الأخبارالأرشيف

من “وعاء الزهَّار” إلى “فدرالية أبو مرزوق”! – عبد اللطيف مهنا

لست ممن يساوون بين المساوم والمقاوم في الساحة الفلسطينية ولن أكون…المساومون على القضية، والقضية التي جوهرها عندي هو تحريركامل الوطن المغتصب والعودة لكامله من نهره إلى بحره، وهؤلاء أكانوا اوسلويون أقحاحاً، أو سواهم ممن هم على هوامشهم، أي من القائل ب”المفاوضات حياة” إلى القائلين ب”فلسطين من رفح حتى جنين”، هم عندي سواء…والمقاومون، مهما اختلفت اجتهاداتهم، أو اختلفت أو اتفقت مع بعضهم، أو مدى فعلهم المقاوم، وصولاً إلى من يرفع شعار المقاومة ويعجز عن ممارستها، لكنه لم يتنازل عن ثوابت ومبادىء ومنطلقات الثورة الفلسطينية المعاصرة، أو يقبل بتصفية قضيته، وهم عندي ليسوا بسواء.

لكنني، ومنذ البدء، أرى أن الوجه الآخر لللوثة التسووية بنسختها الأوسلوية، التي لطَّخت نصوع صفحات النضال الوطني المخضب بزكي دماء قوافل الشهداء البررة قادةً ومناضلين، واستمرار هذه الكارثة الإنهزامية وفرعنة أوسلوييها، هو إما أخطاء، وأحيانا خطايا، المقاومين الاستراتيجية، أو عجزهم عن القطيعة مع هذا الدُّمل الأوسلوي التفريطي الملحق لأفدح الضرر بالقضية الوطنية، والإحجام عن فقئه نضالياً، الأمر الذي يتكفًل به، وتلقائياً، أمر واحد، وهو تصحيح البوصلة بالثوابت والابتعاد عن الحسابات السلطوية والفئوية، أي وضع مؤشرها باتجاه واحد فحسب، هو المقاومة والتحرير والعودة ولكاملها…لكاملها، وقولوا عني حالما، لابأس، فمن افتقد الحلم استحالت امكانية حشره مع المناضلين.

عندما اختارت حماس، الرافعة لشعار المقاومة والممارسة لها، المشاركة في انتخابات “المجلس التشريعي”، كنت من بين أول المحذِّرين لها من هذه الخطيئة الاستراتيجية، التي جرتها للعب داخل الملعب الأوسلوي وتحت سقفه التسووي. لم يقنعني تبرير حماية الذات والمقاومة وسائر ما سيقت من تبريرات في حينه…اذكر أنه بعد تشكيل اسماعيل هنية لوزارة ما بعد الفوز في “التشريعي” أنه قام بجولة كانت احدى محطاتها دمشق، وهناك كنت من بين من التقوه ضمن وفد من اعضاء الأمانة العامة لاتحاد الكتَّاب والصحفيين الفلسطينيين في فندق الشيراتون. سألته يومها، حبذا لو أخبرتنا كيف سيتسنى لكم حل مثل هذه المتحارجة المستحيلة، وهى الجمع بين المقاومة والسلطة؟! بلباقته المعهودة تهرَّب من الإجابة بالانسلال إلى موضوع آخر…لم يجبني.

ثم كان ما كان، أُقيل، واحتدم ما سمي ب”الانقسام”، ومنذ أن كان، نظرت إليه كحالة موضوعية في غياب برنامج الحد الأدنى من الإجماع الوطني المقاوم، ومبكراً، وتحديداً 14/11/2008 كتبت في “الوطن” مقالاً أقتطف منه:

“لاجديد في حومة الخلاف الفلسطيني الفلسطيني الراهن، باعتباره يظل اساساً خلافاً قائماً بين برنامجين ومشروعين ومسارين نقيضين، بيد أن منحاه قد اتخذ بعيد “الانتخابات التشريعية” لسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، التي شاركت فيها حماس وفازت، مظهراً سلطوياً، أوصلت عقابيله الساحة الفلسطينية إلى ما هى علية اليوم من حالة انقسامية تنذر بفادح الأخطار التصفوية الماثلة للجميع عياناً، والتي غدت تتهدد قضية العرب المركزية في فلسطين بانعكاسات ذات صبغة مصيرية، ليس على وجود الشعب الفلسطيني بأسره، وإنما تتعدى ذلك إلى مستقبل أمة بكاملها”.

