“إخطيّة” اللغة العربيّة في فلسطين – حنين نعامنة*

 

نشرت جريدة “الدفاع” الفلسطينية في عددها الصادر يوم 12 كانون الثاني/ يناير 1945 خبراً جانبياً صغيراً حمل عنوان “رفض برقية باللغة العربية”، ورد فيه أن شيخاً يدعى عيسى أبو الجبين أرسل كتاباً إلى المندوب السامي البريطاني، شاكياً دائرة البريد في يافا التي رفضت أن تقبل منه برقية باللغة العربية مرسلة إلى شخص في فلسطين، قائلاً بعدم توجب تعلم العرب العبرية بل يقضي الواجب على الموظف اتقان العربية، خاتماً رسالته بأنه يعتبر هذه المعاملة “امتهانا لكرامة العرب ولغتهم”.

مضى تمامُ سبعين عاماً على رسالة أبو الجبين والمطالبات حيال اللغة على حالها في فلسطين، إذ يندر أن نجد أياً من مؤسسات المجتمع المدني، فلسطينية كانت أم اسرائيلية، لا تُدرج اللغة ضمن أجندات أعمالها، مطالبة بتوفير الخدمات الحكومية باللغة العربية. تترافق المطالبات القانونية أحياناً بحملات جماهيرية مثل حملة “خلوا الباص يحكي عربي”، الداعية لوضع اللغة العربية في الحافلات التابعة لشركات المواصلات الإسرائيلية (هناك شركات مواصلات لرجال أعمال فلسطينيين ولكنها تابعة بطبيعة الحال للاقتصاد الإسرائيلي). وما هذا إلا غيض من فيض.

أوجه الشبه في التناكف حول اللغة ما بين الحقبتين الاستعماريتين ليست غريبة، واللغة من أمتن ركائز الثقافة، وبالتالي فتأثرها البالغ بالخراب الثقافي للمجتمعات المستعمَرة هو تحصيل حاصل. لكن بين مفهوم كرامة اليوم وكرامة الأمس اللغوية، تمتد سيرورة كاملة تُبيّن مواضع الاختلاف الطارئة على تعريفنا وفهمنا لأنفسنا وللغتنا ولأصول الحق فيها: بين كرامة تضرب جذورها في أصول اللغة العربية وتاريخها الفكري والمعنوي، وكرامة تختزل اللغة كثيمة ليبرالية يُؤخذ ويُعطى بها مع الاستعمار وقضائه وفق معايير تجوّف اللغة من عمقها التاريخي السياسي. ما مآل العربية منّا؟

السبورة بين استعمارين

في العام 1938، سنّ الاستعمار الفرنسي في الجزائر قانوناً اعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في البلاد وحظر تدريسها في المدارس والبيوت، وقامت شرطة الاستعمار بحملات تفتيش على البيوت للبحث عن سبورات من شأن وجودها الإشارة إلى خرق صاحبها الحظر بتعليم أطفاله العربية. ويشير المؤرخون الجزائريون لتلك الحقبة بأن نسبة الأميين بين العمر 5 إلى 18 عاماً وصلت إلى 92.2 في المئة!

أما في فلسطين، فقد أخذ التسلّط على اللغة منحى آخر، إذ تبنت اسرائيل عقب احتلال العام 1948 القانون الانتدابي البريطاني الذي فرض العبرية إلى جانب العربية والانجليزية لغة رسمية في فلسطين، وذلك بموجب صكّ الانتداب في العام 1922 الذي ثبّت ادعاء الصهيونية القائل بفلسطين “الوطن القومي لليهود”، وعن التزام بريطانيا بتهيئة التربة لذلك. جاء تبني القانون متوازياً مع الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل لمدة عقدين من الزمان (1948 – 1966) على الفلسطينيين الذين باتوا الآن “مواطنيها”. كما قامت بالفصل ما بين النظامين التعليميين للفلسطينيين والإسرائيليين في المدارس لغاية المرحلة الثانوية، مبقية العربية لغة التدريس والعبرية مادة تُدرّس فيها، متحكمة بالوقت ذاته بالمضامين التدريسية.

لم يأتِ هذا الفصل حرصاً على اللغة العربية، بل لأسباب سياسية واقتصادية. فقد أرادت به تطويع الفلسطينيين و “كسر شوكتهم” بعزلهم عن المحيط الجديد الذي احتل حياتهم، بكل ما يعنيه من اقتصاد وثقافة وسياسة. عمل هذا الفصل الجاري حتى يومنا هذا لمصلحة الفلسطينيين، إذ يشير مختصو اللغة إلى منعه اختفاء العربية من فلسطين. فقد قامت هنا ثقافة الدمج اللغوي، أي الخلط ما بين العربية والعبرية. أما اللغة الفصحى فقد “فقدت كنوزها” بحسب المفكر محمد أركون، أسوة بحالها في العالم العربي برمّته.

