الأرشيفعربي وعالمي

العنصرية في قانون توزيع السكان (الإسرائيلي) – د.غازي حسين

تظهر عنصرية إسرائيل بجلاء في سياسة الانغلاق والتمييز العنصري والفصل العنصري الذي تمارسه بين المواطنين فيها بسبب انتمائهم القومي والديني، حيث توجد مدن بكاملها لا يسمح للعرب بالسكن فيها، منها: كرمئيل، الناصرة العليا، حتزور، أراد، متزبه، رامون، وحي رامات أشكول في مدينة القدس العربية، فقد أصدرت إسرائيل قانون توزيع السكان في أيار/ مايو 1975، الذي يحظر على غير اليهود الإقامة في بعض الأماكن والمدن، ويقضي بتشجيع انتقال اليهود إلى الجليل والنقب ، كما يسمح بنقل السكان من هذه المناطق، وذلك لتحقيق تهويد الجليل والنقب وتمزيق وحدة الأقلية العربية وتماسكها. كما أقامت إسرائيل مدينة (كرمئيل) في عام 1965 على بعد نحو خمسة عشر ميلاً من الشمال الشرقي لمدينة حيفا، على أرض انتزعت من أصحابها العرب، وتخص قرية دير الأسد العربية. فمدينة كرمئيل وقف على اليهود، محظور على العرب السكن أو فتح متجر فيها. ويضرب إسرائيل شاهاك أمثلة على ذلك، منها أن ضابط شرطة سابق غير يهودي مُنع من فتح مقلع للحجارة بجانب كرمئيل، كما مُنع محمد معروف، وهو رجل غني من دير الأسد، من فتح مصنع فيها.

وقد نشرت صحيفة هآرتس الصادرة في 18/2/1972 مقابلة أجرتها مع موشي بريشمور، أمين سر رابطة عمال كرمئيل، قال فيها: «لا نريد أن يقيم أو يعمل هنا سوى اليهود فقط».

ولكن مراسل الجريدة لفت نظره إلى وجود عمال عرب يعملون فيها، فقال: «هنا عمال عرب نعم، وإنما في مشاريع يهودية فقط وعملهم محصور بالأعمال اليدوية». وأضاف نائبه رحال يتروخ، فقال: «لو سمحنا لهم بالإقامة هنا لتقوضت الفكرة الأساسية من إنشاء كرمئيل، وهي تهويد الجليل، ومنع إقامة غير اليهود فيها».

حثت وتحث الأمم المتحدة باستمرار الدول الأعضاء فيها القضاء على أي تمييز عنصري في أي مجال من مجالات الحياة، لكن «إسرائيل» ترفض الاستجابة لذلك، بل تعمل باستمرار على النقاء العنصري للدولة الإسرائيلية، وممارسة العنصرية والإرهاب والاستعمار الاستيطاني كسياسة رسمية.

ينص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2647 بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 أن على الجمعية العامة أن «تحث الدول الأعضاء على أن تبذل أقصى ما في وسعها للقضاء على كل تمييز عنصري في ميادين التعليم والاستخدام والإسكان».

إن معظم الأراضي في إسرائيل ملك للعرب الفلسطينيين، وقد آلت ملكيتها إلى حكومة «إسرائيل» والمؤسسات فيها، بموجب قوانين غير شرعية وغير قانونية وعنصرية تنتهك مبادئ القانون الدولي. وسنت الحكومة الإسرائيلية القوانين والتنظيمات بحيث يحظر على العرب السكن والإقامة في أماكن وقرى معينة، اكد إسرائيل شاهاك هذه الحقيقة، فيقول: «إن معظم الأراضي في إسرائيل تخص الدولة، وقد سنّت لها القوانين والتنظيمات محرمةً على غير اليهود العيش في أماكن تحددها، وبناءً على ذلك يحظر عليهم بناء بيت فيها، أو استئجار شقة، أو فتح عمل يرتزقون منه، وبالتالي التواجد فيها، ومما يؤسف أن تلك الأراضي التي تطبق عليها هذه القوانين تخص الفلسطينيين، الذين يرد تصنيفهم «غير يهود» وقد انتزعت منهم، وهكذا يحرمون من حق المواطنة في دولة يهودية، زد على ذلك حرمانهم من حق التمتع بأراضيهم.

وتبذل إسرائيل جهدها في تشييد أحياء مغلقة على أراض عربية مصادرة يحظر على العرب السكن فيها. ويذكر شاهاك مدينة القدس العربية كنموذج على ذلك، فيقول: «فمنذ توحيدها عام 1967 انتزع الكثير من أملاكها، وأستطيع أن أقول إنه كله كان يملكه الفلسطينيون» (بنت الدولة الإسرائيلية على تلك الأملاك أحياء جديدة كاملة ولكن لمن؟ ومن له الحق في السكن فيها؟ لقد حصروها باليهود واليهود فقط دون غيرهم… إن أحد قاطني القدس من غير اليهود، والمواطن الإسرائيلي غير اليهودي يمكن له أن يكون عضواً في الكنيست، وضابط شرطة، أو جندياً، لكنه محظور عليه سكن رمات أشكول».

