25 أيار عيد الانتصار

 نضال حمد

هذا اليوم عزيز على قلبي شخصيا لأنه قبل كل شيء اليوم الذي أبصرت فيه النور، وقدمت الى الحياة كزائر مثلي مثل غيري من زوار هذه الحياة… بجوار مدينة صيدا عاصمة الجنوب اللبناني  أي في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، ولدت يوم 25 أيار سنة 1963. وفي نفس هذا التاريخ لكن في سنة 2000 استطاع الشعب اللبناني الشقيق عبر مقاومته الوطنية والإسلامية، المسنودة من فصائل المقاومة الفلسطينية وسوريا، والشعوب العربية وايران الاسلامية، طرد الاحتلال (الإسرائيلي) من جنوب لبنان، وتحريره بعد سنوات من العذاب والاحتلال والإذلال. فهنيئا لشعب لبنان ولأمة العرب ولفلسطين هذا الإنجاز الكبير والهام … وهنيئا لأهالي الشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين والمخطوفين هذا اليوم العظيم، يوم تحرير الجنوب من قبضة الإرهاب الصهيوني. هنيئا لسناء محيدلي،لرولا عبود، لبلال فحص، للقبرصلي، لمصطفى سعد، لمحمد علي، للشيخ عباس الموسوي، ولكل شهداء لبنان المقاومة، ولشهداء فلسطين النضال المستمر، ولشهداء الأمة العربية، الذين قاتلوا على أرض الجنوب اللبناني من أجل عزة العرب ونصرهم.

لم يكن انتصار المقاومة في لبنان يعود لعامل الصدفة كما أراد بعض الناس تصويره، لكنه كان بفعل المقاومة الرائعة والمميزة لجماهير لبنان وجنوبه بالذات. وكان نتيجة الايمان المطلق بحتمية دحر الاحتلال، وطرده من أرض الجنوب بالقنابل والنضال.

في الخامس والعشرين من أيار – مايو سنة 2000 أعلن لبنان أن هذا اليوم أصبح عيدا وطنيا لبنانيا يُحتفل به كل عام. لأنه يوم رحيل الاحتلال مطأطأ الرأس، مكسور الجناح، ذليلا، محطما، مكسور البنيان، عديم الهيبة والشأن، مطرودا مندحرا منكسرا ومهانا خرج من جنوبي لبنان.

إنه يوم زوال الاحتلال من معظم أراضي لبنان بقوة الضربات وبوهج المقاومة التي كانت راس حربة النضال ضده. زال الاحتلال لكن بقيت مزارع شبعا محتلة، ومادام هناك جزءا محتلا من أرض الجنوب، فأن المقاومة ستبقى قائمة حتى يستعاد ذاك الجزء ويزول عنه الاحتلال، كما زال عن الجنوب بفعل الضربات والمقاومة الضارية التي أدت الى اعلان الانتصار في الخامس والعشرين من شهر أيار عام 2000.

لم يأتِ انتصار الشعب اللبناني من فراغ ولا نتيجة ضغط دولي على الكيان الصهيوني أجبره على الانسحاب. لا أبداً فهناك قرارات عدة تطالب المحتلين الصهاينة بالانسحاب من جنوب لبنان وأهمها القرار 425، لكن (إسرائيل) لم تلتزم به ولم تقبل بالانسحاب وواصلت سياستها الدموية في لبنان. فكانت الحصيلة مذابح ومجازر وويلات وتدمير متعمد للبنية التحتية اللبنانية، واستهداف للمدنيين بشكل مباشر وعن قصد وسابق إصرار.