اقتصاد اللغة

اللغة العبرية هي اللغة الأساسية في الدراسة الجامعية، وتحسينها والاستزادة في مفرداتها مركباً أساسياً للنجاح. ويعد انخراط الفلسطيني في سوق العمل الإسرائيلية على أثر فقدانه لكل وسائل ومصادر الإنتاج وأهمها الأرض، داعياً رئيسياً لاستجلاب اللغة العبرية وخلطها بالعربية في حياته على الرغم من معيشة الغالبية في قرى فلسطينية لا يقطنها إسرائيليون.

وتعكس القدس اليوم صورة تقريبية لسيرورة تبّني العبرية قسراً بفعل الاقتصاد، مع الاقبال الهائل على تعلُمها مذ سُدّت الطرق على اندماج المقدسي في الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية في العقد الأخير تحديداً، مع بناء الجدار. تناسلت مراكز تعليم العبرية في القدس العربية وبات مشهد الصبايا والشباب المقدسيين الحاملين لكتب تدريس العبرية في شوارع المدينة مألوفاً، إذ يخصص هؤلاء وذووهم المال والوقت لهذه الغاية، أحياناً من أجل العمل فحسب في دكان لبيع الملابس في القدس الغربية.

لقد كثّف التزايد النوعي للمتعلمين الفلسطينيين في الأكاديميا الإسرائيلية في السبعينيات، عقب رفع الحكم العسكري، من حضور العبرية بين الفلسطينيين لينسحب على الأجيال اللاحقة التي انخرطت في سيرورة التحديث الإسرائيلية، باعتبارها الوحيدة المتاحة في ظل غياب المدينة الفلسطينية ومقوماتها كمركز ثقافي موحد يضمّ الجامعة والمكتبة الوطنية والمسرح القومي والمجتمع المدني. كان لذلك أثر مدمِّر على العربية التي دُفعت إلى الهامش في عملية التحديث، لعدم مواكبتها هذه السيرورة، فيما أمعن زجّها في الخطاب الليبرالي الحقوقي بتهميشها عبر فرضها في الحيز العام الإسرائيلي كشكل معدوم الفحوى السياسية والتاريخية.

اللغة الليبرالية

“اختلط” على إميل حبيبي مؤلف رواية “إخطية” الصادرة عام 1985، معنى اسم أحد شوارع مدينة حيفا المكتوب بالعربية على اللافتة الدالة إليه بـ “شارع خطيبات جولاني” (أي كتيبة جولاني التابعة للجيش الإسرائيلي)، فكتب: “وكنت قبل إلمامي بهذه العلوم العسكرية، اعتقد أن جولاني هذا هو دون جوان عبري له عشيقات يسمون، احتشاماً، “خطيبات”! هذا الالتباس الذي صاغه حبيبي بطرافة ما، هو كوميديا سوداء بليغة لفهم اللغة العربية الاستعمارية التي يُطبَّع معها الفلسطيني يومياً بحكم حلولها في الحيز العام بدون ضوابط سياسية أو لغوية. هكذا، وعلى مدى السنوات، حضرت العربية لتدل إلى الجغرافيا الإسرائيلية في الحيز العام، وإلى التاريخ الصهيوني في الصفوف التدريسية، وإلى قواعد واصطلاحات اللغة العبرية بأبجدية عربية درج استعمالها بين مؤسسات المجتمع المدني والصحافة الفلسطينية.

غلب منطق “الشكل دون المضمون” على واقع اللغة العربية في فلسطين على غرار العديد من الممارسات الثقافية والتربوية الخاضعة للسياسة الإسرائيلية بطبيعة الحال. بيد أن هيمنة الخطاب الحقوقي الليبرالي الفلسطيني منذ أواسط التسعينيات، وتحديداً بعد أوسلو (باعتبار أن الاتفاقيات قد أقصت فلسطينيي 48 من الخطاب السياسي الفلسطيني)، قد ساهمت في تثبيت هذا المنطق بحيث أن التأثير في المجال العام الإسرائيلي لا يمكن أن يكون سابقاً أو خارجاً عن الخارطة الإسرائيلية بل يعني بالضرورة قبول مسلماتها الأولية. هكذا يصبح هذا التأثير بحدّ ذاته تأثراً تخطّ حدوده المواطَنة الإسرائيلية الاستعمارية ضمن خانة “الأقلية العربية في إسرائيل”.

