي لهجة فريد شوقي وعمر الشريف وتوفيق الدقن وشكري سرحان والشاويش عطية وحتى الرقاصات، تحية كاريوكا وسامية جمال… كُنا في تلك الحقبة معجبون بكل شيء مصري ولكن صدمة هزيمة 67 جعلتنا نغير طريقة تفكيرنا”.
أما أنا كاتب هذه السطور فكانت اللهجة المصرية دائما ولازالت تذكرني بالزعيم الخالد جمال عبد الناصر. بخمسة ملايين مواطن مصري ساروا في جنازته وكانوا يهتفون تلقائياً “يا جمال يا حبيب الملايين سايب مصر ورايح فين”.
تذكرني بالشاعر الراحل أمل دُنقُل، الذي كان صقراً ورفض أن يموت صقراً مستباحاً، فواجه مرض العضال حتى النهاية الدرامية والمأساوية. فهو الذي أنشد في رثاء جمال عبد الناصر مع أنه كان على خلاف معه. أنشد واحدة من أجمل القصائد ونقتطف منها:
(لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين
من سبتمبر الحزين :
رأيت في هتاف شعبى الجريح
(رأيت خلف الصورة)
وجهك.. يا منصورة،
وجه لويس التاسع المأسور في يدى صبيح
رأيت في صبيحة الأول من تشرين
جندك.. يا حطين
يبكون،
لا يدرون
أن كل واحد من الماشين
فيه.. صلاح الدين !
لأمل دنقل قصيدة أخرى هاجم فيها السادات بعد استسلامه للعدو الصهيوني وناشده وطالبه ألا يصالح:
(لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
لا تصالحْ
لا تصالحْ).
اللهجة المصرية تذكرني بالشاعر الرصيفي الشعبي المتصعلك نجيب سرور. بالفنانين والفنانات، من كارم محمود وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ الى صالح عبد الحي الذي أنشد رائعة “ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين”. كما تذكرني بالفنانة شريفة فاضل أم الشهيد الطيار الذي استشهد في حرب اكتوبر 1973، حيث أنشدت له أغنية “أنا أم البطل”.
كلمات اغنية أم البطل للمغنية شريفة فاضل
ابنى حبيبى يا نور عينى …
بيضربوا بيك المثل …
كل الحبايب بتهنينى …
طبعا منا انا ام البطل …
يا مصر ولدى الحر …
اتربى وشبع من خيرك …
اتقوى من عظمه شمسك …
اتعلم على ايد احرارك …
اتسلح بايمانه واسمك
شد الرحال شق الرمال
هد الجبال عدى المحال
زرع العلم طرح الامل
وبقيت انا ام البطل
يامصر ولدى الحر
العالم وصلت اخباره
وشجاعته وتحريره لارضه

اتلموا اخواته واعمامه
من كل بلد عربى جميله
الكل قال باسم النضال
وقفه رجال صدق اللى قال
زرعوا العلم طرحوا الامل
وبقيت انا ام البطل

أخيراً اللهجة المصرية يا صديقي دياب العلي تذكرني بطفولتي وسماعي وجهاً لوجه اللهجة المصرية من الحاجة فاطمة – أم طارق – زوجة ابن عمي المرحوم الحاج محمد محمود أحمد حمد – أبو طارق – ، الذي توفي قبل سنوات في القاهرة وهي كذلك لحقت به بعد فترة من الزمن. رحمهما الله.

يتبع

اللوحة تمثل مخيم عين الحلوة للفنانة البولندية دومينيكا روجانسكا صديقة شعب فلسطين.

ilustracja obozowa, Dominika Rozanska

اعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

03-12-2021