الأخبارالأرشيف

هل “التهدئة” من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الحالية؟!

  بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان

                        

أشعر – كما يشعر كثيرون كثيرون غيري – بالاشمئزاز والنفور والتقزز حين يقول بعضهم  ممن يستنشقون زفير عزام الأحمد “إن التهدئة من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية”، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل مستنكرين:”وأين هي منظمة التحرير الفلسطينية، الآن؟! وهل بقي لهذه المنظمة صلاحيات تذكر؟!” ألم يُغَيِّبها محمود عباس؟! وألم يفرغها من مضمونها الكفاحي المقاوم؟! وألا يعينه على تغييبها وعلى تفريغها من مضمونها الكفاحي المقاوم زعامات تدور في فلكه، تنافقه وتستجديه، وتخدمه أهدافها وأهدافه؟!

أما أولئك الذين باتوا يصدحون صباح مساء بالقول “إن التهدئة من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية”، فإنني أٌذكِّرهم وبكل معاني الاستنكار أسألهم:

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يقرر عزام الأحمد، عضو لجنتها التنفيذية  وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، بأن “التهدئة من صلاحياتها؟! وهل من صلاحيات تبقت لهذه المنظمة كي تمارسها؟! وأين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت نتاجاً للانصهار الوجداني بين شعبنا وأرضه؟! أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت من خلال المقاومة معياراً لصمود شعبنا وتحدٍّ لسالبي أرضه ورمزاً لتسمره فيها وعليها، وإصراراً على أن يعود إليها بعد أن هجره البطش والغدر الصهيوني عنها؟!

أين هي، اليوم، منظمة التحرير الفلسطيني، التي أصبحت (في الماضي)؟! عبر تضحيات شعبنا، وطناً معنوياً له يعيش في حضنها ويباهي بها ويفاخر بوجودها ويتلفع بعباءتها التي حيكت خيوطها قبل أربعة وخمسين عاماً من الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تقضي مادته (الخامسة والعشرون) على أنه “تحقيقاً لأهداف الميثاق الوطني الفلسطيني ومبادئه، تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي واصلت(في الماضي) مسؤوليتها على شعبنا، وظلت تستمد منه شرعيتها بمقدار عمق إيمانها وصدق انتمائها وثورية ترجمتها لبنود الميثاق الوطني الفلسطيني الذي خرجت هي من رحمه فظل هو الملجأ لها والمرجع في نوائبها وأزماتها؟! أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية التي جاءت من صلب الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يقضي في مادته (الثانية والثلاثون) بأن “يلحق به نظام يعرف بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي ينص في مادته (الثانية) على أن “منظمة التحرير الفلسطينية تباشر مسؤولياتها وفق مبادئ الميثاق الوطني الفلسطيني”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي لا ينبغي لها – بصفتها الثمرة والفرع – أن تخرج عن الأصل (الميثاق الوطني الفلسطيني) الذي يقضي في مادته (الثامنة) بأن “المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يقضي الميثاق الوطني الفلسطيني الذي خرجت هي من رحمه، في مادته (التاسعة) بأن “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؟! أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتمدت الكفاح المسلح على نحو استراتيجي لا تكتيكي؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي ينص أصلها وهو الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته (التاسعة) على أن شعبنا العربي الفلسطيني “يؤكد تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطننا والعودة إليه…”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يقضي المشرع لها والمرجع وهو الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته (الحادية عشرة) بأنه أمام شعارات ثلاثة لا بد من ترجمتها في الميدان، وهي الوحدة الوطنية والتعبئة القومية والتحرير؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يؤكد أصلها وهو الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته (التاسعة عشرة) على أن “تقسيم فلسطين عام 1947 وقيام إسرائيل عليها باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي تنص مرجعيتها (الميثاق الوطني الفلسطيني) في مادته (العشرون) على “بطلان تصريح بلفور وصك الانتداب على فلسطين، وأن شعبنا يعبر عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة ويرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يقضي أصلها وهو الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته (السادسة والعشرون) بأن “منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره والعودة إليه وممارسة حق تقرير مصيره، في جميع الميادين العسكرية والسياسية والمالية وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين على الصعيدين العربي والدولي”؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي أقر زعيمها ورئيس لجنتها التنفيذية محمود عباس قبل نحو عشر سنوات في أنقرة بأنها تحتاج إلى إصلاح وأن فيها فجوات لا بد من سدها”، غير أن خطوة واحدة على طريق إصلاحها لم تحدث وفجوة واحدة على طريق سدها حتى اللحظة لم تُسَد؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي قال فيها أبو علاء قريع، قبل عقد من الزمان وأكثر “إن الدفاع عنها معناه الشروع الفوري في إصلاحها”، وهو ما لم يحدث حتى اللحظة.

