الأرشيفبساط الريح

الوضع الدولي ومؤتمر ميونيخ- منير شفيق

مؤتمر ميونيخ للأمن ينعقد سنويا، في الشهر الثاني من كل عام، ويجمع عشرات الدول بحضور رؤسائها، أو رؤساء وزاراتها، أو وزراء الخارجية ووزراء الدفاع. وتكمن أهميته من حيث التقاء الدول الكبرى، ومن ثم تعبير كل منها عن استراتيجيتها، أو رؤيتها للأوضاع الدولية، والمسائل المتعلقة بالأمن والتسلح والصراعات والتهديدات والمخاطر التي تواجهها، أو تواجه العالم، فضلا عن الخلافات التجارية، والتغيّر المناخي، والأمن السيبراني والتنافس التكنولوجي، وقضايا إقليمية.

 

لذلك شكلت مؤتمرات ميونيخ للأمن مناسبة لتحديد سمات الوضع الدولي وموازين قواه ومراكز صراعاته، واتجاهها في الأشهر والأعوام القادمة. فمن يهتم بقراءة الوضع الدولي، وما طرأ عليه من جديد، يجب أن يتابع مؤتمر ميونيخ، ويقرأ جيدا المواقف التي عبر عنها رؤساء الوفود، ولا سيما ممثلو الدول الكبرى، وأساسا أمريكا وأوروبا (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، وروسيا والصين واليابان والهند وإيران وتركيا.

 

فقد كشف مؤتمر ميونيخ لهذا العام (14-16 شباط/ فبراير)، مجموعة من الحقائق حول الوضع الدولي، والتي تستحق التوقف عندها، وإبرازها في محاولة للاقتراب، أكثر ما يمكن، من قراءة صحيحة ودقيقة للوضع العالمي وميزان قواه واتجاهات تطوره.

 

طبعا يجب ألاّ يُكتفى بالخطابات التي عبر عنها رؤساء الوفود، للوصول إلى تلك القراءة الصحيحة والدقيقة، لأن هنالك قضايا ووقائع أخرى يجب أن تُحتسب لتأكيد أو تصحيح أو حتى التقليل من أهمية، أو جدية، بعض الخطابات. وذلك مثل متابعة سياسات كل دولة طوال العام المنصرم، والعام الذي قبله، وقبله أيضا، والأهم بالنسبة إلى الدول الكبرى الثلاث (أمريكا وروسيا والصين) أن يرُاقب ما جرى من سباق تسلح، وما أسفر إليه، وما وُضِع من برامج للعام القادم، مثلا مطالبة دونالد ترامب زيادة ميزانية الدفاع، بالرغم من ضخامتها والتي زادت بشكل ملحوظ عما كانت عليه في مرحلة الحرب الباردة.

 

لعل أول ما يلفت الانتباه في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، ما عبر عنه الرئيسان الألماني فرانك فالتر شتاينماير والفرنسي إيمانويل ماكرون؛ من نقد علني للسياسة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، وذلك باعتبارها متراجعة في المسرح المتعدد الأطراف، في وقت تتفاقم فيه التوترات بين قوى عسكرية كبرى، وقد انتقدا “تراجع النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية”. وبرز اتجاه عام في المؤتمر يشير إلى “زيادة نفوذ روسيا والصين وانحسار دور الغرب”.

 

لنضع جانبا الأسباب التي تقف وراء الخلافات الأوروبية مع أمريكا، ولنركز على ما جاء من نقد ألماني وفرنسي لأمريكا بسبب تراجع في نفوذها العالمي، وعن انحسار لدور الغرب عموما. وذلك من أجل الانتهاء من النقاش مع عدد من الذين يصرون على أن أمريكا والغرب ما زالا اللاعب الأول أو صاحبيْ النفوذ في العالم، ويرفضان التحليل الذي يؤكد أن أمريكا والغرب عموما قد تراجع نفوذهما، ولم يعودا كما كان حالهما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، أو حتى زمن الحرب الباردة. فالعالم اليوم دخل في مرحلة تعدد القطبية، وتعاظم نفوذ كل من روسيا والصين، وعدد من الدول الإقليمية مثل الهند وإيران وتركيا وجنوب أفريقيا. ففي مؤتمر ميونيخ ثمة عدة شهادات، إن لم تكن غالبية الشهادات، تؤكد على هذا التحليل.

 

عندما حاول وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن يرد على الرئيسين الألماني والفرنسي، تحدث عن محور غربي ما زال “متفقا استراتيجيا” مع اختلافات تكتيكية. وراح يؤكد أن محور الغرب سينتصر ويتغلب على سعي روسيا والصين لإقامة “إمبراطوريات” وزعزعة النظام العالمي. ولكنه لم يرد على حجة واحدة قدمتها أوروبا ضد سياسات ترامب، ولا على ما ورد من تراجع للنفوذ الأمريكي ولدور الغرب في السياسات الدولية.

 

المسألة الثانية التي يمكن التوقف عندها هي ما ورد في خطاب وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، حين قال: “إن الولايات المتحدة تعتبر أن التحدي الأمني انتقل من روسيا إلى الصين”.

 

هذه الانتقالة في التركيز على الصين واعتبارها العدو رقم واحد لأمريكا تشكل تغيّرا استراتيجيا في الموقف الأمريكي، إذا ما تثبّت في قابل الأيام. وأصبح هذا التفريق بين روسيا والصين جزءا من السياسات الأمريكية، لأنه في هذه الحالة سيقود إلى محاولة المساومة مع روسيا، لفك ما قام حتى الآن من تحالف استراتيجي روسي- صيني، فيما كانت السياسة الأمريكية تغذيه بمساواتها بين الاثنين من حيث العداء، وأحيانا كان التركيز على روسيا أكثر.