كان هذا المقتطف هو من ذاك المقال المعنون ب”وعاء الزهار”، أما مرد اختياري لعنوانه فكان أنني شاهدت بالصدفة في احدى الفضائيات جزءاً من محاضرة رمضانية للدكتور محمود الزهًار، القيادي المعروف والأكثر من نافذ في حركة حماس، وصف فيها “مجلس تشريعي” الحالة الأوسلوية ب”الوعاء الذي من الممكن ملئه سماً أو عسلاً”. قلت في حينه ما قلته في المقال، ومن ضمنه أن اوسلو لاتنتج إلا قيحاً وصديدا…وها نحن والدكتورالزهار، بعد كل هذه السنين التي تلت، نشهد أن أوعية هذه الحالة الكارثية ليس من الممكن ملؤها إلا سماً زعافاً وتعاوناً أمنيا مع الاحتلال.

الذي يعيدنا إلى “وعاء الزهار” هو ما سمعناه عن “فدرالية ابو مرزوق”، أو اقتراح الدكتور موسى ابو مرزوق فدرلة “أوسلوستان” لحل “الانقسام” الفلسطيني، ذلك باقتسام السلطة فيها عبر تشكيل هذه الفدرالية بن “قطري” الضفة السائرة إلى التهويد وسجن غزة الكبير المحاصر! وسواء أكان ابو مرزوق جاداً في مقترحه، أم ساخراً، وفقما ترددة اوساط حماس همهمةً لاتصريحاً رسمياً، فهي في الحالة الأولى واحدة أين منها “وعاء الزهار، وفي الثانية بئس السخرية والأرض الفلسطينية تسرق والدم الفلسطيني يسيل والمسار التسسوي بانتظار ابداعات ترامب التصفوية المتوعِّدة!

تلقفت رام اللة مقترح ابو مرزوق واجدةً فيه ضآلتها، بعد أن مل سامعيها حداءها حول احجام ادارة اوباما الراحلة عن استخدام “الفيتو” في مجلس الأمن، الأمر الذي عزته لفتوحاتها الدولية الباهرة، وانشغلت وأشغلت الساحة به عن ما يُسرَّب حول خيارات ترامب لدعم الكيان الصهيوني ومعاقبة الأمم المتحدة…نقل السفارة الأميركية للقدس، اعلان انتهاء صلاحية اتفاقية أوسلو، اغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وعقوبات ضدها من الكونغرس كمنظمة ارهابية الخ…وما ذا عن الفصائل؟!

المضحك المبكي أن أغلبها قد رفع عقيرته شاجباً مقترحاً عجائبياً لفدرلة المحتل والمحاصر، لكنها برمتها لم ولن تحرِّك ساكناً ذي بال للخلاص من التركة الأوسلوستانية بمقاطعة “المقاطعة” وتصعيد المقاومة، وأقله تبني انتفاضة الفدائيين، وكيف لها ذلك، وأغلبها لا كلها يعتاش على نصيبه الذي يقرره ابومازن من فييء ما يجود أو يتصدق به المانحون؟؟!!

…لطالما قلنا أن كل الأشكال النضالية التي جرًبها شعبنا منذ أن بدأ الصراع وحتى الأن قد فشلت أو هرمت أو استهلكت ولابد من ابتكاره لأشكال نضالية جديدة…وهو القادر الذي لطالما فاجأ الجميع بابتكارته وابداعاته النضالية المتجددة.

 

اترك تعليقاً