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي وصفها نبيل شعث، في فبراير 2009 بالجمود والابتعاد عن الواقع السياسي حين قال: إن الجمود قد أصاب المنظمة فابتعدت عن الواقع السياسي”، وهو أمر ما يزال مستمراً حتى اللحظة؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي يخلع عليها تلك الأوصاف الرديئة كبار قادة حركة فتح التي تقود المنظمة منذ نصف قرن وأكثر؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم يلتزم رئيسها بما تم الاتفاق عليه منذ أربعة عشر عاماً في اتفاق الفصائل بالقاهرة في مارس 2005؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، من قول نبيل شعث في فبراير 2009 الذي ذهب فيه إلى أن “حركة فتح قد قامت بعد اجتماع الفصائل في القاهرة (مارس 2005) بوضع رؤية جديدة لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية؟! أين هي هذه الرؤية الجديدة التي وضعتها حركة فتح لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية؟! ولماذا تتفرد حركة فتح في وضع هذه الرؤية الجديدة لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي وضعت حركة فتح رؤية جديدة لإصلاحها وإعادة تشكيلها، فيما هي ذاتها (حركة فتح) غير قادرة حتى على إصلاح ذاتها؟! بل أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي تقودها منذ إنشائها قبل أكثر من نصف قرن حركة فتح المنقسمة هي على نفسها؟! وأين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية،  التي باتت جيباً صغيراً من جيوب السلطة التي تقودها حركة فتح المنقسمة على نفسها؟!

أين هي، الآن، منظمة التحرير الفلسطينية، التي باتت ليس أكثر من عنوان يُستدعى وقت الأزمة أو يافطة ترفع وقت الحاجة في وجه من يعارض السلطة أو يعترض على نهج رئيسها؟!

وعليه، فما دام وضع هذه المنظمة كما أسلفنا وكأنها منعدمة الوجود، فأي تهدئة تختص بها هذه المنظمة؟ وأي تهدئة يعتبرها الأحمد من صلاحيات منظمة  لم يبق منها إلا اسمها، مفرغة من مضمونها وعاجزة عن النهوض بأي من واجباتها ومسؤولياتها التي منحها إياها من أوجدها وهو الميثاق الوطني الفلسطيني أو نظامها الأساسي،