 

صحيح أن باراك أوباما حاول لمرحلة قصيرة في استراتيجيته أن يعتبر الصين الخطر الأول على أمريكا، ولكن هذا التوجه لم يترسخ وعاد بالسياسات الأمريكية للتخبط.

 

على أن اللافت في هذا الصدد موقف ماكرون الذي اعتبر السياسات الروسية عدوانية وهاجمها بشدة، ولكنه خلص إلى القول بأن سياسات تحدي أوروبا لروسيا في السنوات القليلة الماضية باءت بالفشل، أما البديل “فالحوار وحل الخلافات”، مما قد يصب موضوعيا بالابتعاد عن أمريكا من جهة، ومحاولة عزل الصين من جهة ثانية.

 

البعد الثالث الذي يمكن أن يُلاحَظ حول السياسات الدولية، هو ما ظهر أيضا من انفراد كل دولة بسياساتها: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وروسيا والصين، وليس أمريكا وحدها كما تتهمها كل من ألمانيا وفرنسا. إن كل دولة تنفرد بسياسة خاصة بها بعيدا عما كان يعرف من تحالفات وأحلاف ومحاور. فمن سمات العالم، تعدد القطبية وتعدد السياسات والمواقف والتناقضات، مما يكاد يشبه “الحمام المقطوعة ميته (ماؤه)”.

 

إن انفراد كل دولة كبرى أو إقليمية كبرى بسياساتها استتبع اتباع سياسات متناقضة في اللحظة الواحدة، مثلا علاقة كل من روسيا والصين بالكيان الصهيوني، وفي الوقت نفسه علاقات كل منهما بإيران التي في حالة حرب مع الكيان الصهيوني. وإذا اعتبرنا الكيان الصهيوني في حالة تماه مع أمريكا، فأمريكا ترامب تعتبر الصين العدو رقم 1. هنا أيضا ثمة تناقض شديد.

 

في المؤتمرات العشرة السابقة (بدون حصر) كانت المواجهة مع روسيا هي الأبرز، لا سيما من جانب أمريكا وأوروبا، وكان دور فلاديمير بوتين هو الأبرز في الرد والمواجهة. ولكن في هذا العام يلحظ عدم حضوره من جهة، وحتى عدم بروز دور خاص لوزير الخارجية سيرغي لافروف والوفد الروسي، من جهة أخرى، كما كان الحال في المؤتمرات السابقة. وقد علقت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا بأن المشاركين في مؤتمر ميونيخ للأمن “أصغوا لدعوة التخلي عن مناهضة روسيا وتحولوا ضد الصين التي اعتبروها تهديدا للبشرية جمعاء، وسياساتها تشكل تحديا للقرن الحادي والعشرين”.

 

وفي المقابل، يمكن اعتبار وانغ يي، وزير خارجية الصين وعضو مجلس الدولة، كان مركز الثقل المقابل في المؤتمر. وجاءت خطبته بمثابة وضع مبادئ للعلاقات الدولية، في مرحلة عالم متعدد القطبية، فيما كان يشرح مبادئ السياسة الخارجية الصينية، وذلك إلى جانب رده على الاتهامات الأمريكية للصين واعتبارها كاذبة. وقد فسّر السبب الخفي وراء تلك الاتهامات بـ”رفض أمريكا للتنمية السريعة في الصين” وانزعاجها من “تجديد شباب الأمة الصينية كونها دولة اشتراكية بخصائص صينية”.

 

أما المبادئ فهي (1) التمسك بالتعددية الدولية التي تتعارض مع منح دولة واحدة (أمريكا) الأولوية والامتيازات على الدول الأخرى التي لها الحق نفسه في التنمية، كما أن التعددية يجب ألاّ تقتصر على ازدهار الغرب وحده، بل العالم كله. (2) طالب دول الغرب بأن تمارس ما تعظ به مما يتطلب الحفاظ على الانفتاح، وبألاّ تحاول الدول تعطيل بعضها بعضا. (3) التمسك بالأعراف الدولية كأساس للتعددية: القانون الدولي، مقاصد ميثاق هيئة الأمم المتحدة، الابتعاد عن التصرفات الانفرادية، وإعطاء طابع ديمقراطي للعلاقات الدولية.

 

تحاول الصين هنا من خلال هذه المبادئ إرساء نظام التعددية القطبية التي أخذت تسود في الحياة الدولية، ولكن من دون نظام يضبطها ويحدد ملامحها، فهي تعاني من الفوضى ولا سيما محاولة أمريكا رفضها وذلك لترسيخ الأحادية.

 

لقد أغلق مؤتمر ميونيخ للأمن أبوابه على اشتداد مواجهة أمريكا ضد الصين، ومحاولة جر أوروبا لاتخاذ موقفها نفسه، وذلك إزاء العلاقة بشركة هواوي التي أصبح الموقف من برنامجها للجيل الخامس نقطة تجاذب شديدة بين أمريكا والصين. فبومبيو اعتبرها أداة للتجسس الصيني على الغرب، فيما امتدح وزير خارجية الصين مواقف ألمانيا وبريطانيا واعتبرها “هادئة، وموضوعية، وعلمية”.

 

بكلمة، إلى جانب عالم متعدد القطبية ثمة حرب باردة بين أمريكا والصين، وثمة انطلاق سباق تسلح خطير بين أمريكا وروسيا، وثمة إرادة فرنسية وألمانية مترددة لاعتماد أوروبا على ذاتها، والتحوّل إلى قوة سياسية استراتيجية