الأخبارالأرشيف

هل تأخرت البشرية في المواجهة التاريخية؟ – عادل سمارة

دفعت وتدفع وستدفع البشرية ثمن عدم صد الرأسمالية ممثلة في الغرب والملكية الخاصة.

تعيدنا التوقعات والتحليلات عن وباء كورونا، بانه وباء من تصنيع الولايات المتحدة كحرب أخرى ضد الصين الشعبية، لعودة للوراء للبحث عن أسانيد لهذه التوقعات.

يمكن لقائل أن يقول بأن مختلف الأمم يمكن أن تلجا لأية أساليب تمكنها من هزيمة الأخريات أو السيطرة عليهن وإذعانهن، بمعنى أن السيطرة وحيازة الثروة واحتكارها هي عامل إغراء لأية أمة. وهذا صحيح، بل إن الأمر يغوص مجتمعيا إلى ما هو أعمق من هذا، بمعنى أن من يدفع باتجاه اغتنام أو نهب ثروات الأمم، أو يدمر تلك الأمم كي يحوز على ثرواتها هو في الأساس ليس الجندي المقاتل وليس العامل الذي يعمل في مصنع السلاح أو ينتج المواد الغذائية والملابس للمقاتل، وليست المرأة التي تقوم بعمل منزلي مرهق وبليد لتغذية الجميع، بل هي الطبقة التي تملك كل هذا وتحركه لصالحها.

وهذا يعيد إلى الوعي بأن صراع الأمم هو في جوهره صراع الطبقات. يأخذ في حالات عديدة حالة صراع الأمم ولكن جوهره تحريك طبقة لأمتها ضد أمة أخرى خدمة لتلك الطبقة وليس لجميع طبقات تلك الأمة المعتدية نفسها. أنظر طبعة الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين، فهل هذه الحرب لصالح الشركات أم الطبقات الشعبية في امريكا؟

لكن المرحلة الرأسمالية في التاريخ وصلت بالبشرية إلى وضعية هي الأشد قسوة ووحشية وبالطبع تناقضات. فمع تسارع التطور العلمي واكتساح جوانب عديدة من الطبيعة وتوفر إمكانيات توليد الثروات التي تكفي البشرية المتزايدة العدد وتفيض، ورغم تطور الفكر والثقافة والمعلومات، إلا أن الرأسمالية تأخذ العالم إلي حالة من الدمار.

الدين في خدمة راس المال:

كانت حروب الفرنجة ربما الحروب الأولى في التاريخ التي وظفت الدين من أجل المصالح الاقتصادية للطبقات الحاكمة في أوروبا الغربية الإقطاعية تحديدا حيث زعم الغُزاة بأنهم يغزون المشرق العربي لإنقاذ قبل السيد المسيح، من يدري ان كان رفاته هناك ام لا، بينما هم حالة تصدير أوروبا لفائض الأمراء الباحثين عن إمارات لهم بمعنى انهم كانوا غزاة استيطانيين وليسوا مجرد محاربين من أجل حرب النهب والرحيل أو حتى النهب المستمر بحماية سيطرة عسكرية.

ومع انتقال أوروبا الغربية من الإقطاع إلى الراسمالية تم إنتاج الطبعة الثانية والجديدة من توظيف الدين في حقبة الراسمالية التجارية في القرن السابع عشر، اي رسملة الدين واحتلاله من قبل الطبقة الراسمالية وأدلجة ذلك على يد منظِّريها.

كانت البداية من البلدين اللذين تحولا إلى الراسمالية قبل غيرهما، بريطانيا وهولندا، وكلتاهما إنجيليتان. وكان اول فيلسوف ديني دعى لاستعمار الشرق العربي وإقامة نقطة حراسة لطريق التجارة في هذا الشرق هو “المصلح” الديني مارتن لوثر ( 1483-1546) أي رجل الدين الذي وظف الدين لخدمة راس المال على أرضية استعمارية وحتى استيطانية حيث دعى لإقامة دولة يهودية في فلسطين. وبالتالي زاوج بين الدين اليهودي والطائفة الإنجيلية وراس المال معاً.

