وقفة عز

يبقى عزرائيل أسرع من قادة ” إسرائيل”

بقلم: نضـال حمد 

عودة الجاسوس عزام عزام عزيزا مكرما إلى أحضان الذين أرسلوه للتجسس على مصر لم تكن نهاية المطاف بالنسبة للدولة العربية الأكبر. فمصر الحضارة والعراقة والتاريخ والنضال الطويل من زمن عبد الناصر الحديث حتى اشتعال سليمان خاطر على رمل سيناء الساخن، تلك الصحراء التي عادت مقابل ذهاب مصر نفسها، لم تتوقف بزحفها الجديد نحو التطبيع عند التبادل المعيب الذي أطلق بموجبه سراح الجاسوس عزام عزام مقابل ستة طلاب مصريين ليسوا لا جواسيس ولا مقاومين، بل ضحية عملية مخابراتية سياسية. أما الصفقة تلك فقد تعدت السجون الصغيرة لتصل إلى السجون الكبيرة، وصولا لتوقيع صفقات تجارية وصناعية أقل ما يقال فيها أنها لا تخدم سوى الصهاينة. فبعد سنين طويلة من الفتور والعلاقات الباردة بين الصهاينة ومصر الموقعة معهم على معاهدة كمب ديفيد منذ حكم الرئيس الراحل المثير للجدل محمد أنور السادات. ظهرت مؤخرا إشارات واضحة لتحسن العلاقات بين الطرفين بالرغم من المذبحة السياسية والعسكرية والتوبغرافية الاستيطانية التي تتواصل على أراضي فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر، ومن رفح على حدود مصر حتى الناقورة على الحدود اللبنانية.

انسجاماً على ما يبدو مع توجهات مصرية جديدة أعقبت موت عرفات ،واستتباعاً لقضية المبادلة خَطَت مصر مبارك خطوة كبيرة جدا عندما قامت بالتوقيع مع الصهاينة على اتفاقية تعاون اقتصادي برعاية بلاد العم سام. وأطلق على الاتفاقية اسم “اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة” والتي” تسمح للصادرات المصرية بدخول السوق الأمريكية دون دفع رسوم جمركية”، شرط وجود مكون “إسرائيلي” حددت نسبته ب 11.7% من المنتج النهائي حسبما ذكرت قناة العربية.

ربما تكون هذه الخطوة بداية تعبيد للطريق أمام عودة السفراء العرب الى كيان الاحتلال. وهنا يجب الالتفات الى تصريح وزير خارجية الكيان شالوم سالفان ليديعوت احرانوت والذي جاء فيه ” بعد إجراء الانتخابات الفلسطينية في يناير المقبل ستقوم عشر دول عربية بفتح مكاتب تمثيل دبلوماسية لها في إسرائيل”. وقبله الى تسريبات الصحافة (الإسرائيلية) التي ادعت أن هؤلاء السفراء في طريق عودتهم الى تل ابيب خاصة بعد إتمام صفقة عزام عزام.

لكن الغزل التطبيعي في الإعلام ليس حكرا على الصهاينة وحدهم فقد احتل أيضا مكانة مناسبة تليق به في الصحافة العربية المحلية والمهجرية الممولة من جهات وأنظمة تطبيعية. كذلك وجد نفسه في الصحف اللبنانية والمصرية مثل السفير والمستقبل وكذلك الأخبار المصرية التي اعتبرت أن قطار التطبيع (الإسرائيلي) العربي سوف ينطلق من محطته الأولى في القاهرة باتجاه بقية الدول العربية.

 وهذا ليس بالأمر الغريب ولا بالشيء العجيب فمصر ظلت طوال 25 سنة من عمر كمب ديفيد الخاص بها ملتزمة بعملية السلام مع الصهاينة. ومارست ضغوطا على الأطراف العربية الأخرى كي تطبع مع الصهاينة. كما أنها كانت مثالاً احتذت به السلطة الفلسطينية في سلام الشجعان حسب تعبير عرفات. وكذلك الأردن في سلام وادي عربة العتيد وأيضاً الدول الأخرى التي أصبحت الآن تقيم علاقات مع الصهاينة.