كانت القوات الصهيونية الغازية التي احتلت جنوب لبنان على دفعات متتالية، تقوم خلال سنوات الاحتلال بسرقة ونهب المياه اللبنانية الجوفية وغير الجوفية منها، فقامت بتحويل مجرى المياه من نهري الوزاني والحاصباني باتجاه فلسطين المحتلة سنة 1948. ومارست سياسة السطو والسلب والنهب والجرائم التي يمنعها القانون الدولي بدون خوف ورهبة من أحد… وأصبح الاحتلال (الإسرائيلي) للجنوب اللبناني بمثابة خنجر في خاصرة الوطن اللبناني الصغير وفي قلب الوطن العربي الكبير. وحافظت (إسرائيل) على احتلالها لتلك الأراضي عبر سياسة الحديد والنار والمذابح والمجازر والتنكيل بالبشر والشجر والحجر وبمنع الخبر. فكانت تدير مؤخرتها للعالم الحر والمتمدن والمتحضر ولا تبالي بأي نداء يطالبها بالرحيل عن جنوب لبنان، والانسحاب من هناك والعودة من حيث أتت. لكن وبعدما اشتدت المقاومة وقوي عودها وأصبحت ضرباتها موجعة ومؤلمة، وألحقت أضرارا بالغة بالقوات المحتلة… وبعدما سببت خسائر فادحة لا تحتمل بالنسبة للاحتلال الصهيوني، ومنها بالذات البشرية الجسيمة، حيث تساقط الجنود تباعاً في جنوب لبنان، سببت تلك الخسائر شرخا غير مسبوق في المجتمع الصهيوني. وأفرزت منظمات وجمعيات وتكتلات معارضة للبقاء في جنوب لبنان. بعد ذلك اضطرت قيادة الاحتلال الهمجي إلى اتخاذ قرار الانسحاب من الجنوب اللبناني. ولكنها كانت تنسحب فارة وهاربة تحت زخات الرصاص والصواريخ وعلى وقع الانفجارات، وفي ظل وابل من عمليات المقاومين، واقتحام المواقع والدشم والحصون التي انهارت تباعاً وأنهار معها جيش العملاء من جماعة المجرم أنطوان لحد، وهرب أفراده وعائلاتهم مع القوات الصهيونية الهاربة بدورها من جحيم المقاومة.

ان انتصار الشعب اللبناني ومقاومته المجيدة على الاحتلال الصهيوني البغيض بعد سنوات طويلة من النضال الوطني والكفاح الشعبي المسلح، يجعل أبواب الأمل بالانتصار عليه في فلسطين المحتلة مشرعة على مصراعيها.

 نقول هذا لأن الانتفاضة الفلسطينية المدعومة والمسنودة بقوافل المقاومين والمقاومات من جيل الاستشهاد لأجل الحياة في زمن الموت العربي الجماعي، موت الأنظمة والحكومات والممالك والإمارات والمشايخ والجمهوريات، هذه القوافل التي تحلم بالشهادة لأجل حرية فلسطين أرضا وشعبا، لا يمكن وقفها حتى ولو جاءت أمريكا بأطالس للطرق وليس بخريطة طريق كل دروبها وشوارعها مليئة بالشارات الأمريكية والإسرائيلية، التي يغلب عليها الضوء الأحمر. هذا اللون الذي يمنع الفلسطينيين من الحياة بشكل طبيعي، بينما معظم الشارات في الرصيف الصهيوني من تلك الخريطة طريقها خضراء وتسمح للطرف الإسرائيلي بالسير في الطريق تلك دون عوائق، لأنها ببساطة أعطت كل شيء لللصاينة، الذين سيجدون طرقهم سالكة وآمنة طوال الوقت. حيث سيقوم بحراسة تلك الطرق عناصر من الأمن الفلسطيني العتيد، الذي يعاد بناؤه من جديد بوجوه قديمة كان الأجدر بالسلطة الفلسطينية محاسبتها وطردها بعدما بانت على حقيقتها في حملة السور الواقي.

 إن كان هناك ما نستفيد منه في يوم الانتصار اللبناني على الاحتلال، فالاستفادة الأهم تكون بمواصلة طريق الانتفاضة والمقاومة، التي لو استثمرتها وطنياً القيادة الفلسطينية فلن تتعارض مع عملية المفاوضات. فتجارب الشعوب في حروبها ضد الاحتلال والاستعمار أثبتت أن السياسة التي لا تتمتع بمقاومة تحميها وتدعم مفاوضاتها سوف لن تأتي سوى بالويلات لأصحابها. وهذا ما أثبته التجربة الفلسطينية السابقة من مفاوضات أوسلو السرية حتى سقوط الاتفاقيات السلمية وإعادة احتلال (إسرائيل) للمناطق الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية.

 

 

 

25 أيار عيد الانتصار

25-05-2003

بقلم : نضال حمد

Bilderesultat for ‫25 ايار يوم الانتصار في لبنان‬‎