أما القس روبرت مالثوس (1766-1834) فذهب إلى ما هو ابعد حيث دعى لتقليص عدد البشرية عبر الحروب أو الأوبئة وليس عبر إعادة توزيع الثروة أو الحيلولة دون نهب ثروة أمة لأخرى، وهو لا شك كان مع الحروب ضد الأمم الأخرى وليس امة بلاده.

كان مبرره: ” أن الثروات تتزايد بمتتالية حسابية والناس بمتتالية هندسية”.أمر مضحك يوجب القول لأحفاده اليوم بان التكنولوجيا أيضا أخذت تزيد الثروات بمتتالية هندسية أعلى من متتالية البشر! وبأن الفلسفة العلمية تؤكد ايضا بأن المادة تتحول ولا تفنى.

ومن هنا تم إرساء قاعدة تبرير قتل البشر لصالح الأطماع الاستعمارية وتم تطعيم رأس المال بالدين والفلسفة حيث بدأت تتبلور المركزانية الأوروبية سواء بزعم أن البروتستانتية هي القابلة الوحيدة لتطور راس المال بما اسماه “الأخلاق البروتستناتية”. وبهذا فهو أرسى قاعدتين خطيريتين:

الأولى: احتلال المسيحية ورسملتها وانتزاعها من اصلها المشرقي. وبالطبع، فاليهودية ترسملت أيضاً.

والثانية: تمييز أوروبا عن غيرها مما عزز المركزانية الأوروبية بما تحمله من تبرير لاستعمار الأمم الأخرى.

ولا يخرج الفيلسوف جورج هيجل عن النزعة المركزانية الأوروبية بمقولته عن “شعوب بلا تاريخ” حيث اسس ذلك للإيدولوجيا النازية.

إن مجرد توسيع بسيط لعنصرية المركزانية الأوروبية يسمح بالوصول إلى العلاقة الإيديولوجية المريضة بينها وبين النظرة التلمودية لغير اليهود باعتبارهم “الأغيار” أي معظم البشرية، وهذا بحد ذاته استسهال إبادة البشرية والاحتفاظ بما يحتاجه هؤلاء لخدمتهم.

كانتا الحربين العالميتين الأولى والثانية هما في الحقيقة بين الإمبرياليات على اقتسام العالم وقد حصدتا عشرات ملايين البشر وانتهت الثانية بضرب اليابان بقنبلتين نوويتين امريكيتين. ولولا الردع السوفييتي لاحقاً لأصبح العالم مجال تجارب نووية رأسمالية غربية على البشرية. وبسبب هذا الردع تم تطوير عديد الأسلحة الكيميائية والجرثومية في الغرب وغيره، وكان فايروس كورونا أحد وليس آخر هذه الجرائم.

خلاصة القول، فإن العالم بحاجة إلى رؤية الغرب الراسمالي على حقيقته بما هو ديكتاتور العالم بأسره، وهو الشمولية المعولمة وصانع الحروب والعامل على إفناء أكبر عدد ممكن من البشرية وهو ما صرح به المجرم هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا عديد المرات وبلا مواربة عن وجوب التخلص من ثلثي البشرية خدمة لما تسمى “النخبة”.

وعليه، فإن خلاص البشرية يرتكز على أمرين:

الأول سياسي اجتماعي بالتخندق والاصطفاف ضد الغرب ثقافة وعسكرا ومصالح اقتصادية وكشف عورته المغطاة بمزاعم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والجندر …الخ. وهذا يطرح السؤال: هل روسيا والصين مؤهلتان لقيادة هذا التصدي من مدخليهما الراسمالي وإن كان أكثر إنسانية من راسمالية الغرب؟ 

والثاني: إيديولوجي بمعنى تعميق الوعي البشري بأن وراء راس المال أساساً إيديولوجيا الملْكية الخاصة التي تقود العالم إلى الهمجية والتي لا يصدها ويلغيها سوى الاشتراكية.

ملاحظة: لطالما اعتز فيدل كاسترو بالقول: “إن الناس تموت في كوبا من الهرم وليس من المرض”.