ويقدم قرار المحكمة العليا الإسرائيلية في أواخر التسعينيات حول قبوله طلب مؤسستين حقوقيتين، واحدة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، إضافة اللغة العربية إلى لافتات الشوارع في ما يُدعى “المدن المختلطة”، أي المدن الفلسطينية المستعمَرة التي ما يزال يسكنها عدد من الفلسطينيين، مثل يافا واللد والرملة، مثالاً على محدودية الخطاب الليبرالي الخاضع للمسلمات الصهيونية. قبلت محكمة العدل العليا الإسرائيلية الطلب بتبرير “مساواة حق أفراد المجتمع كافة باستعمال لغتهم، دون المسّ بمقام اللغة العبرية بكونها اللغة المركزية في الدولة اليهودية ودورها كلغة مشتركة لجميع الاسرائيليين”.

عززت المحكمة الإسرائيلية بقرارها هذا مكانتها في حلبة القضاء الغربية الليبرالية كراعية للأقليات وداعمة للتعددية الثقافية، ودُرّس القرار في الجامعات الإسرائيلية باعتباره تأسيسياً وثورياً. أما النخبة الفلسطينية فتبنته حجرَ زاوية في عهد “الحقوق الجماعية للأقلية العربية في إسرائيل”، طامحة للانضمام إلى صفوف حركات حقوق الأقليات في العالم أسوة بالأفارقة في أميركا وغيرهم. ليست وحدها المسوغات النازعة لصبغة العربية السياسية ما يبرر نقدنا لليبرالية الفلسطينية هنا، بل هو أيضاً الغياب التام لأي نقاش حول مضمون اللغة في هذا السجال القانوني وفي الخطاب المتصاعد منذئذ حيال تعريفنا كفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.

العدالة والخراب

كيف لكتابة اسم هرتسل أو غولدا مئير أو الهاجناه (وكلها أعلام صهيونية بارزة) بالعربية على لافتات الشوارع، أو الإشارة بعربية “مكسّرة” في الباصات وعلى لافتات الشوارع إلى المستوطنات القائمة على أنقاض القرى الفلسطينية المهجرة، دون الإشارة إلى الأخيرة بالطبع.. أن تعيد الاعتبار للغة حملت معنا التاريخ والجغرافيا الفلسطينية قبل النكبة؟ ألا تعدّ الترجمة العربية عن العبرية بحرفية واهية في المستندات الحكومية والصحافة العربية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تشويهاً صارخاً للغة؟ ألا ينخر الحديث بالعربية والتبجح بشعر المتنبي من على منبر الكنيست والفضائيات الإسرائيلية في الرابط الوثيق ما بين اللغة والتحرر؟
يذهب العديد من نقّاد الليبرالية الحقوقية إلى القول بأنه في حال لا يضمن تحقيق العدالة ومنح الحق رقيّاً أخلاقياً أو سياسياً، لا تعود العدالة حينها فضيلة بل على العكس تماماً، تصير معوقاً للمصلحة المرجوة منها. من هنا فإن ما يبدو فعلاً سياسياً يحرص على ابقاء العربية لغة حيّة بيننا، قد ساهم في دفع اللغة الأم نحو المزيد من الخراب إذ باتت ذات مضمون استعماري خالص نطبّع معه في مستهل حياتنا اليومية. كما أسس هذا الزجّ المستمر والمتراكم برموز فلسطينية ثقافية وسياسية في السجالات القضائية الإسرائيلية لثقافة صنمية (fetish) الحقوق لدى النخبة الفلسطينية، وكأننا أطراف سواسية في مجتمع لا يعيبه سوى انعدام مساواة يحلها قضاء محايد وعادل، ما حدا بأن تحلّ نزعة “الحقوق الجماعية” مكان المسؤولية الجماعية.

تتعالى مؤخراً أصوات ساسة يُحسَبون على التيار اليميني الإسرائيلي، تطالب بإسقاط العربية من قانون اللغات الرسمية. دونت الليبرالية الفلسطينية ذلك في مذكراتها للأمم المتحدة كخطر وجيز يهدد العربية وأهلها. بيد أن أحداً لم يذكر الخطر في كون اللغة العبرية تعلو لافتات محالنا التجارية داخل قرانا الفلسطينية، مع العلم أنه لا يوجد قانون يحتم ذلك، ولا خطر غياب سبورات تدريس اللغة العربية الحقّة من مدارسنا وصحفنا وجمعياتنا. “اللغة أخطر النِّعَم”.. فَلِمَ نفرّط بها وسط كل هذا الخراب؟

* محامية وكاتبة فلسطينية

اترك تعليقاً