الأستاذ والمدير والمفتش الراحل علي فرهود – أبو زياد – بقلم نضال حمد

الأستاذ والمدير والمفتش الراحل علي فرهود – أبو زياد – بقلم نضال حمد

في بلدة الصفصاف الجليلية على سفح جبل الجرمق بالقرب من بلدات الجش وميرون وقديثا وعين الزيتون، على تخوم مدينة صفد عروس أصبع الجليل، ولد الأستاذ والمربي علي فرهود – أبو زياد – لا أعرف للأسف في أي عام ولا في أي شهر أو يوم من السنة. هناك ترعرع ين حقول التبغ والزيتون وعلى بيادر القمح كما كل أطفال وفتية بلدتنا الصفصاف قبل النكبة.

كما أنه هناك في مدرسة الصفصاف تعلم فك الحرف وتتلمذ على أيدي معلمين إستطاعوا قبل النكبة بسنين تخريج عدداً لا بأس به من أبناء البلدة، الذين نهلوا العلم في مدرسة الصفصاف وفي مدارس فلسطين المحتلة، فأصبح بعضهم معلمون علموا في مدارس فلسطين قبل النكبة وفي مدارس الشتات والمخيمات بعد سنة النكبة 1948.

يوم سقطت البلدة بأيدي العصابات الصهيونية الغازية بعد معارك مشرفة، ارتكب الصهاينة مجزرة بشعة بحق سكانها المدنيين الآمنين. فأثر ذلك على معنويات السكان مما اضطرهم للفرار باتجاه لبنان خاصة أن الصفصاف كانت من أواخر البلدات التي سقطت في الجليل الأعلى بعد صمود ومواجهات لفترة طويلة.

غادرت عائلته البلدة كما كل أهل الصفصاف سيراً على الأقدام عبر الجبال والوديان والطرق الوعرة حيث العدو وحيث الضباع. بداية مكثت غالبية عائلات الصفصاف في العراء في بلدات قضاء بنت جبيل على الحدود مع فلسطين المحتلة. ثم توجهوا نحو قانا وجويا وبرج الشمالي والرشيدية وصور وصيدا وبيروت وطرابلس وبعلبك. في وقت لاحق استقرت عائلة علي فرهود كما غالبية عائلات الصفصاف في مخيم عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

ينتمي الأستاذ علي فرهود الى جيل صفصافي وفلسطيني عاش النكبة ومرارة اللجوء والتشرد والتشتت بعيداً عن البلد والقرية والبيت، فكان خروجهم من الصفصاف في 28 و 29-10- 1948 للأسف خروجاً بلا عودة لغاية اليوم. فمعظم ذلك الجيل توفي وفارق الحياة في الشتات بعيداً عن فلسطين أو في البلدان المجاورة لها.

المدير والمربي أبو زياد – علي فرهود الذي ولد في الصفصاف قبل النكبة وتوفي في 15-9-2013 في المنفى، فقد آمن بالعلم سلاحا لمواجهة المحتل الصهيوني الاستعماري، وسبيلا لنصرة قضية شعبه العادلة. فكان كما غالبية أبناء جيله من المثقفين والمتعلمين والأكادميين والجامعيين والأساتذة والمعلمين، يعمل ليؤمن قوت يومه هو وعائلته ويتلقى تعليمه في الوقت ذاته. تمكن من إنهاء المدرسة الثانوية ثم حاز على درجة الليسانس في اللغة العربية من جامعة بيروت العربية ليتبعها بدرجة الماجستير في اللغة الإنجليزية من جامعة دمشق.

بدأ ممارسة حياته الأكاديمية كأستاذ في مدارس وكالة الأنروا- وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ثم تدرج في السلم الوظيفي حيث أصبح لاحقا مديرا لمدرسة حطين في عين الحلوة، وهي المدرسة التي خرجت أجيالا من الشباب الفلسطيني المثقف والمتعلم والواعي والمنتمي لفلسطين وثورتها وقضيتها المقدسة. في مدرسة حطين – في ذلك الوقت كانت لازالت في مكانها القديم بحي الجميزة وعرب غوير وحطين – وقبل أن تنتقل الى منطقة أخرى مقابل طلعة جبل الحليب وبالقرب من مقر الإعاشة في المخيم حتى الغزو الصهيوني للبنان واحتلال المخيم سنة 1982.  هناك في مدرسة حطين ذاع صيته بين أبناء المخيم وتتلمذت على يديه أجيالا عديدة من الطلبة الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة. من مدرسة حطين بدأ المشوار وأنهاه مع الانروا كموجه ومفتش تربوي في مدارس مخيمات صور. حيث إضطرته الأحوال الأمنية السيئة في الجنوب اللبناني تلك الفترة وبالذات في أعقاب عملية الشهيدة دلال المغربي في يافا، والتي استشهد فيها أحد تلامذته في مدرسة حطين، الشهيد محمد الشرعان ابن مخيم عين الحلوة. وفي أعقاب الاجتياح الصهيوني للجنوب اللبناني رداً على العملية المذكورة، فيما عرف بعملية الليطاني في مارس – آذار عام 1978، إضطر للتفكير في السفر خارج لبنان للعمل. بالفعل فبعد شهور عديدة من الاجتياح انتقل في عام ١٩٧٩ للعمل في دولة قطر، في الهيئة القطرية للبترول التي تحولت فيما بعد لشركة قطر للبترول.هناك أنهى حياته المهنية كرئيس لقسم تدريب اللغة الانجليزية في الشركة عام ٢٠٠٠.

انتقل الى رحمة الله يوم ١٥ أيلول ٢٠١٣ تاركا وراءه سيرة عطرة وذكريات لازالت ماثلة في ذاكرة طلابه وتلامذته في المخيمات الفلسطينية في لبنان وبالذات في مخيم عين الحلوة ومدرسة حطين. فقد كان مثالاً للمربي المكافح والخلوق والطموح، مثالاً يحتذى به لما تمتع به من صفات جعلته محبوبا ممن عرفه وتعامل معه. له الرحمة وعلينا الوفاء.

 

نضال حمد  في 10-09-2021