ينص الفصل الثالث من قرار التقسيم حول مدينة القدس في البند 12 على حرية المواطنين، فيتضمن ما يلي:

أ ـ يضمن لمواطني المدينة (القدس) التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية…

ب ـ لا تمييز بين السكان من أي نوع، على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الجنس.

جـ ـ لكل الأشخاص داخل المدينة الحق في الحماية من جانب القوانين بالتساوي.

وهكذا تنتهك إسرائيل ما ورد حتى في قرار التقسيم حول حقوق المواطنين في المدينة المقدسة واحترام حقوقهم الإنسانية وحرياتهم الأساسية ومساواة مواطني المدينة أمام القانون وعدم التمييز بين اليهود والعرب. وهنا أتوجه بالسؤال التالي إلى يهود العالم، ماذا ستعملون لو قامت السلطات البلدية في مدينة برلين بمنع اليهود من امتلاك المخازن أو الشقق في حي من أحياء المدينة؟ ماذا سيكون موقفكم؟ هل سيكون كما تفعلون الآن عندما تعامل السلطات الإسرائيلية عرب فلسطين معاملة عنصرية، بل حتى تدعمون عنصريتها بالمال والإعلام والسياسة؟ أم ستقيمون الدنيا ولا تقعدونها على ألمانيا والألمان، وتحصلون على المليارات من الماركات الألمانية وهدايا الأسلحة الألمانية؟ بما فيها غواصات دولفين النووية؟

إننا نحترم مواقف إسرائيل شاهاك، وهو الذي كان من أبرز المعترضين على عنصرية «إسرائيل» وعنصرية القوانين فيها. إذ كتب يقول: «لا أعترض على هذه الممارسات لكوني إنساناً، بل لأني يهودياً أيضاً، وأنا فخور بكوني يهودياً، ولا أستطيع أن أطالب بهذه الحقوق كاملة لليهودي في جميع أصقاع العالم، ما لم أطالب بمثل هذه الحقوق للشعب الفلسطيني».

وقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 24/2/1981 قانون طرد الغرباء من أراضي الدولة. وتقصد بالغرباء، المواطنين العرب الذين يزرعون أراضيهم التي تعتبرها السلطات الإسرائيلية أراضي حكومية، صادرتها من أصحابها العرب، وكانت في السابق لحكومة الأردن.

كما أصدرت الحكومة بتاريخ 28/12/1982 قانوناً عنصرياً آخر هو «قانون البناء والتخطيط»، وذلك لمنع القرى والتجمعات العربية من التوسع، على الرغم من الازدحام السكاني الذي تعانيه لحمل الشباب منهم على الهجرة من وطنهم.

ووصلت العنصرية في المجتمع الإسرائيلي في تل أبيب حدَّاً لم يستطع فيه محمد وتد، عضو الكنيست الأسبق عن حزب المابام، من استئجار شقة أو غرفة في تل أبيب تماماً كما يحصل مع طلبة جامعة صفد العرب إذ يمنعون من السكن في صفد خوفاً من عودة العرب إلى مدينتهم العربية.

وتورد بعض الصحف الإسرائيلية العديد من الأمثلة اليومية التي تدل دلالة واضحة على عنصرية الصهيونية وعنصرية «إسرائيل» والمجتمع الإسرائيلي، فمثلاً ذكرت صحيفة هاعولام هازيه الصادرة في 29/4/1983 أن طالباً عربياً من كلية العلوم الإنسانية في جامعة تل أبيب اضطر إلى تبديل اسمه من علي إلى إيلي بعد أن عجز عن إيجاد غرفة ليستأجرها، وأن شاباً عربياً آخر اسمه عبد الله اضطر إلى تغيير اسمه إلى عوفيديا كي يعمل كممرض في أحد المستشفيات، وأن عاملاً آخر في أحد فنادق تل أبيب عمل باسم يوسي بدلاً من يوسف كي يحافظ على عمله.

وذكرت الصحيفة أن شاباً عربياً دخل أحد النوادي اليهودية، فانتهره بعض اليهود الموجودين في النادي قائلين: عربي قذر، كيف تجرؤ على دخول نادٍ يهودي؟ وهجموا عليه وضربوه بشكل وحشي وألقوا به خارج النادي.

فماذا سيقول هتلر لو كان حياً عن تصرفات اليهود تجاه العرب؟

يقول شاهاك في مؤتمر صحفي عقده في لندن حول عنصرية الصهيونية والتشابه بينها وبين النازية: «وكوني تحملّت الكثير من اضطهاد النازية وشرورها، وما زلت أدينها فإني أشعر الآن بمسؤولية وواجب يحملانني على إهانة النازية اليهودية التي هي بمثابة تجديف على اسم الله تعالى. إن المجدفين على اسم الله، هم أولئك الذين يسيرون على آثار هتلر ويقتفون خطواته، إنها تلك الفئة التي تجعل التهجير حقاً والاضطهاد عدلاً.

د

ؤ

اترك تعليقاً