وبعد، فإنْ ظن أحد أو رغب في الظن أن كاتب هذا المقال هو ضد منظمة التحرير الفلسطينية على إطلاقها، فإنه يؤكد أنه مع منظمة التحرير الفلسطينية التي تلتزم في الأصل بمبادئها وأهدافها وبأسباب إنشائها وتلتزم بمرجعيتها وهو الميثاق الوطني الفلسطيني. وباختصار شديد ومفيد، فإنني لا أريد منظمة صفتها التحرير فيما فعلها التبرير والتمرير… لا أريد منظمة تختفي وراء الشعارات .. لا أريد منظمة تُستدعى عند اللزوم ثم تختفي أو تموت إلى أن تستدعى عند اللزوم من جديد… لا أريد منظمة جرى الاتفاق من الكل الفلسطيني على إصلاحها وإعادة بنائها منذ أربعة عشر عاماً دون أن يحدث شيء على طريق ما تم الاتفاق عليه… لا أريد منظمة تخدم الشخصيات والزعامات فيما تهمل الإنجاز وتغيب المؤسسات … لا أريد منظمة مهمتها تنصيب الرئيس أو مد ولايته ثم تختفي… لا أريد منظمة يصدر رئيسها أوامره بعقد اجتماع مركزيتها بغية التنصل من واجب وطني أو التهرب من التزام أساسي أو من مواجهة أزمات داخلية وسياسية… لا أريد منظمة يستخدمها رئيسها سيفاً لقطع الرؤوس… لا أريد منظمة هياكلها مشلولة جوفاء لا وجود لها ولا شرعية فيها ولا تمثيل لجميع قوى الشعب في مؤسساتها… لا أريد منظمة تقوم على “الكوتا” وعلى “التعيين” ولا تقوم على الديموقراطية وتجديد الولاية والانتخاب… لا أريد منظمة وجودها مكتبي أو ورقي دون حضور شعبي وفعل وتمثيل جماهيري… لا أريد منظمة يعتبرها شعبنا مرجعية يتعلق بها، فيما يصر رئيسها والدائرون في فلكه على تغييبها… لا أريد منظمة ينسى قادتها أو يتناسون أنها أقيمت من أجل التحرير لا من أجل التفاوض والتبرير والتمرير… لا أريد منظمة يؤمن كبير المفاوضين فيها أن “الحياة مفاوضات”… لا أريد منظمة تتنازل عن حق العودة وتؤمن بالمفاوضة والمساومة وتنبذ المقاومة… لا أريد منظمة باتت تنذر نفسها للمفاوضات وباتت تؤمن بأن التفاهم مع المحتل طريقه القبلات وتكثيف اللقاءات والمجاملة في العزاءات… لا أريد منظمة يحتمي يها البعض في مواجهة خصومه… لا أريد منظمة يتدخل رئيسها في عضويتها بطريقة تضمن الأغلبية له فيها… لا أريد منظمة يحرص رئيسها على أن يكون أغلب أعضائها من الدائرين في فلكه ممن لا يعارضون ولا يعترضون على نهجه وتجاوزاته، بل يبررونها ويدافعون عنها… لا أريد منظمة تواجه التغول الاستيطاني على أرضنا بالقبل والعناق والابتسامات واللقاءات والمجاملات… لا أريد … لا أريد… لا أريد… .

وبعد، فهل نريد منظمة  دون أن نصلحها، ودون أن نعيد بناءها، خلافاً لما تم الاتفاق عليه قبل أربعة عشر عاماً في اتفاق الفصائل بالقاهرة (مارس 2005) ؟!

وهل نريد منظمة يقضي نظامها الأساسي في مادته (الثانية)  بأن “تباشر مسؤوليتها وفق مبادئ الميثاق الوطني وأحكام نظامها الأساسي وما يصدر استناداً إليها من أحكام ولوائح وقرارات؟!

وهل نعيد صياغة منظمة لا تخرج على أصلها ومرجعيتها (الميثاق الوطني الفلسطيني) وتلتزم بنظامها الأساسي، فتنشئ، طبقاً للمادتين (الثانية والعشرون والثالثة والعشرون) “جيشاً من أبناء فلسطين يعرف بجيش التحرير الفلسطيني… تحت إشراف اللجنة التنفيذية…  وواجبه القومي أن يكون الطليعة في خوض معركة تحرير فلسطين… إلخ”؟!

أما آخر الكلام، فهل بقي – بعد كل الذي أوردناه – لمنظمة التحرير الفلسطينية بصورتها الحالية من صلاحية إلا وغابت عنها أو غيبت منها على مدار ما مضى من سنوات وأحداث؟! وهل من دور أو صلاحية لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الحلية إزاء أفاعيل السلطة وما ينزله رئيسها من عقوبات ظالمة وقاسية تنوعت أشكالها على قطاع غزة وأهله الذين واجهوا – وصمدوا أمام – ثلاثة حروب صهيونية شرسة؟! وعليه، فإن عزام الأحمد – بوق المركزية والتنفيذية وبوق الرئيس قبلهما – وكل من يتنفس من زفيره المسَمّم والمسمِّم ينبغي له أن يفكر ألف مرة ومرة قبل أن يهذي بالقول “إن التهدئة من صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية” الغائبة والمغيبة معاً منذ أن كبلتنا أوسلو بسلامها الذي أضاع الحقوق وعزز الاستيطان فمزق الأوطان.

 كاتب وأكاديمي فلسطيني

 جامعة الأزهر بغزة

 رئيس “جمعية أساتذة الجامعات – فلسطين”