ان مصر كانت بمثابة المزار المفضل للرئيس الراحل ياسر عرفات منذ خروجه من حصار طرابلس الشهير سنة 1983 وحتى عودته إليها ملفوفا بكفن. كما كانت تعتبر بمثابة المرجعية السياسية والتفاوضية للسلطة الفلسطينية… ولم يزعج هذا الأمر أهل القرار الفلسطيني المستقل كما كان يزعجهم أيام العلاقة الساخنة مع سوريا. وهنا لا بد من الإشارة الى أن الفرق بالمواقف بين الحكومتين المصرية والسورية كبير جدا، فالحكومة المصرية لازالت متمسكة بكمب ديفد أما السورية فلازالت ترفض كل معاهدات السلام حسب الوصفة الأمريكية الصهيونية.

ان عملية السلام اللا عادل واللا شامل التي دخلت بها بعض الدول العربية لم تجلب للعرب سوى الهزائم النفسية والمعنوية والسياسية والاقتصادية، وقد أثبت التجارب السلمية المعروفة لدينا والعلنية مثل تجارب مصر والأردن وبعض الفلسطينيين مع الاحتلال، أنه لا منفعة عربية من السلام مع “إسرائيل” مقابل قليل من الأرض أو مقابل قليل من السلام، لأنها لم تعطهم لا الأرض ولا السلام، إلا إذا استثنينا حالة مصر التي حصلت على معظم أراضيها بشق النفس وبعدما ضاعت هي نفسها وأصبحت رهينة المحبسين الأمريكي والصهيوني.

كما أنه لا يوجد مقابل معقول قدمه كيان الاحتلال للأردن أو للفلسطينيين مقابل كل ما قدموه لها من تنازلات مخيفة ومرعبة عن الأرض والسيادة والحدود والمياه والأمن. وأخطر ما في عملية سلام هؤلاء مع الصهاينة هو تهيئة مناخ استسلامي عربي ملائم لكل اللاهثين وراء قطار التسوية وطمعا برضا العم سام و قاعدته المتقدمة في فلسطين المحتلة. أما قطار السلام أو قطار التسوية الذي ركبوه ليجرّ معه قطار التطبيع الذي وصل الى شمال إفريقيا وطريق الحرير في عُمان، ولم يكتف بذلك فها هو يُعد العدة لتجهيز الردة في بلاد العرب والمسلمين، مستغلا عملية السلام المزعومة رغم استمرار احتلاله لفلسطين واحتلال أسياده للعراق ومحاصرتهم لسوريا وإيران، بعدما استسلمت للقهر ليبيا بإرادتها.

وبمناسبة ذكر ليبيا ذكرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية أن وفدا ليبيا حضر مؤتمرا ليهود ليبيا عقد في العاصمة البريطانية، واجتمع الوفد مع نائب رئيس الكنيست الصهيوني موشى كحلون، حيث قال الأخير بأنه تلقى دعوة منهم لزيارة ليبيا. وكحلون هذا يهودي من أصل ليبي وعضو في حزب الليكود بقيادة شارون وهو من المتطرفين في أفكارهم ومواقفهم من الفلسطينيين والعرب. وسوف تكون زيارته لليبيا للحصول على تعويضات من الليبيين عن أملاك اليهود التي خلفوها وراءهم عند رحيلهم عن ليبيا.

بالأمس استسلمت الدول العربية العشر للسلام المزعوم ولكيان الشر. واليوم نشاهدها وهي تزحف وتحاول جرّ البقية معها نحو الكيان المسخ. وبدلا من أن تفي تلك الدول بالتزاماتها و تقوم بواجباتها اتجاه فلسطين، عبر إرسال مساعداتها للانتفاضة وشعبها ومقاومتها. نراها تقدم الأمثلة البائسة على ثقافة سلام غريبة عجيبة. كما نرى آخر العربان في نهاية النفق المظلم يحملون عروشهم في قطار السلام والتطبيع حفاظا على حياتهم وابتعادا عن نعوش عروشهم، تلك التي تثير فيهم الرعب والهلع. لكنا نطمئنهم إلى أن عزرائيل بمساعدة المقاومة العربية سيكون دائما أقوى وأسرع منهم ومن قادة (إسرائيل).

نضـال حمد ـ أوسلو

09-12-2004